الجيش السوري الحر .

منذ بداية الانتفاضة دفعت السلطة الجيش مع القوى الأمنية بمهمة سحق الانتفاضة فظهر تناقض في الانتماء لديهم بين الانتماء إلى الشعب والوطن وبين الانتماء إلى هذه السلطة فتكون لدى قسم منهم رفض قاطع للمشاركة بقتل شعبه. هذا التناقض دفع بعضهم وبشكل عفوي إلى الانشقاق بطريقة أو أخرى وبشكل كيفي دون تدبير فمنهم من قُتل لرفضه المشاركة في عمليات القتل ومنهم من استطاع الهرب خارج سوريا وقسم منهم تخفى داخل مجتمع الانتفاضة، هذا لا يعني أن الذين لم ينشقوا  مشكوك بوطنيتهم بالضرورة لسببين: الأول ليس كافة أفراد الجيش مشاركين في عمليات القتل إضافة إلى أنهم يخضعون لصيغة عسكرية ذات بعد خاص بالمؤسسة نفسها على مستوى الايدولوجيا والتربية الخاصة لأفراد الجيش من خلال ارتباط الدولة بالسلطة عبر نصف قرن.

مع مرور الزمن وزيادة همجية النظام زادت عملية الانشقاقات من قبل بعض من أفراد الجيش فشكلوا مجموعات ضمن المناطق المنتفضة وبدفع من بعض القوى السياسية والخارج والأخص تركيا قبل قسم منهم تشكيل مؤسسة الجيش السوري الحر لتصبح كافة العمليات ضد قوات الجيش والأمن تحت مسمى الجيش السوري الحر مع العلم أن عنف السلطة وانتهاجها الخيار الأمني هو الذي دفع بعض أفراد الجيش ومجموعات مدنية مسلحة لتشكيل مقاومة شعبية مسلحة، إذ تجمع بعض من الأفراد لحماية مناطقهم فأصبح الكل يمارسون عملياتهم تحت هذا المسمى أو هذا ما حاولت وسائل الإعلام نقله للمواطن السوري والعربي، قد تكون السلطة من استدرجت هؤلاء بخطة خبيثة ومريبة كي تثبت نظريتها أن هناك مجموعات إرهابية لكن النتيجة أن الجميع الآن تورط بها وأصبحت واقعا لا يمكننا تجاوزه، وإن انتشارها سوف يحولها إلى ظاهرة تتوسع وبالتالي سوف يتورط بها الجميع لتأخذ أشكالاً أكثر تدميراً وخراباً على البلد ككل، مالم يتم مواجهتها بطريقة عقلانية بعد الاعتراف بها من قبل القوى السياسية وقوى الانتفاضة.

تحول الجيش السوري الحر إلى جزء من حركة تمرد مسلحة حسب توصيف قائده رياض الأسعد ضد السلطة وعلينا أولا معرفة الشكل القانوني والإشكاليات المحيطة بهذه الحركة حسب القوانين الدولية لكن علينا معرفة مكونات حركة التمرد تلك فهي تتألف من:

1-  أفراد من منشقي الجيش التحقوا بالجيش السوري الحر وهم داخل الحدود أما الذين استطاعوا الخروج خارج البلد فقد أخذوا على عاتقهم الدعم الكامل على كافة الصعد المالية والعسكرية للأفراد الموجودين داخل الحدود.

2- أفراد من منشقي الجيش انتقلوا إلى مناطق الاحتجاج أخذوا على عاتقهم حماية المدنيين دون أن ينضموا إلى الجيش الحر.

3- مدنين شكلوا مجموعات مسلحة لحماية أهلهم في الأحياء والمدن والأرياف.

حركة التمرد والقانون الدولي

إن ميثاق الأمم المتحدة حدد الإطار الشرعي للدول الأعضاء في التعامل مع حركات التمرد وأعتبر أن أي تدخل أو مساعدة من قبل أية دولة أخرى  للمتمردين الذين يحملون السلاح يعتبر عملا عدائيا من قبل الدولة القائمة به، وفي حالة ثبوته يترتب عليها مسؤولية دولية وفقا لميثاق الأمم المتحدة أو حتى وفقاً للأعراف والقواعد الدولية التي يجري عليها التعامل الدولي منذ أقدم العصور .
         وقد يثار التساؤل هنا عن مدى حقوق المتمردين في ظل أحكام القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان الموقع عليها من قبل الدولة التي تواجه التمرد المسلح، وفي هذا الصدد نبادر الى القول أن كل من يحملون السلاح في مواجهه سلطة شرعية ومعترف بشرعيتها وسيادتها من قبل المجتمع الدولي، لا يتمتعون بأية حقوق قانونية خاصة، وكل ما في الأمر أن الدولة تلتزم في مواجهتها للمتمردين بالقواعد والإجراءات القانونية التي تقتضيها عملية مواجهة الجرائم الجسيمة الموجهة ضد أمن وسلامة المجتمع وفقا لما تقرره المنظومة الدستورية والقانونية القائمة.
ومع ذلك، يفرق بعض فقهاء القانون الدولي بين نوعين من التمرد المسلح:
التمرد المسلح العسكري، أي الذي يقوم به قطاع أو قطاعات مسلحة كانت تشكل جزءا من القوات المسلحة النظامية للدولة ولكنها تمردت على السلطات الشرعية في الدولة وبدأت في مواجهتها. وفي هذه الحالة يذهب بعض الفقهاء إلى أن القوات العسكرية المتمردة يتقرر لها الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية أثناء النزاعات المسلحة وفقا للبروتوكول الإضافي الثاني الملحق باتفاقيات جنيف الأربع المتعلقة بالقواعد الدولية الواجب مراعاتها أثناء النزاعات المسلحة ، وذلك إذا توافرت الشروط الآتية :
1 – أن يكون لهذه القوات قيادة مسؤولة لها السيطرة الكاملة على القوات المنضوية تحت لوائها
2 – أن يكون لهذه القوات زي عسكري مميز وأن تحارب تحت علم واحد
3 – أن يحمل المحاربون السلاح علنا
4 – أن  تحترم هذه القوات قواعد وأعراف الحرب النظامية بما في ذلك مراعاة حقوق الأسرى والمرضى من العسكريين من الطرف الآخر.
5 – أن تحترم القواعد القانونية والأعراف الدولية في حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة ومن بينها، بل وفي طليعتها، عدم استخدام المدنيين كدروع بشرية أو شن هجمات من تجمعات يسكنها مدنيون .
      أما النوع الثاني من التمرد، فهو التمرد المسلح الذي يقوم به مدنيون قرروا حمل السلاح في مواجهة الدولة وتحدي السلطات الشرعية فيها، وفي هذه الحالة هناك إجماع بين فقهاء القانون الدولي على أن يعامل هؤلاء المتمردون معاملة المجرمين الخارجين عن القانون، ولا يتمتعون بأية حماية دولية  مع ملاحظة ماسبق الإشارة إليه من التزام سلطات الدولة في مواجهتها لهذا التمرد بالإجراءات القانونية المنصوص عليها في دستورها وقانونها الوطني، ولا يعاقب عليها من المجتمع الدولي .

يشكل الجيش الحر محور اهتمام كافة القوى السياسية والمدنية المنتفضة وربما يشكل نقطة الخلاف الأساسية بينها إضافة الى للمجتمع السوري ككل بسبب الإشكاليات التي سوف تتمخض عن دوره وتركيبته وآليات عمله وتمويله والنتائج التي تتحقق على ارض الواقع حاضرا ومستقبلاً، وفي اعتقادي أن أهم هذه الإشكاليات هي:

1- الخوف من أن يكون لهذا الجيش والمجموعات المسلحة اليد الطولى في تقرير مصير البلد بسبب طبيعة الأشياء أن من يمتلك القوى هو من يمتلك القرار وبذلك ننتقل من نظام عسكري إلى نظام شبيه مع تغيير الوجوه.

2- الخوف من أن ينتقل الصراع من مجموعة حركة التمرد مع السلطة إلى صراع فيما بينها.

3- الخوف من عمليات انتقام واسعة خارج إطار القانون بسبب تناحر مكونات التمرد.

4- الخوف من توسيع عمليات القتال المفتوحة ضد مكونات مجتمعية كانت مرتبطة مع السلطة.

5- انتماء الأغلبية الساحقة من حركة التمرد إلى مكون مجتمعي محدد سوف يرفع وتيرة الخوف من حرب أهلية مفتوحة.

6- بزيادة قوة التمرد المسلح سوف يؤثر ويضعف الحراك المدني السلمي ويبعد الطبقة المتوسطة والمدن عن المشاركة في الانتفاضة ضد السلطة.

7- الخوف من ارتهان حركة التمرد إلى توجهات الجهة الممولة سياسيا في السلاح والمال وهذا ليس اتهاما بل تقرير واقع إذ لا يمكن لحركة تمرد مسلحة أن تقوم بدون مدها بالمال والسلاح.

تدفع بعض القوى السياسية إلى أن تكون حركة التمرد تلك تحت سقف الجيش السوري الحر وأن تكون كافة العمليات المسلحة ضد السلطة باسمه، وفي اعتقادي هذا فيه شيء من الانتهازية السياسية حتى تشرعن عملياته حسب القانون الدولي دون أن تتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية في حال ارتكاب حركة التمرد لأي جرائم ضد الإنسانية. وبتعبير آخر تحاول تلك القوى في حال استطاعت السلطة الاستمرار التهرب من مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية في تحمل ما يجري وربما لأسباب نبل هؤلاء المنشقين ودون معرفتهم بالقانون الدولي بلعوا هذا الطعم من قبل هذه القوى وعليه ننبه المنضوين تحت حركة التمرد أن ارتكاب أي جريمة لا تموت في التقادم وعليهم إدراك ما يقومون به بشكل لا يتعارض مع القانون الدولي.