شكل إضراب الكرامة قفزة نوعية في العمل المدني السلمي في سوريا وهذا بهمة الشباب السوري، وذلك من حيث التخطيط والوسائل المتبعة وترابط أعضاء الفريق العامل وإيمانهم الراسخ بالعمل المدني السلمي، ليس هذا فحسب إذ أن الوعي المتراكم لديهم يجعلنا جميعا نشعر أن انتفاضة الكرامة في أيدي أمينه، لقد تخطو التكتلات الحزبية وتناقضات القوى السياسية وحالة الإرباك الناتج عن ذلك، فشباب الكرامة بتنوع مشاربهم السياسية قدموا لنا وللعالم مثلاً ديمقراطيا متقدما لإدارة معركة المقاومة المدنية ضد الديكتاتورية والفاشية وهذا يعطينا أملا كبيراً في المستقبل من خلال إدارتهم السياسية للبد ومستقبله.
نعم شكل انسداد الأفق للطرح الذي قدمته القوى السياسية السورية في الآونة الأخيرة رافعة قوية لهؤلاء الشباب لاستلام أدارة الدفة وتحمل المسؤولية النضالية،إضافة إلى عدم قبولهم الوصاية من قبل هذه القوى جعل منهم رقم صعب في العمل الوطني الديمقراطي في سوريا، ومن خلال متابعتي للشعارات التي رفعت واليات العمل التي طبقت على الأرض جعلني أدرك جيدا أننا أمام تحول نوعي للعملية النضالية.
لقد دخلت انتفاضة الكرامة شهرها العاشر وبالرغم من المخاض الصعب والتحولات النوعية صعودا وهبوطا وعدد الضحايا من الشعب السوري بفعل همجية واستباحة النظام للدم السوري إضافة إلى الأخطاء التي ارتكبت من قبل بعض قوى المعارضة وتجاوز بعض الأطراف من عملية ردة الفعل المبررة دفاعا عن النفس إلى ممارسه ردة الفعل بطريقة منظمة وهجومية. جاء رد الشباب مباشرا وقويا كي لاينزلق الوضع إلى حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس بعملية مدروسة ومنظمة وبتكاتف قل نظيره بين الشباب لفعل أدهش السوريين والعالم من خلال إضراب الكرامة.
عاش الشباب السوري خلال فترة الانتفاضة مجموعة من التحولات في طرق التفكير وأنماط السلوك يجعلني أصفها بعودة الروح الايجابية والفاعلة على المستوى السياسي والمجتمعي، تنقلت بين التفاؤل والتشاؤم، وبين التفاعل والنكوص في بعض الأحيان لما ينتظرهم من مستقبل، إلا أن الإرادة القوية والتصميم على انجاز مهام الانتفاضة جعلهم يتجاوزون تشاؤمهم ونكوصهم وانتقالهم إلى الفعل الايجابي، إضافة إلى معرفتهم القوية والعلمية بوسائل الاتصال والمعلومات أنعكس على أدائهم مما جعلهم القوى الفاعلة على المستوى الإعلامي للانتفاضة، وفضح ممارسات النظام عبر المواقع المتخصصة والفيس بوك إضافة للتواصل مع كافة وسائل الإعلام وطريقة البوسترات والبرشورات التعريفية وتصميم الأفلام التوضيحية ورسم الخطط التصاعدية للإضراب، ببساطة لقد تجاوز الشباب أنفسهم بخلق منظومة جديدة لفعل الانتفاضة تجعلنا ندرك إننا أمام مارد جديد أيقظ بنا الأمل ليس على المستوى النفسي فقط بل على المستوى الطموح والفعل.
بالرغم من سرعة التحولات في سوريا، فان الشباب حسموا خيارتهم بشكل نهائي، في تكريس المقاومة المدنية السلمية ورفض كل أشكال العنف من قبل السلطة أو من قبل القلة جدا من أصحاب ردة الفعل ووضعوا خطة متماسكة ومتصاعدة استجابة لكافة الظروف المحيطة يطبقونها على أرض الواقع بروح التعاون والتماسك لتحقيق متطلبات التغيرات والتحولات على الساحة السورية متمسكين بمطلبهم الرئيس وهو دحر الديكتاتورية وإقامة نظام عادل ورشيد على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية مستلهمين كافة التجارب الإنسانية ومدى الاستفادة منها على الواقع السوري، متجاوزين تشتت القوى السياسية والانقسام المجتمعي ومتوجهين بخطابهم المتزن إلى كافة الشرائح الاجتماعية السورية الموالية والمعارضة للنظام والمتابع لطريقة الخطاب الموجه من قبلهم والشعارات التي طرحوها يدرك مدى الوعي الذي يمتلكون.

خطة متماسكة وعمل متواصل
أستنفر كافة الشباب وعلى كافة الأصعدة لنجاح عملهم هذا من خلال التالي:
البيان الأول:
• هذه ليست مجرد دعوة أخرى من دعوات الإضراب، هذه هي الدعوة التي تضافرت لأجلها جميع الجهود، ونضجت عندها جميع أفكار العصيان المدني، هنا نظرنا باتجاه واحد معاً. هنا تلتقي جميع التنسيقيات والحركات الشبابية والهيئات ومجالس المعارضة والقيادات السياسية على اختلاف أطيافها.
• ابتداء من فجر يوم الأحد 11 كانون الأول، سوف يشهد العالم انطلاق تطور جديد داخل الثورة السورية. هذه الشمس ستشرق من بيتك أنت، أنت قائدها وبطلها ودليلها، من بيتك ستشرق إلى بقية منازل سوريا معلنة بدء الإضراب المتصاعد وصولاً إلى العصيان المدني الشامل.
• أيها الشعب السوري العظيم يا من صنعتم معجزة في التاريخ السوري الحديث والتاريخ الإنساني بتحملكم هول همجية السلطة واستمراركم بالثورة السليمة، نحن أبنائكم وبناتكم نعلن أننا لن نلين وسوف نستمر بثورتنا السلمية من أجل بلدنا الحبيب للوصول إلى حريتنا وكرامتنا الكاملة على مستوى الوطن والمواطن.
• أيها الشعب السوري العظيم بالإضراب والالتزام به وتصعيده نحو العصيان المدني نستعيد زمام الفعل السياسي و ننزع فتيل الانقسام المجتمعي و نرد خطر التدخل الخارجي, و نضع الثورة على طريق الديمقراطية الحقيقية وتثبيت مفهوم المواطنة الكاملة بالحقوق والواجبات.
• عاشت سوريا حرة أبية.
لن أتحدث كثيرا عن هذا البيان المميز لشباب الإضراب لكن النقاط التي جاءت في البيان تدل على وعي ومعرفه فاقت تحليلات وبيانات كافة القوى السياسية في سوريا من حيث البنية والهدف والمعطيات.

على مستوى الشعارات
كافة الشعارات التي طرحها الشباب تدل على وعي راقي بالمصلحة الوطنية العليا على مستوى لحمة المجتمع وتماسكه ورفض التدخل المباشر أو الغير مباشر بسوريا وطنا وشعبا ومن هذا الشعارات:
كلا لا تطعه واسجد واقترب، لم لا يكون شعارنا: كلا لا تطعه وأضرب واقترب!!!

- الإضراب يشبه المظاهرات، يشارك فيه عشرة أشخاص في البداية، ثم يصير مئة فألفاً فمئات الألوف، خليها تبلش من عندك،

- وصفتنا لنجاح الثورة: لا تضرِب ... أَضرِب

- للثوار أقول: أضرب... للنظام أقول: أي تضرب.. :)

- لن أموت ضارباً،، لكني مستعد أن أموت مضرباً

- درهم إضراب خير من قنطار قتال.

- ما بدك تدخّل؟ عدكانك لا تدخل!

-إضراب يوم ولا كل يوم

- من رأى منكم منكرا، فليغيره بالإضراب

- الإضراب من الإيمان

- لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ... إضراب المؤمن عبادة.

- الله هو الرزاق، لا الطاغوت! أضرب وكن واثق بالله.

- بكرا لما يبلش الضرب ع أبو جنب، وتضطر تسكر دكانك مشان ما تصيبك شي رصاصة طايشة أو شي قذيفة آر بي جيه فلتانه... لا تقول ما قلنالك إنو انعدام الأمل من الطرق السلمية بيوصل لهالمواصيل!

شارك بالإضراب وساعدنا نوفر عليك وعلى البلد ثمن كبير لنفس النتيجة. النصيحة كانت بجمل.

نصوص تسويقية:
- قد يملك النظام من العتاد والأسلحة والشبيحة الكثير، لكنه لا يملك من إرادتنا شيئاً، ليس النصر صبر ساعة فحسب، بل عمل ساعة، فليكن إضرابك هو عملك من أجل الثورة،
- الإضراب واجب عليك، والنصر بعده حق لك، أد واجبك أولاً وسيأتيك حقك لا محالة
- البعض منا أعلن استعداده للتضحية بدمه في سبيل إخوته، أفلا نضحي بيوم عمل واحد لنصرتهم،
- دعوة الإضراب هذه موجهة لك أنت.. نعم لك أنت شخصياً وليس لأحد آخر، الإضراب سيثبت قدرتنا على التآخي وسيعزز التنظيم وسيجمع الناس على مشروع واحد.. هنا يتساوى أعتى الناشطين مع أقل الناس التزاماً، وهنا ستقف دبابات النظام حائرة ماذا تفعل عندما يرفض شعب بأكمله طاعة النظام،
- سلاح الوعي هو عصيان الظلم،
- أداة الظلم الإكراه، وسلاح المظلوم الإرادة، لا تجعل الإكراه سلاحك، الإضراب عن العمل انتصار للإرادة الحرة
- الإضراب عن العمل انتصار للإرادة، اللجوء إلى السلاح انتصار للإكراه.

على مستوى التعاون مع القوى السياسية والمدنية
نشط الشباب منذ البداية متجاوزين الحساسيات الناتجة عن التناقضات السياسية بين كافة الأطراف وطالبوهم جميعاً ودون تمييز الوقوف بشكل واضح مع الإضراب فكانت المطالبات والاتصالات لا تهدئ مع هذه القوى لتصدير بيانات ولقاءات لشخصيات محدده تدعم الإضراب من خلال فيديوهات قصيرة، إضافة إلى مطالبتهم الجميع لتحمل مسؤولياتهم أمام حدث يعتبر قفزة نوعية في العمل النضالي على الساحة السورية، وقبولهم المرن وبصدر رحب كل الاقتراحات المقدمة من هؤلاء القوى لصالح هذا الإضراب بالرغم من التهميش وحاله الوصاية التي مارستها تلك القوى عليهم خلال التسعة أشهر السابقة ، إلا أن إدراكهم المتقدم وفهم الصافي وتصميمهم فرض على كافة القوة السياسية والمدنية الاستجابة وبشكل سريع لمطالبهم في دعم مقتضيات الإضراب.
على مستوى الإعلام والمعلوماتية
المتابع لإصدارات الشباب على هذا المجال يدرك القفزة النوعية لشباب سوريا من حيث المحتوى والتقنية المتبعة للاستفادة منها لوسيلة الإضراب إذ أنتج الشباب مجموعة من الفيديوهات الخاصة بالإضراب إضافة إلى البوسترات والبيانات التي إن دلت تدل على وعي متفوق جدا ودراية قوية بالعمل، فكان العمل الممارس من قبل الشباب من ذاته ولذاته في تحقيق الهدف الذي وضع للإضراب.
على المستوى الميداني
ربما يكون هذا المستوى من أكثر المستويات مفاجأة للجميع، بل أجازف القول أن أكثر الناس تحمسا للإضراب لم يكن متوقعا مدى الاستجابة وقدرة الشباب على إدارة العمل الميداني، إذا منذ اليوم الأول استجابت كثيرا من المناطق للإضراب بواقع 60 إلى 100 بالمائة للإضراب، وكان شباب الحراك الميداني من أكثر الناس تحمسا ووعي لفاعلية الإضراب، بالرغم من همجية وممارسات النظام بحق هؤلاء الشباب من خلال استهدافهم بشكل مباشر إما بالقتل أو الاعتقال، إلا إن إصرارهم على تحقيق الحرية والكرامة للشعب السوري جعلهم القوى صاحبه الكلمة الأولى في الانتفاضة السورية.

معوقات مازلت تقف إمام نجاح الإضراب

بالتأكيد أي عمل مثل هذا العمل النضالي يواجه معوقات كثيرة، بما إننا ندرك صعوبة المهمة إضافة لكونها عملية تراكمية تأخذ جانب التجريب العملي والتطبيقي على أرض الواقع فتأخذ ردود سلبية في مكان ما وأخرى ايجابية في أماكن أخرى، استجابة كاملة في بعض المناطق وجزئية في مناطق أخرى، مدركه بالكامل ونسبية إلا أننا ممكن تخليص تلك المعوقات في جانبين:
معوقات ذاتية
1- تداخل مفهوم الإضراب والعصيان بين المجموعة الفاعلة في عملية الإضراب.
2- عدم تطبيق الخطة المرسومة من قبل الشباب من حيث الشكل التصاعدي للإضراب، بل تداخلت منذ اليوم الأول .
3- عدم الأخذ بعين الاعتبار طبيعة كل منطقة من المناطق التي نفذت الإضراب.
4- التشتت في العمل بين مجموعات العمل وضعف الأداء على أساس كافة المجموعات هي فريق عمل واحد.
5- عدم وضوح كامل لدى الأطراف الفاعلة بوحدة الهدف الخاص بالإضراب.
6- عدم تواجد لجان ميدانية مترابطة على أرض الميدان تتفاعل مع التطورات والمعوقات بشكل سريع، مما أفقد لجان العمل روح المبادرة والإبداع المباشر في بعض الأحيان.
7- عدم وجود خطة فاعلة في انتشار الإضراب بالمناطق التي مازالت خارج فعل الإضراب.
8- تداخل الفعل المدني السلمي مع بعض ردود فعل عنفيه تضر بالإضراب على أساس أنه عمل سلمي بحت بالرغم من قلتها إلا إنها تشتت وتشوه جهود الشباب.
9- الأنانية من قبل المجموعات الشبابية في مصادرة هذا العمل لصالحها هي وليس لصالح الانتفاضة وخاصة على المستوى الإعلامي بالرغم إن الجميع يشارك بها وبكامل قوته لإنجاح الإضراب.
10- الاستلاب الجزئي للقوى السياسية والمدنية من قبل بعض المجموعات الشبابية .
11- عدم إرسال رسائل قوية ومقنعة للكتلة الصامتة.
12- عدم فرز واضح للقطاعات الواجب استجابتها للإضراب، ومدى تأثيرها على الواقع الاقتصادي والمعيشي للناس.

معوقات خارجية
1- ردة الفعل الهمجية من قبل النظام واستهداف الفاعلين والناشطين لقوى الإضراب.
2- ألجام قوة عمل الإضراب من قبل القوى السياسية خوفاً من تلاشي دورها في الانتفاضة.
3- مشاركة القوى المدنية والثقافية في الإضراب والدعوة إليه مازلت خجولة.
4- عدم قدرة الشباب المادية والغذائية والدوائية لمتطلبات منفذي الإضراب.
5 – الإعلام ودوره السلبي في تكريس عملية الإضراب.
6- الوضع الاقتصادي السلبي والمرهق لدى كثيرا من الناس بتحمل أعباء الإضراب.
7- عدم وجود معرفة ودراية بفاعلية الإضراب لدى المجتمع السوري بسبب حالة الاستبداد المستعصية منذ أربعة عقود.

إن تجاوز تلك المعوقات على اعتبار أن الإضراب عمل جماعي وخاصة على المستوى الذاتي تشكل الأساس في نجاح واستمرار الإضراب وحصد النتائج الايجابية الآنية على مستوى الهدف الذي حدده شباب الإضراب في سحب الجيش والإفراج عن المعتقلين وتطوره في حال نجاحه إلى عصيان مدني يحقق الهدف الأساس للانتفاضة في القضاء بشكل كامل على الديكتاتورية ومحاسبة القتلة وبناء مجتمع العدالة والحكم الرشيد تكون دعائمه المواطنة الكاملة بالحقوق والواجبات لكافة أفراد الشعب السوري والوطن المصان من أي تدخل، تحقق الحلم المنشود للشعب السوي في تحقيق الدولة الديمقراطية المدنية القوية .