إعداد : حسيبة عبد الرحمن ، خوله دنيا

من داخل إعلان دمشق ...فن الممكن  - أجوبة غالب عامر

ملف العدد

 

هذه هي القائمة الكاملة للأسئلة التي قامت مقاربات بتوجيهها، وقد تركنا للمشاركين حرية التصرف بوضع مقدمة أو باختيار أسئلة معينة أو دمج الأسئلة، مع الحفاظ على الترقيم الأساسي:

توجهت مجلة مقاربات بالأسئلة التالية إلى الأستاذ : غالب عامر

السؤال الأول: ماهي الدوافع السياسية التي تقف وراء وثيقة إعلان دمشق؟

السؤال الثاني: برأيكم هل ارتبط إعلان دمشق بمواقف القوى المتواجدة على الساحة السورية أم بالمستجدات والمتغيرات الإقليمية والدولية، خاصة وانه قد كثر اللغط في حينه عن علاقة ما بين توقيت صدور وثيقة إعلان دمشق وتقرير ميليتس؟

السؤال الثالث: برأيكم لماذا سمي بإعلان دمشق وليس جبهة أو تجمع كما تم الاتفاق عليه مؤخرا، مجلس وطني؟ وهل تسميته "إعلان" تشكل  فرقا من حيث البرنامج وطبيعة القوى عن الصيغ الأخرى؟

السؤال الرابع: هل حقق المجلس الوطني بانعقاده النقلة من مرحلة "إعلان دمشق" إلى مرحلة جبهة عمل وطني؟

السؤال الخامس: ماهي النواظم المحددة للعلاقة بين القوى والشخصيات المنضوية تحت الإعلان في الداخل والخارج؟

السؤال السادس: هل هناك نوع من التنسيق والنقاش بين القوى والشخصيات في الداخل والقوى والشخصيات في الخارج في كل ما يصدر عن إعلان دمشق من مواقف، مثلا: الموقف من جبهة الخلاص وتحركات الحمصي..الخ؟

السؤال السابع: هل انعقاد المجلي الوطني هو بداية مرحلة سياسية جديدة للإعلان ام هو بداية انهيار وتفكيك لقواه؟

السؤال الثامن: أعلنت بعض القوى والشخصيات تجميد عضويتها إثر انعقاد المجلس الوطني، كيف تقرأون هذا التجميد، خاصة مع إعلان قوتين هما الاتحاد الاشتراكي وحزب العمل، عن تجميد عضويتهما في الإعلان مما يعني غياب التيارين القومي والماركسي عن الإعلان الذي كان هدفه تجميع وتمثيل كافة التيارات السياسية؟ وما هي تداعيات هذا التجميد على الإعلان مستقبلا؟

السؤال التاسع: كيف يمكن قراءة قرارات التجميد في ظل الاعتقالات التي طالت شخصيات من الإعلان دمشق؟

السؤال العاشر: كيف تقيمون سياسيا حملة الاعتقالات الأخيرة، وهل هناك رابط مابين الشخصيات التي تم اعتقالها؟

السؤال الحادي عشر: هل تعتقدون بوجود توجه جديد لإعلان دمشق، أدى لتغييب قوى وشخصيات مهمة عن نتائج الانتخابات الأخيرة؟

السؤال الثاني عشر: هناك بعض المزاعم بوجود توجه جديد نحو النيوليبرالية كي يحصل الإعلان على دعم وشرعية خارجية، ما مدى صحة هذه المزاعم؟

السؤال الثالث عشر: هل وجدت معايير محددة تم على أساسها دعوة الشخصيات المستقلة لحضور المجلس الوطني لإعلان دمشق؟ وماهي هذه المعايير في حال وجودها؟

السؤال الرابع عشر: هل وجد خلال انتخابات المجلس الوطني لقيادته، نوع من مراقبة الانتخابات قامت به جهات مستقلة "شخصيات مستقلة او منظمات حقوق إنسان"؟

فأجاب بالتالي :

غالب عامر

 

قبل الإجابة على التساؤلات والأسئلة عن مسار إعلان دمشق ومستقبله الذي يكتنفه الغموض بعد اجتماع مجلسه الوطني الموسع في الأول من كانون أول 2007، وما أعقبه من اعتقالات تعسفية لعددٍ من رموزه الوطنية، تجدر الإشارة إلى أنّه ينبغي للحديث عن التطورات الأخيرة داخله ان يكون على قدرٍ كبير من المسؤولية الوطنية والأمانة التاريخية، وذلك لفسح المجال لتصويب الأخطاء التي ارتكبت، وتجديد الحركة الوطنية الديمقراطية لمسارها بصورة أفضل مما هي عليه من تعثر وقصور كبيرين، خاصةً أن رهان السلطة السورية على إنهاء الإئتلاف الوطني يحتاج إلى جهود مكثفة لإسقاطه على الصعيد العملي، وليس من خلال الإدّعاء بحصول "النجاحات" التي كثيراً ما يتمّ التشكيك بحقيقتها في الراهن السياسي، أو في إطار تحديد آليات التغيير الديمقراطي . ولابدّ لهذه الجهود ان تستثمر، وتبدأ بإجراء مراجعة نقدية وجريئة لتمثل الأخطاء وتجاوزها. وبالتالي فإنّ " حرص مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية على فتح النقاش واسعاً حول إعلان دمشق منذ قيامه وحتى الآن" يشكل مساهمةً هامة في هذا الإطار، لا لتوثيق جانب معين من هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا، وحسب، وإنما يفيد في إلقاء الضوء على كيفية استشفاف آفاق المستقبل، من خلال رؤية موضوعية داخل "الإعلان" وفي المشهد السياسي السوري بوجهٍ عام :

السؤال الأول:

وفي البداية، يمكن القول أن توافق الطيف الأوسع من المعارضة السورية، ممثلةً بأحزابها السياسية أولاً، وبعدد لا يستهان به من الشخصيات الوطنية من المجتمع المدني عموماً، يعكس أهمية التوجه السياسي العام الذي دعت إليه وثيقة إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي، وذلك بعد ان تبين لكافة هذه القوى أنّ الطبيعة البنيوية للنظام السوري أدت إلى إرساء سياسته الداخلية بالامتناع عن إجراء أية إصلاحات جدّية وفاعلة في مختلف المجالات، وأبرزها المجال السياسي، ولم تكن الوعود التي أطلقها في خطاب القسم الدستوري الأول، سوى مجرد شعارات، تم الالتفاف من خلالها على الاستحقاقات الوطنية، والتي باتت ضرورية وراهنة لإعادة بناء الدولة المدنية الحديثة، والقادرة على الاستجابة لاحتياجات المجتمع وطموحاته في إحلال الحرية والديمقراطية بديلاً لنهج القمع والاستبداد المعمم في البلاد منذ أكثر من ثلاثة عقود مضت .

من هذا المنطلق، يعتبر صدور وثيقة إعلان دمشق محطةً هامة ورئيسة في تاريخ النضال الوطني الديمقراطي في سورية، لما حظيت به من تأييد واسع من عدد من القوى السياسية التي أعلنت تأييدها لما تضمنته من نقاطٍ بارزة تعبر عن احتياجات الشعب والوطن، للانطلاق نحو مرحلة جديدة في سبيل الحرية والديمقراطية، وهذا هو الدافع الرئيس لإصدار هذه الوثيقة، وذلك بالرغم مما شابها من نقاط ملتبسة، أثارت نقاشاً هاما لتوضيحها وإزالة اللبس عنها.  

السؤال الثاني:

لذلك فإنّ استمرار التوافق على إعلان دمشق بعد صدور التوضيحات اللازمة، يدلل على الارتباط بين مختلف القوى الموقعة على الإعلان والمؤيدة له، وعلى أهمية النقاط المتضمنة فيها والتي تعبر عن التوجهات السياسية الداخلية للمعارضة في سورية،  وبصورة غير بعيدةٍ أيضاً عما حدث ويحدث من متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، جعلت من التوجه لإعلاء شأن الحريات الديمقراطية أمراً أساسياً، وذلك بعد انهيار الأنظمة

التوتاليتارية التي لم تستطع الوفاء بوعودها التاريخية بصورة عامة، إضافةً إلى أنه لا يمكن لدولة من الدول، مهما حاولت الانكفاء على ذاتها، أن تمنع رياح التغيير القادمة إليها في ظل العولمة الراهنة في عصر الثورة المعلوماتية والاتصالات والمواصلات والتقدم التقني بصورته المذهلة، كما لا تستطيع إيقاف مفاعيل التأثير المتبادل، وتداعيات العلاقات الدولية وخاصةً في المجال الإقليمي على الداخل الوطني .

السؤال الثالث:

 ونظراً لأهمية وثيقة إعلان دمشق، وتأثيرها الكبير على المشهد السياسي السوري في اللحظة التي أطلقت فيها، فقد تم تسمية ائتلاف القوى السياسية المتوافقة عليها باسمها، وذلك للتدليل على مجموعة النقاط الرئيسة التي تضمنتها، كما تم تسمية اللجنة المؤقتة، واللجان الفرعية التي شكلت في المحافظات بنفس الإسم الذي أصبح ذا دلالة تاريخية ورمزية معينة، إذ أنه يشير إلى ضرورة القطع مع الاستبداد وإجراء التغيير الوطني الديمقراطي، وبعد ذلك تم تشكيل مكتب الأمانة العامة، ومجموعة أخرى من المكاتب أبرزها مكتب الإعلام، إضافةً للمجلس الوطني الذي تمّ توسيعه في الآونة الأخيرة، بطريقة تفتقر إلى الدقة والموضوعية، ليعقد اجتماعه الأول الذي أنجز جدول أعماله بمناقشة وإقرار اللائحة الداخلية والبيان الختامي، وانتخاب الأمانة العامة لإعلان دمشق، ولم يستبدل إسم الإعلان باسم المجلس الوطني كما يفهم من السؤال الخاص بهذه الفقرة، لأنّ المجلس الوطني هو المؤسسة التشريعية للإعلان وليس بديلاً عنه .

السؤال الرابع:

أما السؤال حول تحقيق المجلس الوطني بانعقاده النقلة التي كانت منتظرة من مرحلة "إعلان دمشق" إلى مرحلة جبهة للعمل الوطني، فإنّ الإجابة التي تتسم بالموضوعية تؤشّر إلى عدم قدرة هكذا مجلس ببنيته التنظيمية الملتبسة إمكانية تحقيق ذلك، والتي لم تكن أصلاً مدرجة على جدول أعماله. فمن المعروف أنّ  التحالف الجبهوي الحقيقي يشكّل بطبيعته مرحلةً متقدمة عن الوضعية الراهنة لإعلان دمشق، مما يتطلب معها التوافق بين كافة القوى المكونة للعمل الجبهوي على برنامج سياسي يشكّل ناظماً للمواقف السياسية والالتزام بها داخل القطر وخارجه، ولا يمكن التوصل إلى مناقشة وإقرار مثل هذا البرنامج في أوساط الإعلان ومؤسساته في فترةٍ زمنية قصيرة من عمر تكوّن هذا الائتلاف في ظلّ الحضور الكثيف للضغوط الأمنية والمتواصلة على قوى الإعلان والشخصيات الوطنية المنضوية في إطاره.

وفي اعتقادي، أنّ مجموعة المشتركات النظرية المكونة لوثيقة الإعلان لا تكفي في إطارها العام وبنيتها السياسية كخطوطٍ عامة لهذا الائتلاف، للتوصل من خلالها إلى برنامج سياسي مشترك لهكذا طيف واسع يحتاج في مرحلة أولى إلى المزيد من الحوار الفكري الحر والمفتوح لتثبيت المشتركات بينه، من جانب، وتوسع إطارها النظري على حساب النقاط غير المتفق عليها، من جانب آخر، وذلك لاستكمال المقومات النظرية والسياسية لبرنامج سياسي مشترك للقوى والشخصيات الاجتماعية والمستقلة. لذلك لا نستطيع تحميل الاجتماع الأول للمجلس الوطني الموسع مهمة إحداث نقلة نوعية كهذه، لم يسبق أن توافرت لها مقدماتها الموضوعية التي تحتاج إلى جهودٍ مكثفة كان يفترض لها أن تبذل قبل ذلك، ولم يتم إنجازها .

السؤال الخامس:

أما عن النواظم التي تحدد العلاقة بين القوى والشخصيات المنضوية داخل الإعلان، والتي كان من السهل والواجب بآنٍ واحد احترامها وعدم اختراقها تتجلى في: أولاً :الناظم السياسي الذي تمّ التعبير عنه في النضال من أجل التغيير الديمقراطي وفقاً لثلاث أسس رئيسية:  أولها الاعتماد على القوى الذاتية للإعلان والتحالفات الداخلة في إطاره، إضافةً للطبقات الشعبية صاحبة المصلحة في التغيير. وثانيها عدم الاستقواء بالخارج. وثالثها المحافظة على الوحدة السياسية للبلاد والتمسك بالثابت الوطني للاستقلال والسيادة. ثانياً :ناظم المشتركات المتوافق عليها والتي ينبغي عدم اختراقها، إضافةً لفتح الحوار حول القضايا غير المشتركة والعمل على معالجتها بصورةٍ ديمقراطية كالموقف الخلافي من الليبرالية والديمقراطية. ثالثاً: ناظم العلاقة الداخلية وأصول التحالفات بين الأحزاب السياسية، من جانب، والمستقلين الذين اخترقوا هذا الناظم بمواقف تكاد تكون معادية للأحزاب، من جانب آخر، إضافةً إلى أنه ثمة عدد من المستقلين اعتبروا أنفسهم وكأنهم مكافئين للأحزاب في وجودهم داخل الإعلان !!. 

السؤال السادس:

ولاريب أن هناك نوع من التنسيق حول المواقف السياسية بين الأمانة العامة للإعلان في الداخل وبين اللجان الفرعية الموجودة خارج البلاد، إلاّ أنّه لم يكن ثمّة تنسيق خارج هذه الأطر، وخاصةً مع " جبهة الخلاص" أو مع أفراد على شاكلة مأمون الحمصي، إضافةً إلى أنّ التصريحات غير المسؤولة التي تصدر عن بعض الأشخاص حول الموقف التي تبدو خارج مشتركات الإعلان أو متعارضة معها، لاتعبّر عن رأي المؤسسات التي يفترض أنها ملتزمة بهذه المشتركات، وبالتالي فإنّ تلك التصريحات ليست سوى آراء أو مواقف شخصية لأصحابها، ولا تتسم في كثيرٍ من الأحيان بالعقلانية السياسية .

السؤال السابع:

لذلك كنا نأمل جميعاً، أن يشكل انعقاد المجلس الوطني، الذي تسرع مكتب الأمانة كثيراً بالدعوة إليه، مرحلةً سياسية جديدة للإعلان يتمّ فيها استكمال المأسسة وفقاً للاّئحة الداخلية وتوسيع إطار اللجان الفرعية بشكلٍ منظم بحيث يهدف إلى تحقيق انطلاقةٍ جديدة في العمل الوطني، ولا يهدف إلى التحشيد الانتخابي كما حدث فعلاً، إلاّ أنّ النتائج لم تكن بحجم الآمال إن لم نقل أنها كانت مخيبة لها، وذلك نتيجةً لما ارتكب من أخطاء، لم يقدّر الذين اقترفوها حجم التداعيات التي يمكن أن تنجم عنها لتنعكس سلباً على مسار الإعلان ومستقبله الذي يتهدده العودة إلى التعثر، وتفاقم أزمته الداخلية إذا لم يتم بذل الجهود المكثفة لتصويب الأخطاء، من خلال الإقرار بها أولاً، كمنطلق لحوار جاد ومسؤول يهدف إلى معالجتها وتطويق مفاعيلها السلبية 

السؤال الثامن:

ومن خلال الإدراك العميق، وامتلاك الوعي النقدي، وتقدير النتائج الإيجابية والسلبية التي تمخّض عنها اجتماع المجلس الوطني، يجب أن نقرأ قرار حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي، وحزب العمل الشيوعي وعدد من الشخصيات الوطنية تجميد النشاط في كافة مؤسسات الإعلان بصورةٍ موضوعية ومسؤولية تاريخية بعيدةُ عن الانفعال، وعن إصرار الآخرين على عدم الاعتراف بالأخطاء التي أسست لهذا القرار الصعب في الظروف الدقيقة التي تمر بها الحركة الوطنية الديمقراطية في سورية.

وبوصفي أحد المشاركين في اجتماع المجلس الوطني، وأيضاً في اتخاذ قرار التجميد في ( الاتحاد الاشتراكي ) فإنني أدرك حقيقة الدوافع الموضوعية التي أدت إلى اتخاذ هذا الموقف، والذي يفصح عن نفسه باعتباره رسالةً موجهة إلى كافة القوى والأحزاب السياسية الأخرى "والمستقلين" في المجلس الوطني، بأننا في (الاتحاد الاشتراكي) ندرك تماماً، وبوضوح كامل، البواعث الحقيقية التي دفعت لارتكاب أخطاء لا يمكن تجاوزها، وأبرزها ما يتعلق بالمسار السياسي والنضالي لإعلان دمشق، حيث جاءت نتائج اللعبة الانتخابية الكيدية مجرد نتيجة منطقية للاختلاف حول عدم احترام المشتركات التي تمّ التوافق عليها عبر وثيقة الإعلان، وخاصةً من قبل المستقلين وأعضاء من لجان إحياء المجتمع المدني  وعدد من الأخوة الأكراد وحتى من داخل التجمع الوطني الديمقراطي نفسه، وذلك فيما يتعلق بالبعد الاجتماعي للتغيير الوطني الديمقراطي، وعدم الاستقواء بالخارج، وإعادة إنتاج المضامين الحقيقية للاستقلال والسيادة الوطنية .

وهذه النتيجة المنطقيةُ لم تحصل بسبب التعدد الأيديولوجي الطبيعي داخل إطار الإعلان، وإنما بسبب توجهات العناصر الليبرالية غير الديمقراطية للهيمنة على مركز القرار السياسي، وإقصاء التيار الديمقراطي، وتواجد أصحاب الفكر الإقصائي في أوساط المستقلين بوجهٍ خاص داخل الدائرة التنظيمية، مما أدى إلى تكوين نوع من الاصطفاف تعبيراً عن بنية فكرية وسياسية عاجزة عن الإحاطة بمتطلبات الممارسة الديمقراطية، وعدم إدراكها لطبيعة التحالفات السياسية المبنية أساساً في ائتلافٍ كهذا على التوافق الديمقراطي وليس على انتخابات كيدية من شأنها أن تعيد إنتاج ألاعيب الأنظمة التوتاليتارية .

ولذلك ينبغي قراءة التجميد بوصفه دعوة لمراجعة نقدية تتضمن إعادة الحوار حول المسائل التي مازالت عالقة ولم تجد سبيلاً لحلها قبل انعقاد المجلس الوطني، وقد ألقت بظلالها الكثيفة على الاجتماع ونتائجه المعروفة والتي تثقل إعلان دمشق بتداعياتها السلبية التي تميزت بعدم الاكتراث لمكانة وأهمية التيارين القومي واليسار الديمقراطي في الساحة السياسية السورية .

السؤال التاسع:

أما بالنسبة لحملة الاعتقالات التعسفية التي حدثت في أعقاب الاجتماع، يمكن القول أنها جاءت نتيجةً طبيعية ومتوقعة في حدوثها كتعبيرٍ عن العقل الأمني الذي يتحكم بالقرار السياسي في سورية، ولا علاقة لها بما اتخذ من قرارات لتجميد النشاط، ذلك أنّ الطبيعة البنيوية للنظام هي بالأساس طبيعة استبدادية قائمة على محاولة أصحابها إلغاء الآخر وإقصاء وجوده من موقع الفعل السياسي، ليتسنى لهم إدامة التحكم التوتاليتاري، والاستئثار بالسلطة واحتكار الموارد الرئيسة للثروة الوطنية، وإعادة إنتاج الاستنقاع الداخلي، وتجديد مكونات ثقافة الخوف التي لم تبارح بعد أذهان المواطنين.

ومن هنا، ينبغي على كافة القوى الوطنية الديمقراطية ان لا تضبط إيقاع حراكها الثقافي والسياسي والإعلامي وفقاً لترتيبات الأجهزة"الأمنية" واحتجازها للحريات الديمقراطية، وألاّ تخضع للضغوط الأمنية ومناخها المهيمن على المجتمع منذ أكثر من ثلاثة عقود خلت، ولابدّ أن يستمر العمل على تصحيح النهج والمسار داخل هذه القوى، وفي علاقاتها فيما بينها ومع كافة الفعاليات الاجتماعية، بالرغم مما تتعرض له من محاصرة واعتقالات واضطهاد سياسي لم يتوقف يوماً، ولن يتوقف إلاّ بعد إنهاء البنية التوتاليتارية القائمة، واستبدالها بطريقة سلمية متدرجة بنظام ديمقراطي يتجاوز مثالب السياسة الداخلية التي أثقلت كاهل المجتمع، وأوقعت البلاد بأزمةٍ متفاقمة لا حدود لها .

السؤال العاشر:

وفي إطار التقييم السياسي لحملة الاعتقالات الأخيرة، وما واكبها من حملة إعلامية ظالمة لأزلام النظام بهدف النيل من إعلان دمشق وعدد من رموزه الوطنية، فمن الملاحظ أن النظام يحاول من خلال توجيه هذه الضربة "الأمنية" ان يشل فاعلية إعلان دمشق وتفكيكه وبعثرة قواه، ولم تكن هذه، هي المحاولة الأولى له على امتداد عقوده الأربعة السابقة والراهنة، فقد سبق له في عقد الثمانينات أن زج في سجونه، ولسنوات طويلة  بعدد لا يحصى من المناضلين الشرفاء ومن كافة القوى السياسية الوطنية، بهدف إنهاء المعارضة السياسية لنظامه الاستبدادي، إلاّ أن الإرادة الوطنية للمجتمع السوري كانت أقوى من كل ما تعرضت له الحركة الوطنية الديمقراطية، وقد أثبتت جدارتها في انتزاع القدرة على البقاء والاستمرار .

المسألة، إذن، ليست في هذا الجانب، ولن تكون كذلك، لأن العامل الداخلي دائماً هو العامل الحاسم، وهذا ما ينطبق على ائتلاف إعلان دمشق، وبالتالي فإنّ السبيل إلى تفويت الفرصة على النظام وما يخطط له، يتمثل في العودة إلى الحوار الفكري والسياسي الحر والمفتوح، والمكثّف بآنٍ واحد، لإعادة إنتاج مقومات التماسك الداخلي لإعلان دمشق، بعيداً عن ذلك الحقد الدفين الذي يعتمل في صدور البعض، والذي يفصح عن نفسه بكل الممارسات الخاطئة التي استهدفت تجاوز القوى الحريصة على حاضر الإعلان ومستقبله في النضال الوطني الديمقراطي، فالمسؤولية الوطنية تستحق الجدارة والكفاءة والقدرة على استشفاف آفاق المستقبل، وليس النزوع إلى التقديرات الخاطئة في اعتبار أن النظام قاب قوسين أو أدنى من السقوط، ليعقب ذلك ممارسة التسرع في كل المبادرات التي يمكن لها أن تقود إلى المجهول، وإلى احتمالات غير محسوبة تلقي بتداعياتها السلبية على العمل الوطني برمته.  

السؤال الحادي عشر:

وبصدد قصة التوجه الجديد الذي أدى إلى تغييب قوى وشخصيات مهمة عن نتائج الانتخابات الأخيرة، يمكن القول أن المسألة ليست جديدة، وإنما ابتدأت بعد تشكيل اللجنة المركزية المؤقتة للإعلان ومكتب الأمانة العامة، ليبرز الخلاف بين رؤيتين متعارضتين حول عدد من المسائل السياسية بجذرها الأيديولوجي وأبرزها: 1- طغيان الاهتمام بضرورة التغيير الديمقراطي دون الاهتمام بالقضايا الأخرى المرتبطة أساساً بالأبعاد الجيوسياسية لمستقبل التغيير، واستقرار ثوابته الرئيسة في واقع العلاقات الداخلية، وأضحى بذلك خطاب إعلان دمشق متعارض في كثير من الأحيان مع التحليل السياسي الموضوعي لتطورات الأحداث في المنطقة 2- عدم التأكيد أو حتى الاهتمام بالبعد الاجتماعي للتغيير الديمقراطي، بوصفه المقدمة الموضوعية لإحلال العدالة الاجتماعية وسيادة الأسس العامة للديمقراطية وأبرزها  قضية المساواة بين كافة المواطنين، ومبدأ تكافؤ الفرص في العمل والإنتاج والحياة الحرة الكريمة 3 – الإغفال المتعمد لأي توجه وحدوي  في الخطاب السياسي أو في الممارسة العملية للتنسيق بين القوى الوطنية الديمقراطية على المستوى العربي، في الوقت الذي انصب الجهد الرئيس لعدد من الرموز القيادية على توطيد العلاقات مع عدد من الأوساط السياسية خارج الدائرة العربية. وبالتالي فإنّ عدم اهتمام الخطاب السياسي لهذه القضايا المبدئية، يجعل آفاق التغيير الديمقراطي غير واضحة المعالم، وخاصةً في ظل العولمة الراهنة، وما يواكبها من تقاطع واضح لمشاريع القوى الخارجية والإقليمية، مما ينبغي على قوى إعلان دمشق توسيع إطار القاعدة النظرية والسياسية المشتركة، والتي يتم من خلالها احترام التوجهات الوطنية والإلتزام بها وضبط إيقاع المواقف السياسية بما يتناسب مع التأكيد على تلك الجوانب الحيوية والهامة، وعدم حجبها عن المنظور العام للتغيير الديمقراطي، والذي يمكن أن يفصح عن نفسه (وسط دائرته العربية ) بثوابته الوطنية، وليس بالتغاضي عن درس التاريخ الراهن في فلسطين والعراق، وغيرها من الدول التي تعرضت للعدوان والاحتلال.

إنّ إسقاط هذه المسألة من الحسابات السياسية من شأنها أن تسقط بدورها أبرز النقاط في وثيقة إعلان دمشق والمتعلقة بانتماء سورية إلى الوطن العربي، إضافةً إلى ضرورة تحديد الموقف بصورة واضحة من المسألة الخاصة بتدخل الدول الكبرى في الشؤون الداخلية للدول، وذلك من أجل تحقيق مشاريعها التوسعية على حساب الاستقلال الوطني وبناء الدولة المدنية الديمقراطية المستقلة، وبالتالي على حساب تحررها من القيود المكبلة بها في الداخل الوطني .

السؤال الثاني عشر:

من هنا، يمكن اكتشاف المسار الخاطئ لعدد كبير من رموز إعلان دمشق، وسط إطاره العام، حين يتم التغاضي عن ضرورة التمييز بين منظومة القيم الليبرالية الأساسية والمؤسسة في عصر الأنوار الأوربي، والتي تنتمي أصلاً لمنظومة الفكر الديمقراطي وتجلياتها في نظام الحكم والعلاقات المجتمعية المدنية عموماً، وبين ما آلت إليه الليبرالية في تطوراتها اللاحقة في البلدان الرأسمالية، وصولاً إلى العولمة الراهنة واحتكاراتها الكبرى، ودور الطغمة المالية في التحكم بالاقتصاد العالمي والسياسة الدولية، من جانب، والعمل على تهميش الدول والمجتمعات النامية التي تعاني من تفاقم الأزمات الداخلية، وسوء الإدارة السياسية، والفوضى الاقتصادية، والنهب المنظم لثرواتها ومواردها الطبيعية، وسط تفاقم ظاهرة الفساد والإفساد غير المسيطر عليها، من جانبٍ آخر .

علينا، إذن، أن ندرك  طبيعة الآليات الناظمة لجدل الداخل والخارج، ذلك أن مهام التغيير الوطني الديمقراطي ليست بالمهام التي يمكن اختزالها، تبعاً لنمط التفكير التبسيطي الخطي، إلى بعدٍ سياسي مفصول عن سياقه التاريخي، ولابدّ للأبعاد الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأيضاً كيفية بناء الوحدة الوطنية ودور الفئات الاجتماعية المتعددة في عملية التغيير الشاملة، ان تكون بمجموعها مثار البحث والاهتمام في كيفية التوافق المشترك عليها، وهي بالأساس منظومة المهام الوطنية التي تفتح للحوار آفاقه الواسعة، دون الانقياد غير المسؤول خلف شعارات غير واضحة المعالم، لاتعني القوى الخارجية أصلاً ولايهمها إنجازها في المنطقة العربية، بل يمكن القول أنّ بناء الدولة الوطنية الديمقراطية والمدنية الحديثة في أيّ قطر عربي غير مرحب به سواء من القوى الخارجية أو الإقليمية التي أفصحت عن مشاريعها وطموحاتها خارج حدود مجالها الإقليمي مما هو معروف.

وفي هذا الإطار، لا يمكن لمعارضة وطنية أن تستجدي شرعيتها من اعتراف الدول الرأسمالية بها، وإنما من خلال حضورها الفاعل داخل الأوساط الاجتماعية، ومن خلال مؤسسات المجتمع المدني التي يمكن تشكيلها  بصورة موازية لكل التشكيلات التقليدية والسلطوية المقبوض عليها بقوة وسيطرة الأجهزة الأمنية، وفي هذا الإطار، ووفقاً لهذا النهج والمسار الوطني لا يمكن للمجتمع الدولي أن يتجاهل وجود المعارضة التي تنتزع  وتكتسب شرعيتها الواقعية في الداخل الوطني بالرغم من كافة أشكال القمع والاعتقال التعسفي والحصار الذي يفرضه النظام عليها.

السؤال الثالث عشر:

وأخيراً، ثمّة مسألة تنظيمية تتعلق بالمعايير الخاصة بتسمية العناصر المستقلة لحضور المجلس الوطني لإعلان دمشق، لقد كان هناك مجموعة من المعايير الأساسية، من أهمها أن يكون المدعو لاجتماع المجلس من الشخصيات الوطنية المعروفة في الأوساط السياسية أو الثقافية المعارضة، وأن يكون مؤمناً بضرورة العمل من أجل التغيير الوطني الديمقراطي، وان يكون من الشخصيات المميزة في الأوساط الاجتماعية في محافظته . إلاّ أنّ العديد من الأخطاء قد ارتكبت في هذا المجال نظراً لعدم الالتزام بهذه المعايير، من جانب، والالتزام بمعايير أخرى مختلفة تتعلق بطبيعة التحشيد الانتخابي لطرف معين من أطياف الإعلان مما شكّل خللاً واضحاً في بنية المجلس، ولدينا العديد من الأمثلة الواضحة من المحافظات، مما يتطلب إعادة النظر في التركيبة الحالية للمجلس على أن تطرح المسألة في إطار قضية تحتاج إلى التدقيق والإصلاح من خلال الحوار المسؤول لحلها، وليس في مجالٍ آخر يمكن أن يقود إلى التفكك والانقسام .

وفي محصلة الإجابة:

على الأسئلة والتساؤلات المطروحة تجدر الإشارة أخيراً، إلى أنه لا يجوز بحال إنكار الحقائق الموضوعية الماثلة أمامنا في أعقاب اجتماع المجلس الوطني لإعلان دمشق، وما نجم عنه من نتائج وتداعيات أدت إلى اتخاذ ( حزب الاتحاد الاشتراكي وحزب العمل وشخصيات وطنية أخرى) قرارها بتجميد نشاطها في مؤسسات الإعلان، ومن أبرز هذه الحقائق كون ائتلاف الإعلان يقف الآن على مفترق الطرق الصعبة، مما يثير القلق حول مستقبله ومصيره في ظلّ تصاعد الضغوط الأمنية، وما نجم عنها من اعتقالات تعسفية جائرة لعدد لا يستهان به من رموزه الوطنية، في الوقت الذي ماتزال الفرصة مهيأة لحصر وتطويق الثغرات والأخطاء التي أوصلت الإعلان إلى ما وصل إليه.

وليس من سبيل لإعادة إعلان دمشق إلى موقعه الطبيعي والفاعل في إطار الحركة الوطنية الديمقراطية، سوى العودة إلى الحوار السياسي والفكري الحر والمفتوح، بين كافة أطرافه وقواه وشخصياته الوطنية المسؤولة، لإعادة النظر في البنية التنظيمية لمؤسساته المتعددة وفي مقدمها المجلس الوطني، وتجذير الرؤية النظرية والسياسية حول مشتركاته في مجمل الوثائق الصادرة عنه على قاعدة التوافق المرتبطة بطبيعة تكوينه، وبوصفه ائتلاف لمجموعة كبيرة من الأحزاب السياسية، وليس حزباً سياسياً بحد ذاته.

 

عضو المكتب السياسي في حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي في سورية

 

العدد : 12-13  تاريخ 2008 - 6                    مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية      مجلة غير دورية متخصصة  بالشأن السوري            

 

Damascus Center for Theoretical and Civil Rights Studies

adress: Varbarega   G101 tel&fax : 004619251237 organisationsnummer : 802433-2218
70351  Örebro -  Sweden E-mail :dccls@bredband.net kontomummer : 8452-5 , 903358349-4  - swedbank

الصفحة الرئيسية