إن تضليل عقول البشر على حد قول باولو فرير، "أداة للقهر". إنه يمثل إحدى الأدوات التي سعت السلطة الفاشية في سورية والوجه الظلامي الآخر لها، الممثلان لعملة واحدة، واللذان يمتلكان العقلية الاستبدادية والطائفية، إلى استغلالها أبشع استغلال لتحقيق مصالحهما. وقد تم ذلك عبر وسائل كثيرة، من كذب وتضليل وإجرام وغير ذلك مما توافر لديهما لتدعيم سلطتهما لمآرب خاصة تحقق أهدافهما. ونتيجة لهذه الحملة المنظمة والمرتبة، التي أخذت بعقل المواطن السوري وفؤاده كل مأخذ، وحاصرته من كل اتجاه، انساق الأخير تدريجياً، تاركا مخياله الجمعي الأصيل لهذه الحملة، غافلاً عن نوعية التغيير الفعلي الذي ثار من أجله نحو الحرية والكرامة، التغيير الذي يحفظ له مصالحة ومستقبله. وهكذا أصبح إنساناً مزيفاً، أسير الصورة والمظاهر، باحثاً عن أقنعة تبرر لبعض منه تلاحمه مع السلطة وتبرر للبعض الآخر في الجهة المقابلة تقليد السلطة في ممارساتها وكذبها وتدليسها للحقيقة، مستلهماً طريقة أفكارها الاستعلائية بوجه أي نقد أو تصويب، وصولا إلى قناعة عند هذا البعض الثاني بأنه يسيطر بشكل خرافي على الواقع، متوهماً أنه هو وحده من يحرك الشعب السوري وهو من يلهم الجماهير. هذا مع العلم بأن كلا الطرفين مدعوم بآلةٍ إعلاميةٍ ضخمةٍ تقوم بالعبث والتلاعب بالبنية الثقافية والشعبية في تشكيل الوعي لمصلحتها بما هو كائن، وبما هو هام ، وما هو حق. وفوق هذا كله يصبح الحق منتجاً يصنع في تلك الأقنية ذات الأهداف الخاصة، التي لا تمت لأهداف الشعب السوري بصلة. وهكذا قام كل من السلطة والقوى الظلامية بـ:

1- خلق الظروف لتزييف الوعي: منذ بداية الإنتفاضة السلمية للشعب السوري واجهها النظام بالقتل والاعتقال والتعذيب للحصول على ردات فعل عنفيه جزئية هنا وهناك ليبرهن على أنّ الكل هو العنفي والجزء القليل فيها هو السلمي، من خلال عملية تزييف مدروسة، يظهر فيها النظام مدافعاً عن أمن المواطن والوطن أمام عصابات مسلحة همها ضرب الوحدة الوطنية وخلخلة الأمن في البلد. فقام بتزييف المعلومة التي تبنى عليها رؤية الناس للحياة، لتصبح إرادتهم تابعة لمصدر هذه المعلومات الزائفة، إضافة لتقديم بعض الإصلاحات الشكلية لإعادة إنتاج سلطته، معتبراً هذه الإصلاحات إنجازات عظيمة تحقق المطالب التي نادت بها الانتفاضة السورية.

2- صناعة الوعي القسري: حاولت السلطة ومازالت تحاول تسيير الوعي ضمن أهداف تحقق استمرارها، من خلال فرض شروطها بما تمتلك من إمكانيات ضخمة في إدارة الدولة. فعملت على القيام بتخريب متعمد في كافة نواحي حياة المواطن السوري، من خلال التضييق على ظروف معيشته اليومية، بحجة الوضع الأمني، من قطع يومي لوسائل الاتصال والكهرباء وشح في المحروقات وقطع الطرق ومحاصرة المدن وغلاء الأسعار، إضافة إلى الضغط النفسي من خلال تهديد الحياة المستمر. كل هذه الأفعال من أجل إيهام المواطن السوري أن ما يحصل من تخريب وحصار على المستوى الاقتصادي هو نتيجة لهذه الثورة. إلا أن أخطر ما تقوم به السلطة في هذا الشأن هو القتل والتعذيب والخطف والمذابح وبث الفتنة الطائفية. كل ذلك من أجل تشكيل وعي قسري لدى المواطن لا يقبل المفاضلة، فإما بقاء السلطة والقبول بما تقدمه أو حرق البلد وهو الشعار الذي يرفعه أزلام النظام إما الأسد أو حرق البلد.

3- صناعة الوعي القهري: وهو الوعي الذي تشكل خلال نصف قرن من الاستبداد والفساد، من خلال خضوع إجباري له، مارست السلطة فيه أبشع أنواع قهر المواطن السوري، فساداً وقتلا واعتقالا وتعذيباً وهجرة قسرية. وما سبق كله استلهمت القوى الظلامية معطياته في إرهابها الفكري، دون تمحيص أو تحليل أو نقد على أساس أن الخضوع من طبيعة الأشياء. فقامت بعملية ضخمة تبيع من خلالها الوهم للشعب الثائر، وهم أنها قادرة على تحقيق مصالحه وعلى تسخير المجتمع الدولي لخدمته، دافعة باتجاه مطالب لا يمكن تحقيقها ضمن الوضع الجيوسياسي للدولة السورية، مطالب أصبحت مأزقاً للقوى الثورية وللشعب السوري، لُقمت بطريقة منهجية. وكان من أهم تلك المطالب الحظر الجوي والتدخل الدولي والمناطق والممرات الآمنة، والتي لم يتحقق منها شيء. 

 

لقد تم استخدام كافة الوسائل في تزييف الوعي وبيع الأوهام للشعب السوري. وكان أهمها وسائل الإعلام، وذلك لتحقيق تطويع الجماهير لأهداف خاصة. فباستخدام التلاعب بالمخيال الجمعي للبشر وبيع الأوهام والأساطير، التي تفسر وتبرر الشروط السائدة للوجود بل وتضفي عليها أحياناً طابعاً خلاباً وإنسانياً وثورياً، يضمن المضللون، في السلطة القائمة وفي مناوئيها الطامعين بالوصول لكرسي السلطة، التأييد الشعبي دون الأخذ بعين الاعتبار المصالح الحقيقية لأغلبية للشعب السوري.

إذا ما أدى التضليل الإعلامي للشعب السوري دوره بنجاح فسوف تنتفي الحاجة إلى التغيير، وتبطل الحاجة لأن تؤدي الثورة أهدافها الحقيقية الأساسية في الحرية والكرامة، ويتحول الصراع بين طرفي ثنائية يمتلك كل منهما الأساليب القذرة ذاتها في التضليل والكذب وتزييف المخيال الجمعي وبيع الأوهام للشعب السوري.

ننبهر كل يوم منذ بداية الثورة بما تقوم به السلطة من خلق أشكال جديدة ومنهجية للسيطرة والتوجيه عبر وسائلها الإعلامية، وفي اتجاه غايات تكرس حكمها رغم أنها محكومة بأفق ضيق ومحدود، فتقدم معطيات وهمية تتجلى بموقفها الوطني من الكيان الصهيوني إضافة إلى وعود معسولة وتضليل تحت شعار الغايات النبيلة  التي تقدم على  هيئة وعود إصلاحية وخطط إنمائية وأمن وأمان للمواطن ورقي وتقدم ومستقبل أفضل، في الوقت الذي تستخدم فيه قانوناً زائفاً لمعاقبة ومحاسبة وتجريم الثوار، قانوناً أوجدته وصاغته لتكريس حكمها، ولم يتمتع بأي استقلالية أو شفافية ومصداقية لأنه مرهون لفساد ممنهج استمر اثنين وأربعين عاماً.

ذلك هو النظام الذي يحتفي به المؤيدون له، الذين يطالبون القوى الثورية بممارسة خيارات هامشية داخل إطاره، نظام شغله الشاغل هو إبعاد وتنحية الصراعات وحقوق الشعب السوري، وتحويلها إلى مطالب يمكن تحقيقها عبر الزمن، والسيطرة على المجتمع وتوجيهه نحو تعريفات ومصطلحات يكررها رأس السلطة بحيث تبدو كما لو أنها الشرط الوحيد للمعقولية. أما الممكنات الأخرى فتبدو، ليس ظاهريا فحسب بل وفعليا على المدى القصير، غير عملية، بل غير عملية للدرجة التي لا يستطيع معها سوى المُضَللون الإيمان بصحتها.

أما الوجه الأخر للنظام من راكبي أمواج الثورة فلا يمكنهم الاستمرار بدون بيع الوهم للشعب السوري، من خلال القدرة على رسم حدود الواقع للسيطرة عليه والتلاعب بمعطياته الثورية وتحويلها إلى مكاسب خاصة تجعلهم قادة هذه الثورة ومحركيها ،

إن عملية الاستحواذ على المعلومات ونقلها عبر وسائل إعلام محددة ذات اتجاه واحد وطبيعة سياسية محددة ومدارة بإتقان وعناية من جهات أكبر من الدول التي تمتلك تلك الوسائل، والتي لا تقبل إلا نقل المعلومات الخاصة بالوجه الآخر للنظام، تؤدي إلى أن يجد المتلقي لهذه المعلومات نفسه بين حدين، كما في الاتجاه المعاكس.

                                        

إن أخطر ما واجهته الثورة السورية على الصعيد الإعلامي هو وعاظ السلاطين من طرف السلطة أو من الطرف الآخر عبر وسائل متاحة للمواطن يومياً يستلهم منها السم الطائفي التدميري للمجتمع وللفرد ليتحول الصراع من حقوق جوهرية للشعب السوري في الكرامة والحرية إلى صراع مذهبي تخلقه وتديره هذه الأقنية التلفزيونية، سواء منها التابعة للسلطة مثل قناة الدنيا التي تسوّغ جرائم النظام بحق الشعب السوري، أو أقنية الوجه الآخر القبيح التي تشتغل لتكريس انقسام المجتمع وتشظيه ومن أسوأ أمثلتها قناتا الوصال وصفا.

إن ما تعيشه الثورة السورية من مخاض يحتم على القوى الثورية الحقيقية وخاصة مثقفيها، والقوى المدنية فيها، أن تعمل بجدية مستنفرة كافة طاقتها المعرفية والإنسانية والأخلاقية لفضح ما تقوم به السلطة والقوى الظلامية في تزييف الوعي وبيع الوهم للشعب السوري، وأن تتواصل وتتفاعل مع الجماهير الثورية لتوضيح الصورة المزيفة، من خلال النقد الصريح وتقييم كل مرحلة وتقديم اجتهادات واضحة وبسيطة، تتفاعل معها هذه الجماهير. فقد ينتصر أحد الطرفين، النظام أو القوى الظلامية عسكرياً، لكنهما بالتأكيد لن ينتصرا في معركة البناء والتنمية وتحقيق الحرية والكرامة للشعب السوري.