مقاربة حول تفكيك العالم العربي وإعادة تركيبه (*)

الأصول والمظاهر والآفاق

الدكتور عبدالله تركماني

خلّفت الحقبة الاستعمارية وراءها عدة قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة، مزروعة حول وداخل حدود العالم العربي. فلم تألُ القوى الاستعمارية جهدا في زرع بذور فتن طائفية أو إثنية تكاد لا تخلو منها دولة عربية، بل أنّ الأطماع الخارجية لا تعدم وسيلة لخلق هذه الفتن خلقاً، وابتداعها إذا لم تكن قائمة على النحو الذي يحقق مصالحها في استمرار سيطرتها على المنطقة وعرقلة أية فرصة لتكوين تكتل مستقل لها، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الأمني.

غير أن المشاريع الخارجية ما كان لها أن تنجح لولا أنها وجدت عوامل داخلية تحقق لها هذه الأطماع، سواء كانت هذه العوامل سياسات خاطئة تكرس الأوضاع ما قبل الوطنية وتغذيها، أو صراعات داخلية تقتات على هذه الأوضاع وتستغلها.

إنّ مشكلة العرب الأولى عدم إنشائهم حيّزاً للسياسة خارج روابط القرابة والدين والمذهب، لذلك بدت أغلب الأقطار والمجتمعات العربية عصية على التوحد القومي أو الوطني، ملغّمة بكل عوامل الانفجار الداخلي والتشرذم القبلي والطائفي والمذهبي والإثني والعشائري. وما انزلاق الصراع إلى مستويات قبل وطنية وقبل مدنية، على ما برهنت وتبرهن حالات لبنان والسودان والعراق والجزائر وسورية وغيرها من الأقطار العربية، سوى دلالة على جدية المخاوف، ليس على الوحدة القومية العربية فحسب بل كذلك على الوحدة الوطنية في كل قطر من هذه الأقطار، مما يطرح في مقدمة القضايا والإشكاليات التي تواجه الفكر العربي في المرحلة الراهنة، مسألة الاندماج الوطني والقومي والمدني الهش في العالم العربي.

 

أصول التفكيك

ليس لانعدام الاستقرار المزمن في المنطقة العربية مصدر واحد، فمصادره متعددة ومختلفة، وأول ما ينبغي الإشارة إليه في تحليل هذه المصادر الموقع الجيو - سياسي المميز الذي تحتله المنطقة العربية. فمما لا شك فيه أنّ المنطقة قد شكلت ولا تزال تشكل مركز جذب وميدان تنافس دائم، وبالتالي ساحة صراع وتنازع دولي، تتجدد أسبابه وتتبدل ولكنها مستمرة بلا انقطاع.

وبينما ينظر البعض للطائفية والعشائرية، بوصفهما عاملين أساسيين في تكوين الهوية السياسية للمجتمعات العربية، ويعزو لهما مفاعيل استثنائية على تطور النظم السياسية والقيم الاجتماعية، يرى فيهما البعض الآخر ثمرة تلاعب القوى الأجنبية وتجسيدا لإراداتها في تقسيم البلدان العربية وتفكيكها إلى دويلات غير قابلة للحياة.

(1) المؤثرات الخارجية

لا شك أنّ الجغرافيا المصطنعة التي حكمت اتجاه وشكل تطور العالم العربي المعاصر بعد الاستقلال هي المصدر الأهم لانعدام الاستقرار الذي عرفته المنطقة. ومهما كان الدافع لذلك، وهو مختلف بين دولة وأخرى، ولو ارتبط جميعه بالصراع على النفوذ الدولي وحماية المصالح الخاصة بالإمبراطوريات الكبيرة، عملت أطماع الدول الأوروبية ونزاعاتها الخاصة على التشجيع على تقسيمه إلى مجموعة كبيرة من الدول الصغيرة بشكل اعتباطي، يستجيب لحاجات ضمان النفوذ الغربي بعد زوال الاحتلال أكثر من استجابته لحاجات التميّز في شروط حياة السكان أو في هويتهم الوطنية أو في مصالحهم.

لقد ارتبط بعث النعرات العرقية والدينية بالغزوات الاستعمارية منذ نهاية القرن الثامن عشر وحتى اليوم، فعندما غزا نابليون مصر في العام 1798 لعب على وتر الأقباط المصريين فأغرى جماعة من أراذلهم، على حد وصف عبد الرحمن الجبرتي مؤرخ مصر الشهير، فكونوا فيلقاً قبطياً، شارك الجيش الفرنسي في بسط النفوذ الاستعماري على مصر وفي إخماد ثوراتها وإجهاض انتفاضات مدنها وقراها ضد الغزاة، وكان يقود هذا الفيلق المعلم يعقوب حنا الذي نبذته الكنيسة القبطية، ومنحه الفرنسيون رتبة الجنرال وحكم عليه التاريخ باللعنة.

ثم لعب الفرنسيون بعدها بورقة الموارنة خلال القرن التاسع عشر، وتكرر الأمر مع الإنكليز الذين حاولوا اللعب بورقة الدروز في تاريخ مقارب، وبدا استخدام الإنكليز لورقة اليهود أكثر إلحاحا بعد مشروع محمد على باشا لتجديد الشرق، إذ أرادوا استخدامهم في فلسطين ليكونوا سداً أمام أي تمدد مصري نحو الشرق أو إقامة أي شكل من أشكال الاتحاد مع دول المشرق العربي، وحاولوا إغواء السلطان العثماني حيناً والضغط عليه حيناً آخر حتى يفعل ذلك بنفسه.

أما بالنسبة للاستراتيجية الصهيونية في الشرق الأوسط فيمكن الإشارة إلى عدة وثائق حديثة العهد نسبيا: ففي العام 1982 نشرت منظمة في الولايات المتحدة الأمريكية اسمهـــا " جامعة الاتحاد العربي الأمريكي " وثيقة تحت عنوان " الخطة الصهيونية للشرق الأوسط في الثمانينات والتسعينات " تعتبر من أهم الوثائق وضوحا، من حيث التفاصيل وغزارة المعلومات، منذ عهد مناحيم بيغن. وقد أعلنت الخطة هدفين رئيسيين: أولهما، إحياء دولة إسرائيل لتصبح القوة الوحيدة المهيمنة والمسيطرة في الشرق الأوسط. وثانيهما، العمل على تقسيم وإضعاف الدول العربية. وقد علق إسرائيل شاحاك على الوثيقة قائلا: " إنّ الخطة تعتمد على فكرة تقسيم الدول العربية إلى دويلات صغيرة لا أهمية لها، والتقليل من ثقل الكتل الشرق أوسطية على مستوى التسليح والجيش .. " .

وفي 20 مايو/أيار 1992 عقد مركز بارايلان للأبحاث الاستراتيجية، بالتعاون مع مركز الأبحاث السياسية بوزارة الخارجية الإسرائيلية، ندوة حول " الموقف الإسرائيلي من الجماعات الإثنية والطائفية في منطقة الشرق الأوسط ". وقد ورد في مقدمة الكتاب الذي أصدره المركز عن الندوة " تبنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سياسة تقوم على مبدأ دعم الأقليات العرقية والطائفية في الشرق الأوسط، وتأييد طموحاتها ورغباتها، سواء فيما يتعلق بالمساواة في الحقوق وحق تقرير المصير أو إقامة كيانات مستقلة، وذلك انطلاقا من الحلف الطبيعي القائم بين إسرائيل وهذه الأقليات ".

وبالنسبة لسورية كتب الباحث الدكتور استيمار واينوفيتش في ورقته، التي قدمت إلى الندوة تحت عنوان " سورية هل ستبقى دولة موحدة في ظل انتعاش الاتجاهات الانفصالية في المنطقة والعالم ؟ "، ومما ورد في خاتمتها: " .. في ظل التحولات العالمية الجديدة، وما شهدته ولا تزال المنطقة وخريطة العالم من صراعات مريرة ودموية بين الجماعات العرقية والدينية والطائفية، في ظل ذلك كله لا يجب إغفال الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه التطورات والتداعيات الجديدة في تهيئة المناخ وتعبئة الأقليات، وشحذها بعناصر التفاؤل والجرأة اللازمة لأن تسعى إلى الاستقلال والانفصال ".

ولعل من أهم الدراسات التي ظهرت بعد جريمة 11 سبتمبر/أيلول، والتي نرى أنها الرافد الأساسي لكل المبادرات الأمريكية، التقرير الذي وضعه المحلل في مؤسسة " راند كوربوريشن " للدراسات لوران مورافيتش، وقدمته المؤسسة في 10 يوليو/تموز 2002 إلى هيئة السياسة الدفاعية في وزارة الدفاع الأمريكية " البنتاغون "، أحد أهم المصادر للتعرف على ما تضمره الإدارة الأمريكية تجاه المنطقة العربية. فما ينتهي إليه التقرير، في مجــال " الاستراتيجية الكبرى للشرق الأوسط "، يقول بالحرف ما يأتي : العراق هو المحور التكتيكي، السعودية هي المحور الاستراتيجي، مصر هي الجائزة.

وهكذا ذهبت مؤسسات الأبحاث الأمريكية، العاملة في خدمة المحافظين الجدد، إلى إعداد المعايير والمصطلحات السياسية التي يجب أن تتغير حول المنطقة بما يتلاءم مع الرؤية الأقلوية. إذ اقترحت عبارة " الشرق الأوسط " بدل العالم العربي أو الإسلامي. فقد نصح روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي في " مؤسسة واشنطن لسياسات الشرق الأدنى "، في رسالة موجهة إلى كارن هيوز مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون السياسات العامة " إقصاء تعابير العالم العربي والعالم الإسلامي من القاموس الديبلوماسي الأمريكي "، بينما طالبها بصراحة " دافعوا قدر الإمكان عن مقاربة خاصة بكل بلد على حدة ".

وتجدر الإشارة إلى أنّ مشروع إعادة تشكيل المنطقة يتلازم عضويا مع خطة " الفوضى الخلاقة " التي أشرف على وضعها نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني منذ سنوات، وباتت من أساسيات خطب الرئيس بوش وتصريحاته. إذن ما تمارسه السياسة الأمريكية حاليا في الشرق الأوسط الموسع هو عملية هدم، متبوعة أو مقترنة بعملية بناء شرق أوسط موالٍ، تفشل عمليات استقطابه إلى القوى الدولية الأخرى، بربط هذا الإقليم سياسيا واقتصاديا بالولايات المتحدة، وتشمل عملية الهدم: تغيير نظم، واختراق ثقافات، ومنع تشكيل محاور ثنائية أو ثلاثية، بل وأيضا تشمل إعادة صياغة الكتل الإقليمية ومنها الكتلة العربية في هذا الشرق الأوسط الموسع، كما تشمل عملية الهدم تفكيك دول وفقا لخريطة إثنية للإجهاز تماما على الرابطة العربية، وإحداث ضمور كبير في كل الأحزاب والأشكال التنظيمية التي تعتنق الفكر القومي العربي وتعمل على إحيائه وتجديده.

وهكذا، دخلنا مرحلة دقيقة جدا، مرحلة إعادة ترتيب الأوراق دولياً، وربما إعادة ترتيب الأنظمة والدول والحدود. فقد أتت مشاريع " الشرق الأوسط " منذ خمسينيات القرن الماضي، الذي أصبح " جديداً " بعد مؤتمر مدريد في العام 1991، و" موسّعاً " بعد غزو العراق واحتلاله، تحاول استكمال ما دشنته اتفاقيات " سايكس بيكو" في أوائل القرن العشرين، ولكن من خلال الانتقال به من حدود الدولة الوطنية إلى حدود عصبية القبيلة والنسب والمذهب !

وبداية، من الضروري الانتباه إلى دلالة إصرار الباحثين الغربيين، منذ الحرب العالمية الثانية، على استخدام مفهوم الشرق الأوسط للدلالة على المنطقة العربية، التي تضم خليطا من القوميات والسلالات والأديان والشعوب واللغات، القاعدة فيه التعدد والتنوع والاستثناء هو الوحدة.

ومن الواضح لنا أنّ الترتيبات الشرق أوسطية سوف تؤدي، إن عاجلاً أو آجلاً، إلى نهاية المفهوم المعروف للنظام الإقليمي العربي لصالح النظام الشرق أوسطي، مما يعني :

- أنّ نظام الشرق الأوسط الموسع، بوحداته وتفاعلاته ونزاعاته، هو شرق أوسط متعدد الأديان والمذاهب والسياسات والأساطير والقوميات والثقافات. وستشهد المنطقة، في هذا النطاق، صحوة للثقافات والعرقيات الفرعية تحت حماية التنظيم الجديد للمنطقة، وتحوّل الاهتمام بالأقليات إلى اهتمام عالمي.

- تغيّرات في نمط التحالفات في المنطقة، منها تحالف الأقليات القومية والدينية المتعدي للدول القائمة، وهذا سيدفع إلى ضرورة صياغة نمط مختلف من العلاقات السياسية الداخلية مع هذه الأقليات في الدول العربية أساساً، وهو ما قد يشكل مصدراً لانفجارات جديدة في المنطقة.

- تلعب إسرائيل دوراً فريداً في المنطقة، فهي القطب الأبرز الذي سيلعب دور الدولة الإقليمية الأعظم، ومنظّم المنطقة، ومديرها ونموذجها التحديثي، ووسيطها مع الغرب في مختلف المجالات. وفي مقابل هذا الدور يمكن إعطاء دور لمصر كأداة لضبط وتنسيق المجموعة العربية، لتلعب دور المهدئ للصراعات، التي يمكن أن تنشأ في الإطار العربي.

(2) المؤثرات الداخلية

لقد كان التشكيل التاريخي لدولنا العربية عند بدايات القرن العشرين مهلهلاً وضعيفاً إثر تفكك الإمبراطورية العثمانية وزوالها، إذ برزت أصناف عدة من الدول العربية: دول منقسمة على ذاتها، ودول مركبة من الأقاليم، ودول أسطورية قديمة، ودول لا تاريخ لها. وعاشت هذه الدول تحمل جملة هائلة من التناقضات الاجتماعية والسياسية والثقافية من دون أن يلتفت إليها أبناؤها ليعترفوا أولا بحجم معضلاتها كي لا يتهموا في وطنيتهم، فضيعوا فرصاً ثمينة لإيجاد حلول عملية بعد الاعتراف بها.

لقد فشلت أغلبية الحكومات العربية، على مدى أكثر من ستين عاما، في بناء دولة لكل مواطنيها. وبالتالي، فإنها مسؤولة مسؤولية مباشرة عن تشويه صورة الدولة المركزية إلى حد جعل شرائح واسعة من مجتمعاتها تتطلع إلى صيغ حكم بديلة، قاسمها المشترك تقليص دور السلطة المركزية أو حتى الانفضاض من حولها.

ومن جهة أخرى، لم يواجه الفكر القومي العربي مسألة الأقليات الدينية والمذهبية والإثنية ومخاوفها الأقلوية، من أجل فهمها واستيعابها، وبالتالي إبداع قيم مركزية قومية جاذبة يمكن أن تتجاوز معها أقلويتها والانشداد إلى الأفق القومي الجامع، فظلت دملاً ينزف كلما تعرض الجسم العربي لأزمة جدية. ولم يواجه مسألة العلاقة بين القومية العربية والديموقراطية، بل طرح قومية مفرغة من الديموقراطية لم تأخذ في الحسبان حريات الأفراد وحقوقهم الإنسانية الأساسية. ونظر إلى الشعوب بوصفها " جماهير "، " رعايا " مطلوب منها أن تضحي دائماً وتتنازل عن حقوقها من أجل " طوبى قومي ". ولم يواجه مسألة الفصل بين المجالين السياسي والديني، فلم يتصدَ لتعيين حدود الدين في الحياة السياسية والاجتماعية من منظور عقلاني، فكان أن اكتسح الديني السياسي، والأصالة الحداثة، والماضوية العصرنة.

في ظل هذا الالتباس والقصور والتردد والتراجع كان من الطبيعي أن تنتكس المجتمعات العربية وتتذرر إلى تكويناتها ما قبل القومية وما قبل الوطنية وما قبل المدنية، وأن يرتكس الفكر العربي إلى الغيبي والسلفي والتقليدي، وأن تثار من جديد المخاوف على الوحدة الوطنية وتطرح الفيديرالية والكونفيديرالية حلاً لأزمة الاندماج القومي أو الوطني العاثرين.

فالمجتمع العراقي، كما حلله عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، نسيج اجتماعي وحده. موزاييك، يتألف من تنوع عرقي وديني ولغوي كبير. فإلى جانب الشيعة والسنة الذين يشكلون الغالبية في البلاد، هناك الأكراد، والتركمان، والمسيحيون العرب، والإيرانيون والصابئة، والشركس. وهذا التنوع قد أثرى الحياة العراقية الثقافية والاقتصادية، ولكنه لم يثرها سياسياً. لقد اعترف الوردي في محاضرة ألقاها في العام 1962، أنّ العراق أكثر من أي بلد عربي آخر يقف على حافة منبع فياض من البداوة. ولا بد لهذا المنبع أن يؤثر على سلوك الفرد والمجتمع العراقي الواقع بين القيم الاجتماعية المتناقضة: قيم البداوة، وقيم الحضارة، والتي ولّدت الصراع الطائفي والمذهبي والعرقي في العراق حتى الآن. ويخلص الوردي إلى نتيجة عامة، وهي أنّ المجتمع العراقي متعدد الإثنيات والطوائف، وأن الاتصال بين الريف والمدينة اتصال قبلي ريفي وطائفي. وهو ما يؤثر على الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، ويحدث خللاً ونشازاً اجتماعياً. وربما حسب الوردي - لن يجد العراق حلاً لكل هذا غير طريق الفيديرالية التي ربما لا تكون هي الطريق الأسلم لبعض البلدان العربية، البعيدة في نسيجها عن النسيج العراقي المتفرد.

وبما أنّ السلطات المركزية المتعاقبة في بغداد لم تستطع النهوض بعبء مهام بناء الدولة العصرية، وهي لم تكن جديرة بها أصلاً، فإنّ البعض يعتقد بأنّ اختفاء رائحة الموت من العراق مشروط اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالدعوة الصريحة إلى إقامة نظام فيدرالي جديد يعيد رسم حدود الكيانات السياسية المتعارف عليها، بما يكفل إعادة الخريطة إلى محتواها الواقعي البشري والجغرافي كي تسمح بالاندماج الوطني الحقيقي.

 

مظاهر التفكيك

 

ما كان أحد يظن قبل سنوات قليلة خلت أنّ التجربة السودانية سيعاد إنتاجها في العراق‏,‏ فما يجري لكليهما يرسم معالم مرحلة جديدة للتسوية السياسية في أي قطر عربي‏,‏ يقع في حرب أهلية مريرة مثل السودان‏,‏ أو تتفكك أوصاله إثر غزو خارجي كالعراق‏.‏

وما بين تجربتي البلدين من اتصال يدور حول أربع قضايا‏: الحل الإداري والسياسي من باب الفيدرالية، والترضية الاقتصادية من نافذة تقسيم الثروة، وبناء توافق سياسي بين الكتل الاجتماعية الرئيسية على حساب كتل أخرى أصغر، وقيام هذه الحلول جمعيا بفتح الطريق أمام القوى الإقليمية المحيطة بالبلدين لتدس أنفها في شأنهما.‏

‏وهذا النوع من الفيدرالية يجعل الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام تقسيم العراق والسودان،‏ فالمنخرطون في تأييد الدستور العراقي والطرفان المتفقان بالسودان‏,‏ ينظرون جميعا إلى الثروة الوطنية الأساسية وهي النفط‏,‏ وكأنها غنيمة حرب،‏ يريد كل منهما أن يحوزها دون مراعاة حقوق ومصالح قوى اجتماعية أخرى في البلدين‏.‏ فالحلول المتداولة بالعراق حول الثروة تقوم إما على تحديد نسب معينة لكل محافظة حسب إنتاجها النفطي‏,‏ أو تقسيم العائدات بإشراف الحكومة الفيدرالية‏,‏ وتوزيعها على المحافظات على أساس عدد السكان‏.‏ والحل الذي أقره اتفاق " نيفاشا " في السودان يقوم علي تقاسم عائدات النفط مناصفة بين الحكومة المركزية وحكومة الجنوب بعد منح‏ 2 %‏ فقط للولاية التي توجد بها الآبار النفطية‏,‏ على أن يكون لسكان المناطق التي تمتلك احتياطياً نفطياً‏,‏ وأغلبها في الجنوب‏,‏ حق إبرام عقود التنقيب والاستخراج‏.‏ أما بالنسبة للموارد غير النفطية فإنّ على الحكومة أن تخصص نصف ما تحصل عليه من إقليم الجنوب إلي حكومته‏,‏ وعلى الأقاليم أن تدير مواردها دون هيمنة من المركز‏.‏

والاتفاق حول توزيع الثروة النفطية في السودان‏,‏ وما يتمسك به الشيعة والأكراد في العراق بخصوص هذه المسألة‏,‏ يظلم أقاليم أخرى داخل البلدين‏.‏ حيث لن يحصل سكان غرب السودان وشرقه على نصيب عادل من هذه الثروة‏,‏ يكافئ ما كان يمكن لهم أن يحوزوه لو تم توزيع الثروة بشكل متساوٍ بين كل المواطنين السودانيين‏.‏ أما في العراق فإنّ هذا التوجه يظلم السنة‏,‏ الذين يقطنون وسط العراق‏ حيث لا تجود الأرض بأي نفط، ويحابي الشيعة والأكراد‏,‏ الذين يقطنون جنوب العراق وشماله‏,‏ حيث الأرض العامرة بكل نفط العراق‏.‏ وإذا تمكن الأكراد من جعل كركوك عاصمة لهم‏,‏ وهي محافظة غنية بالنفط‏,‏ فإنّ هذا من شأنه أن يظلم التركمان الذين يشكلون نسبة معتبرة من سكان هذه المحافظة‏.‏

‏كما أنّ لترقب الجوار الإقليمي ما يبرره‏،‏ إذ أنه يرتبط بمصالح حيوية‏‏ لتركيا وسورية وإيران في العراق،‏ ولمصر وكينيا وأوغندا وإريتريا وأثيوبيا في السودان‏.‏ فهناك مخاوف لدى الدول الأولى من أنّ وضع نواة لدولة كردية‏,‏ سيلهب حماس الأقلية الكردية في البلدان الثلاثة‏,‏ بحثاً عن استقلال مماثل يشكل خطوة على طريق الدولة الكردية الكبرى التي لا تزال حلماً يعيش في قلوب الأكراد وعقولهم‏,‏ لم يسقط بالتقادم ولا بالحدود الصارمة لدول المنطقة‏.‏ أما بالنسبة للأطراف الإقليمية المحيطة بالسودان‏,‏ فنجد أنّ مصلحة مصر تكمن في سودان موحد ومستقر،‏ إذ إنّ 15 %‏ من مياه النيل الواردة إلى مصر تمر عبر السودان‏,‏ الذي يضر اضطرابه بمصالح مصر الاستراتيجية في البحر الأحمر وباستقرار حدودها الجنوبية‏,‏ ويرتب عليها أعباء النازحين من جنوب الوادي‏.‏ وأوغندا دولة حبيسة تنظر إلى السودان على أنه طريقها إلى العالم الخارجي،‏ ومالت دوما إلى حق تقرير مصير الجنوب وتقسيم السلطة والثروة في السودان‏.‏ وهناك كينيا التي جعلت لمتمردي الجنوب مقرا على أرضها‏,‏ لكنها ترفض مبدأ الانفصال‏،‏ تخوفا من أن يشجع قاطني إقليم النفد من الصوماليين على المطالبة بالاستقلال عن كينيا‏.‏ أما إريتريا فتدخل في صراع علني تارة ومستتر تارة‏,‏ ضد السودان‏,‏ مما جعلها تتدخل في الشأن السوداني باستمرار وتستضيف على أرضها قوات لمعارضي حكومته‏.‏ والوضع نفسه ينطبق - إلي حد كبير - على أثيوبيا‏.‏

إنّ ما حصل بعد الاحتلال الأمريكي - البريطاني للعراق ليس مجرد سقوط لنظام ديكتاتوري، بل هو إخلال بتركيبة المنطقة تمهيداً لإعادة النظر فيها, وهو بمستوى أهمية ما جرى في مرحلة ما بعد سقوط الدولة العثمانية.

لقد وضع الانقلاب العراقي العرب أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التعاطي مع العراق الجديد، وإما رفض ذلك وتحمّل تبعات هذا التصرف. و

لا يحتاج المرء إلى أكثر من نظرة سريعة ليكتشف أنّ العراق الجديد، كما هو في مشروع الدستور، ليس العراق الاتحادي الذي حلم به أهله دائما، بغض النظر عن ممارسات الحكم فيه، ويفترض أنهم يحلمون به الآن. في مشروع الدستور هذا فيديرالية طوائف ومذاهب وأعراق وعشائر، واستئثار جزء من شعب الدولة الاتحادية بثروات البلاد على حساب أجزائه الأخرى، والأهم من ذلك كله من دون قبول فئات واسعة من الطوائف والمذاهب والأعراق كلها لمثل هذا النوع من نظام الحكم.

وبما أنّ الدستور يرغم الجميع على الدخول الإلزامي في شبكته المذهبية والقومية الضيقة، من قانون الأحوال الشخصية إلى معانقة الغرائز النابذة مروراً بالحصول على وظيفة أو منصب سياسي، فإنّ المأزق الدستوري سوف يظل كالسيف مسلطاً على الرقاب ولو إلى حين، ذلك أنّ تغليب الجزء المذهبي أو القومي على الكل السياسي من شأنه أن يولد تناقضاً عصياً على الحل، فهو من جهة ينفي حق التمسك بالأساس المذهبي أو القومي، والتهويل بالديمقراطية العددية من جهة أخرى.

وإذا كانت الفيديرالية على أساس قومي، تضفي على المسار الديمقراطي مزيداً من النضج والتكامل، فإنّ الدعوة لفيديرالية على أساس مذهبي هي على النقيض عامل إقلاق ومحاولة تمييز غير صحي، تفضي إلى إرباكات كثيرة في عملية البناء الديمقراطي ومفهوم المواطنة.

إنّ ما ينقسم حوله العراقيون ليس الموقع والخيار السياسي فحسب، بل أيضاً توجه العراق المستقبلي، انتماؤه ودوره وموقعه الإقليمي. فليس العراق وطناً هامشياً صغيراً حتى تغيب عن شعبه وقواه المسائل الكبرى للهوية والدور والموقع، فعندما تتحرك قوى سياسية بدوافع التقسيم الإثني والطائفي، بدوافع تقويض انتماء العراق العربي وتجاهل الهوية العربية لأغلبية شعبه، وبدوافع إخراج العراق من دوره الإقليمي وميراثه القومي، بينما يطالب عراقيون آخرون بالحفاظ علي هوية العراق العربية وميراثه القومي، مهما شاب هذا الدور والميراث من شوائب، ويطالبون بالحفاظ علي وحدة العراق كوطن ودولة، وبأن يستمر العراق في ممارسة دوره الإقليمي التقليدي، فهناك حالة انقسام عميقة تحتاج إلى تعاطٍ عقلاني معها.

 

 

 

 

 

آفاق التفكيك

 

بعد عامين ونصف على الزلزال العراقي، يمكن القول أنّ مفاعيل الحدث لا تزال في بدايتها, فقد تخرج القوات الأجنبية من أراضيه يوماً ما، لكن سيرفع الستار حينئذ عن عراق مختلف، حيث العروبة أصبحت مجرد شريك وليست رافداً أصيلاً، كما أنّ الخلافات المذهبية تبدو أكبر من حجمها الطبيعي، والفيديرالية المقترحة تتجه إلى تمزيق أوصال العراق.

إنّ نجاح الجراحة الكولونيالية للنسيج الاجتماعي العراقي سيأخذ المنطقة العربية إلى حتف كياني تتمزق فيه وحداتها الإقليمية الحالية، وقد يظهر مشروع تفتيتي يأخذ اندفاعته من احتلال بلاد الرافدين، وتطلّع إلى إعادة النظر في الخريطة الكيانية للعالم العربي المعاصر جملةً وتفصيلاً.

العراق بهذا المعنى هو اليوم ساحة الصراع الرئيسي والاستراتيجي والحاسم بين الآليتين الدافعتين لوقائع السياسة والتناقض في البلاد العربية: آلية الانقسام والتقسيم وتفكيك الكيانات والأوطان، وآلية الدفاع عما تبقى من محصلة تلك الكيانات والدول من وحدات وعلامات تماسك على ما قد يكون فيها من هشاشة.

مع ذلك فالثقافة السياسية العربية المهجوسة بـ " الوحدوية الاندماجية "، عندما يطرح السؤال عن تأييد الفيديرالية أو رفضها، إن في العراق أو في خارجه، وعن انعكاساتها مستقبلاً على العراق وعلى الدول العربية الأخرى، فإنها في الجوهر - عرقية وطائفية ومذهبية وقبلية وعشائرية ومناطقية. إنّ المشكلة الفعلية في الثقافة السياسية العربية الناضجة لا تكمن في " الفيديرالية القومية " كما مع الأكراد في العراق، وإنما المشكلة هي " الفيديرالية المذهبية " للشيعة.

وفي الواقع، إذا كان المجتمع العراقي معقداً على أشد أنواع التعقيد، فإنّ مجتمعات مجاورة له وخصوصاً العربية منها، معقدة المركبات وقابلة لأن تتعامل مع نفسها على منوال العراق تحت مسميات مختلفة. فإذا كانت المرجعيات الدينية والعرقية والطائفية في مجتمعات حضارية لا تأتي إلا في المرتبة الأخيرة ولم تستخدم سياسياً أو اجتماعياً، بفعل تطور الأذهان والتعامل مع القوانين المدنية، كيف يمكننا أن نضمن أنّ نظماً حضارية لها مبادئ في التطبيقات المدنية والحضارية يمكن تطبيقها في منطقتنا ولا يساء استخدامها، خاصة أنّ الثقافة السياسية السائدة في مجتمعاتنا مشبعة بالترسبات التاريخية ومواريث الأعراق والأديان والطوائف والقبائل ؟

وهكذا، يبدو أنّ البدائل والخيارات المطروحة على العالم العربي، موضوعياً، تتمثل في ثلاثة بدائل مستقبلية: أولها، استمرار حالة التشتت والفوضى والبعثرة العربية، بما ينطوي عليه من هيمنة إسرائيلية على المشرق العربي. وثانيهما، إعادة تنظيم المنطقة في شكل شراكات إقليمية ضمن إطار الشرق الأوسط الموسع. وثالثها، العودة إلى النظام الإقليمي العربي بعد إنعاشه وتطويره وتغيير سلوكيات أطرافه وتحديثه.

ومن المتوقع أن يُطرح النظام الشرق أوسطي وفق السيناريو المرجح التالي: أن يتشكل على مسرح المنطقة نظام شرق أوسطي تكون فيه إسرائيل هي مركز التفاعل وجوهره، وتقوم فيه بدور محوري يعزز أمنها ويدعم اقتصادها بحيث يتم تعظيم مصلحتها بالحصول على أكبر قدر ممكن من الثمار والمكاسب بأقل قدر ممكن من الأعباء والتضحيات. في حين تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بتوجيهه وإدارته وفق مصالحها الاستراتيجية، وليس مستبعدا أن يتم ذلك على قاعدة إنشاء " منظمة للأمن والتعاون في الشرق الأوسط الموسع ".

والسؤال هو: هل سيطبق مشروع الفيدراليات في منطقة الشرق الاوسط الموسع ؟ هل يمكن أن تسري تجربة العراق الصعبة في بلدان عربية أخرى ؟

إنّ العراق في تجربته التاريخية الصعبة التي يجتازها اليوم، وسواء نجح فيها أم فشل، سوف يكون نموذجا حقيقيا في تطبيقاته على بلدان عربية أخرى. ففي ظل الأوضاع السياسية المهترئة التي تعاني منها العديد من الدول العربية ومجتمعاتها وحالات النفور السياسية التي تعبر تعبيرا حقيقيا عن انقسامات داخلية مريعة، ليس من المستبعد أن تتأثر به بلدان وبيئات أخرى.

لقد ترافق طرح الفيديرالية في المشرق العربي بالحديث عن التكوين الفسيفسائي للتركيب السكاني في المنطقة، وهو تركيب متنوع في بناه القومية والدينية والطائفية، مما يفسح في المجال أمام تأسيس كيانات على تلك الأسس، يمكن جمعها في إطار كيان فيديرالي جامع، يكون محصلة تفاهمات بين الكيانات الداخلة فيه. فبعد أن تغير العالم من حول النخبة الثقافية والسياسية في المجالين العربي والإقليمي، وتغيرت الظروف الداخلية والخارجية، وصارت بلدان المشرق في دائرة تحديات جديدة وشديدة التعقيد، فإنها شرعت في إعادة النظر في كثير من مسلماتها وأنماط تفكيرها وطرائق عملها وعلاقاتها، وإطلاق أفكار وآليات جديدة باتجاه مشروع مستقبلي لبلدانها وللمنطقة، يتجاوز حمى الانقسامات والصراعات، وقد تكون الأنظمة اللامركزية، بما فيها النظام الفيديرالي، أحد خيارات المشروع. لكن الأهم من ذلك كله، أن لا تذهب هذه النخب إلى فرض أية خيارات على شعوبها بالقوة، وخاصة بقوة المحتل الأجنبي.

 ففي ظل العولمة، بكل تجلياتها الاقتصادية والثقافية والسياسية، يمكن للنظام الفيديرالي أن يتشكل في أي من الصورتين: التمزق الكامل أو التوحد الكامل.

إنّ ما حصل في العراق ليس مجرد سقوط نظام, إنه انقلاب على الصعيد الإقليمي لا يقل في خطورته عن زرع دولة إسرائيل في أرض فلسطين, والمشكلة تكمن في أنّ على العرب التعاطي مع الوضع الجديد الذي خلقه الأمريكيون والنتائج المترتبة عليه, كي لا يبقوا خارج الصورة غير مدركين ما يدور على أرض الواقع، ولما يمكن عمله وما لا يمكن عمله في مواجهة الزلزال الذي حصل. وفي ظل ازدياد القلق العربي الراهن هل ستتبلور مبادرة عربية تجاه المسألة العراقية من أجل إعادة بعض التوازن المطلوب إلى عملية إعادة البناء الوطني في العراق من جهة، وبغية توفير الدعم الفعلي السياسي والمادي لإنقاذ العراق وإخراجه من محنته من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، ثمة احتمالان ينضجان في واقع العرب الراهن: احتمال أن نذهب إلى مصالحة تاريخية بين أطراف السياسة والمجتمع، تتيح انتقالاً تدريجياً وآمناً نحو وضع بديل، نقبله جميعاً لأنه من اختيارنا، واحتمال نقيض يعني تحققه ذهابنا من أزمتنا الراهنة إلى حال مفتوح على الاقتتال والفوضى. هذان الاحتمالان هما بديلان تاريخيان للواقع العربي الحالي، يمثل أولهما فرصة وثانيهما كارثة. ولكي يرجح احتمال الفرصة فلندرك أنّ الدولة المركزية واحتكار القرار السياسي والإداري لم يعودا ممكنين في ظل عالم يتجه نحو اللامركزية وتوسيع دائرة المشاركة واحترام الخصوصيات.

وفي السياق نفسه، يفترض أن تمثل الأقليات القومية أو الدينية عاملاً ذا بعد إيجابي في الحياة العربية، إذ يمكن أن تضيف تنوعاً يضيف إلى مجتمعاتنا ويجعلها أكثر ثراء ثقافياً وتسامحاً وانفتاحاً. في كل الأحوال فإنّ التعايش والاندماج يقتضي تسليماً من جميع مكوّنات مجتمعاتنا بضرورة إشاعة روح التسامح وقيم التعايش، وهذا يوجب على الأقليات ألا تتقدم بمطالب لا تستطيع الأكثرية قبولها. كما أنّ للحكومات دوراً أكثر أهمية ، إذ أنّ عليها أن تتيح تكافؤ الفرص الإدارية والسياسية والثقافية، فلا يعقل أن تمنع كفاءة من خدمة وطنها من موقع تخصصها وتميّزها بسبب انتمائها العقائدي أو الاجتماعي أو السياسي، كما يتوجب على الحكومات صيانة الحقوق الدينية والسياسية والثقافية عبر مؤسسات وقوانين دستورية تؤسس لسياق وطني، يصون حقوق الجميع وتطوير النظام السياسي وإرساء متطلبات الديمقراطية فيه.

ومن جهة أخرى، على الصعيد الاستراتيجي، تظل المنطقة العربية محتفظة بثقلها الخاص، في منظور المصالح الدولية. مما يجعلها منطقة غير مستقرة، ومعرضة للاهتزاز والتوتر، يحمّل حكوماتها مسؤولية بناء موقع استراتيجي، وفق منهج عقلاني، غير تصادمي، يستند إلى أصول الحوار بين دول الشمال والجنوب، وإلى توفير الإمكانيات الذاتية، بما يحمي الجدار العربي من محاولات الاختراق الأجنبية، وبناء سياسة واضحة مع دول الجوار.

وقد يكون من المناسب أن تعترف الأمة العربية، بحكامها ونخبها الفكرية والسياسية، أنّ محصلة مشروعها القومي التحرري، بالرغم من محطات مضيئة فيه، هي إحباط آمال الشعوب العربية في التحرر والتقدم والوحدة. وما ذلك إلا لأنّ البنية الحضارية العربية، التي واجه بها العرب تحديات مرحلة ما بعد استقلال أقطارهم، وخاصة التحدي الصهيوني، كانت بنية مأزومة. فطوال القرن العشرين، لم تتمكن الأمة من تكوين بنية اقتصادية اجتماعية ثقافية سياسية - عسكرية متينة، يكون في إمكانها تحقيق أمن العالم العربي وتقدمه، كما لم تبلغ حد بناء دولة المؤسسات الحديثة.

 

تونس في 21/10/2005 الدكتور عبدالله تركماني

كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

 

(*) في الأصل محاضرة قُدمت في فضاء " التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريـات " التونسي المعارض مساء 21/10/2005 .