من المعروف أن المحاكم العسكرية السورية ، أنشئت وفقًا لقانون العقوبات وأصول المحاكمات الجزائية العسكري رقم 61 تاريخ 27/2/1950 والذي مازال معمولاً به إلى الآن، وهي غير مستقلة كونها إحدى إدارات القوات المسلحة التي يرأسها وزير الدفاع. فجميع ضباطها قابلون للعزل أو النقل الإداري (بما يتنافى مع عدم قابلية القضاء العادي للعزل) أو للتجديد بعد سنتين بقرار من وزير الدفاع، الذي يخضع
للرئيس الأعلى للقوات المسلحة الذي هو بالطبع رئيس الجمهورية. كما أن الأحكام الصادرة عن هذه المحكمة لا تخضع لإشراف محكمة عليا تراقب سلامة تطبيقها للقانون. وقد تم تعيين أفراد هيئة المحكمة العسكرية التي شكلت للنظر بقضايا عدة بقرار عسكري غير معلن وبعيد عن الأسس القضائية كما في حالة القضاء المدني.
هناك ضمانات أساسية لابد من توفرها في المحاكمات وهي الحق في محاكمة عادلة أمام محكمة مختصة ومستقلة، ومحايدة، ومنشأة طبقاً للقانون. والمقصود بهذه الضمانات، أن تكون المحكمة مختصة بمحاكمة المتهم اختصاصاً نوعياً ومكانياً، وأن يكون اختصاص القضائي محدد سلفاً، وأن تكون مشكلة من قضاة مؤهلين علمياً ومهنياً ونفسياً، لمباشرة هذه الوظيفة بكفاءة وحياد. فالقضاء العسكري في سورية من حيث الأساس اقتضته الطبيعة الخاصة للجيش والقوات المسلحة التي تتطلب تنظيم العلاقة العسكرية مابين الرؤساء والمرؤوسين، وتفرض قدراً كبيراً من الانضباط العسكري، التزاماً بمصلحة عليا للبلاد، ويأخذ قضاة القضاء العسكري من :
1- الضباط الحقوقيين الذين دخلوا الجيش.
2- الضباط خريجي الكلية الحربية العسكرية الحائزين على شهادة حقوق.
3- القضاة من ملاك وزارة العدل والمنقولين إلى القضاء العسكري.
وجميع هؤلاء معينون من قبل وزير الدفاع والقائد العام للجيش والقوات المسلحة رئيس الجمهورية، وهم قابلون للتغيير أو العزل أو النقل أو التسريح حسب رغبات السلطة التي عينتهم دون إنذار أو معرفة للأسباب التي دعت إلى ذلك.
رغم وجود ضرورة لهذه المحاكم الخاصة على أن تكون مستقلة عن السلطة التنفيذية وذات اختصاص محدد يخص البنية العسكرية لا الأشخاص المدنيين، أياً كانت الأعذار والأسباب التي تتقدم بها السلطة التنفيذية ووزارة الدفاع.
يضاف إلى ذلك أن السلطات السورية تلجأ أحيانا إلى محكمة الجنايات العسكرية لتنفيذ قراراتها الجائرة بحق المواطنين. وبالرغم من إنهاء حالة الطوارئ التي استمرت نصف قرن من الزمن إلا أنها مازالت مستمرة في العمل بهذه المحاكم التي لا يسمح للمحامين حضور جلساتها ومراقبتها والمرافعة أمامها. وهي محاكم ميدانية استثنائية عسكرية لا تتبع الأصول وقراراتها غير قابلة لأي طعن أو مراجعة بل خاضعة للتصديق من قبل وزير الدفاع.
إن أهم الأسباب، وبشكل مختصر، التي تجعلنا نؤكد عدم صلاحية وقانونية وشرعية هذه المحاكم في محاكمة المدنيين السوريين هي:
1- من حيث الاختصاص، لا يحق لهذه المحاكم محاكمة إلا الأشخاص التابعين للمؤسسة العسكرية أي وزارة الدفاع وهذا ما لا تقوم به المحاكم العسكرية في سورية من خلال محاكمة المدنيين وبشكل اختياري يدل على النزعة السياسية لمحاكمة هؤلاء ومثال هؤلاء المدون حسين غرير والناشط مازن درويش .
2- إن المحاكم التي تنشأ أو تشكل لمحاكمة متهم أو عدد من المتهمين في قضية ما، أو تتكون من قضاة غير مؤهلين، تعد محاكمة غير قانونية. كذلك يشترط لتحقيق هذه الضمانة القانونية أن تكون هذه المحكمة متمتعة بالاستقلال والحيادية، وان يكون قضاتها بمنأى عن أي تأثير عليهم بأي مؤثر خارجي من أي نوع، وذلك يقتضي من حيث المبدأ، استقلال السلطة القضائية، واستقلال القضاة عن السلطتين التنفيذية أو التشريعية في كافة الشؤون.
3- لا تتوفر أي ضمانات في المحكمة العسكرية. من حيث إخلالها بمبدأ القضاء الطبيعي، فقد أدخل في تشكيلها عنصر غير قضائي(ضباط القوات المسلحة)، وهؤلاء الضباط لا يمتلكون ثقافة قانونية وقضائية وخاصة في المحاكم الميدانية، وبدون التكوين المهني المطلوب، فلن يتحقق الاستقلال القضائي، لأن القاضي الذي لا يعرف حدود وظيفته ومجال عملة القضائي، قد لا يتمكن من مواجهة أي تدخل في شئونه، بل لا يدرك خطر هذا التدخل عند حدوثه.
4- بطلان قرارات الحبس الاحتياطي قبل الإحالة للمحكمة بسبب سرية جلسات تحديد الحبس داخل فروع الأمن التابعة لوزارة الدفاع ومنع الأهالي والإعلام من حضورها. أما عندما يتقدم المدعى عليهم بطعون على الحبس الاحتياطي فتنظر بالأمر الدائرة نفسها التي أصدرت قرار الحبس، وأحيانا دائرة أقل رتبة منها. وقد يجدد الحبس الاحتياطي أكثر من خمس مرات بداعي استكمال التحقيقات (لا يحدد القانون العسكري المدة القصوى للحبس الاحتياطي). أما التهم التي وجهت للمدعى عليهم، على مثال الموقوفين المذكورين أعلاه، فهي استخدام الإرهاب والعنف، والانضمام لجماعة محظورة مؤسسة على خلاف أحكام القانون تعمل على تعطيل الدستور والقانون، وحيازة ذخيرة..

إن انتهاك حقوق وضمانات الدفاع أمام هذه المحاكم تجعلنا نؤكد على عدم شرعية هذه المحاكم حيث تشير كافة التقارير والدراسات التي تضطلع بها المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وفي مقدمتها اللجنة الدولية للحقوقيين، إلى أن معظم الحقوق والضمانات القضائية التي قررتها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، تتعرض لانتهاكات واسعة في سورية، وخاصة في المحاكمات التي تتم أمام المحاكم العسكرية أو الميدانية .

ناصر الغزالي

مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية