تشكل ظاهرة الاختفاء القسري إحدى الظواهر المظلمة في المجتمع السوري فالحكومة السورية لم تتوقف منذ نصف قرن من ممارسة الخطف للأشخاص المناؤين لها، فالضحايا كثر، لكنه مع بداية الثورة السورية ازدادت هذه الممارسات البشعة بحق المواطنين السوريين، هذا الخطف اصطلح عليه في القانون الدولي بمصطلح الاختفاء القسري  والخطف حسب المصطلح السياسي والإعلامي، والمقصود به : احتجاز شخص (أو أشخاص) محدد الهوية من جانب جهة غامضة أو مجهولة سواءً كانت سلطة أو منظمة أو أفراد. وتقوم هذه الجهة بإخفاء مكان الشخص وترفض الكشف عن مصيره او الاعتراف باحتجازه وتسعى لإخفاء معالم فعلتها النكراء.

فالضحايا أول المتضررين والمكتوين بنار الاختفاء القسري أو الاختطاف السياسي. وهم يعانون أقسى المعاناة، لأنهم لايعرفون مصيرهم وهل سيطول اختطافهم وهل سيفرج عنهم في ظل الظروف والملابسات الغامضة والكثيرة، حتى يكاد اليأس يتسلل إلى نفوسهم كلما طالت فترة الاختطاف، وكلما كان انقطاعهم عن العالم الخارجي تاماً وشاملاً.

ولعل الخطير في الأمر أن السلطة السورية تمارس الخطف ضد مواطنيها، في حين تحرم قوانينها الوضعية فضلاً عن قواعدها الدينية مثل هذه الأعمال وتعد بأشد أنواع العقوبات، والسؤال لماذا الدولة السورية تستبدل وظيفة الدولة وهي حفظ وتنظيم حياة المواطنين بمهمات عصابة خارجة عن القانون، حين تقوم بخطف مواطن أو احتجاز سيدة أو أخذ رهائن ؟

تمتلك السلطة السورية وأجهزة أمنها صلاحيات فوق القانون، فتعتقل المواطنون من محل السكن أو العمل ويصطحبون دون معرفة مكان الاعتقال، وقد تطول المدة أو يلقى المواطن حتفه تحت التعذيب، ولا حساب على الجريمة طالما لم يسجلوا ذلك في سجلات المعتقلين، فهم غير موجودين فعلياً، فيتم دفنهم.

ولكون سورية دولة عضواً في الأمم المتحدة والمقيدة بميثاقها، تصبح ملزمة قانونياً بالاتفاقيات والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والتي صادقت عليها، لكونها قواعد آمرة أي ملزمة وبارتكابها جريمة الاختطاف أو الاختفاء القسري، تكون قد خرقت"الشرعية الدولية" في أكثر من محور وكذلك الحقوق الفردية للإنسان المدونة في المواثيق والمعاهدات الدولية، ويمكننا مقاربة ذلك قانونيا بالحقوق التالية:

- حق الحياة والحرية والأمان الشخصي، فالإعدام تعسفاً، أي خارج القضاء أو الموت تحت التعذيب عند الاختفاء أو المعاملة القاسية وعدم الرعاية، كلها انتهاكاً لمقتضيات المادة الثالثة من "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" التي تنص على انه "كل فرد حق الحياة والحرية والأمان الشخصي" وكذلك المادة السادسة والتسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكذلك المادة التاسعة من الإعلان العالمي التي تنص على عدم جواز اعتقال إنسان أو احتجازه أو نفيه تعسفاً.

- الحق في الاعتراف بالإنسان كشخصية قانونية. فالاختفاء القسري يحجب عن الإنسان في أي أن يكون له الحق بأن يعترف به كشخصية قانونية، خصوصاً وأنه مجهول المصير ومجهول المكان ويعتبر في وضعية خارج النطاق القانوني، وهو مايتعارض مع مقتضيات المادة السابعة من الإعلان العالمي التي تنص على "أن جميع الناس متساوون أمام القانون ويتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز"

- الحق في محاكمة عادلة. أي حق كل إنسان في اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة لإنصافه الفعلي من أية أعمال تنتهك الحقوق الأساسية التي يمنحه إياها القانون وهو مانصت علية المادة الثامنة من الإعلان العالمي، والمادة الرابعة من العهد الدولي، وذلك أن الاختفاء القسري يعني حرمان الشخص من حقه في المثول أمام محكمة عادلة.

- الحق في حياة أسرية طبيعية، فالاختفاء يلغي حق الإنسان في حياة أسرية طبيعية بما يتناقض مع الإعلان العالمي والعهد الولي وبخاصة مع مقتضيات الإعالة والتربية للأطفال وغيرها من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ناصر الغزالي

أخبار جريدة 17 نيسان للتغيير الديمقراطي في سورية- العدد الثاني