عشرة دروس للأحرار.. من أرض ماينمار - ياسر العيتي

مقالات

                                                         

 

خرج آلاف الرهبان حفاة يحتجون على غلاء الأسعار ويطالبون بالحرية والديمقراطية ضد النظام العسكري الديكتاتوري الحاكم في ماينمار (بورما سابقاً) ثم انضم إليهم عشرات الألوف من أبناء الشعب وعلى الرغم من حظر النظام الحاكم للمسيرات واعتقاله لمئات الرهبان وسقوط العشرات من القتلى والجرحى إلا أن المسيرات استمرت وانتقلت من مدينة إلى أخرى لتشكل أكبر تحدي للنظام العسكري الحاكم وقد أثار القمع الوحشي لهذه المسيرات الرأي العام العالمي ويرجح المراقبون المتابعون للحركة الديمقراطية في بورما أن تستمر هذه الاحتجاجات وتتصاعد إلى أن تحصل المعارضة على مطالبها أو على معظم هذه المطالب.

لكي نفهم ما يحدث في بورما اليوم علينا أن نعود إلى منتصف 1992 عندما شكل ائتلاف مجموعات المعارضة البورمية (لجنة التحدي السياسي) PDC Political Defiance Committee وكانت أول مهام هذه اللجنة دراسة أفضل طريقة لإدارة الصراع من أجل الديمقراطية في بورما بناء على التجارب السابقة والظروف المتغيرة. 

حددت اللجنة مهمتها بأنها "إيجاد أفضل الطرق الفعالة لتشجيع المواطنين على المشاركة في المقاومة السلمية لإحراز النصر في الصراع من أجل الديمقراطية في بورما". انطلقت اللجنة في دراستها من الافتراض الذي يقول "إنَّ الغالبية الساحقة من الشعب البورمي تعارض النظام العسكري الحاكم" وكانت أمام اللجنة الحقائق التالية: 

1- في عام 1962 حدث انقلاب عسكري في بورما وتشكلت حكومة عسكرية عطلت الحياة السياسية وحكمت البلاد بقانون الطوارئ. 

2- عدد سكان بورما 44 مليون مواطن بينما يبلغ عدد القوات العسكرية التي يجندها النظام لقمع الشعب 400 ألف رجل. 

3- في عام 1988 قمع النظام العسكري بوحشية بالغة احتجاجات تطالب بالديمقراطية وسقط في هذه الاحتجاجات حوالي 3000 قتيل وقد حرك ذلك الرأي العام العالمي وبدأت تتشكل جبهة عالمية مضادة للنظام الحاكم في بورما لكن توقف الاحتجاجات في بورما أدى إلى توقف الاحتجاجات العالمية ونتيجة لهذه الاحتجاجات سمحت الحكومة العسكرية في عام 1989 بإجراءات انتخابات حرة فاز فيها حزب (الرابطة الوطنية الديموقراطية) بزعامة أونغ سان سو كاي بـِ 392 مقعد في المجلس الوطني من أصل 489 مقعداً. ألغت الحكومة العسكرية نتائج الانتخابات ووضعت الزعيمة الديمقراطية أونغ سان سو كاي تحت الإقامة الجبرية ووعدت الحكومة العسكرية بإجراء إصلاح سياسي ووضع دستور جديد للبلاد ولم يحدث شيء منذ ذلك الوقت وحتى اليوم. 

4- بسبب استخدام النظام للعنف والإرهاب تم إفراغ البلاد من القيادات السياسية التي توزعت بين المنافي والمقابر والسجون. 

بعد دراسة مستفيضة للواقع في بورما ومناقشة الخيارات والبدائل المختلفة توصلت الـ PDC (لجنة التحدي السياسي) إلى التوصيات التالية: 

1- تأسيس مكتب للمقاومة السلمية تابع مباشرة لقيادة المقاومة الديمقراطية ويكون هذا المكتب مسؤولاً عن تطوير الخطط الاستراتيجية للمقاومة السلمية وتحديد الموارد المطلوبة لنجاحها والإشراف على تعليم وتدريب الشعب على هذا النوع من المقاومة.

2- المباشرة فوراً بإقامة دورات تدريبية للأشخاص المتميزين من أجل إعدادهم كقادة ومدربين يتولون عملية تجنيد وتدريب الشباب على المقاومة السلمية.

3- التنسيق مع المعارضين في الخارج لتحريك الرأي العام العالمي ضد النظام الديكتاتوري في بورما. 

ما أريد إيصاله إلى الأخوة والأخوات الذين يقرؤون هذا المقال هو أن ما يحدث في بورما اليوم ليس حركة احتجاج عفوية ارتجالية وإنما هي حركة منظمة يتم الإعداد لها منذ سنوات وسواء انتصرت هذه الحركة في هذه الجولة أم احتاجت إلى جولات أخرى إلا أن الشعب البورمي قد كسر حاجز الخوف ولا بد أن يأتي ذلك اليوم الذي ينال فيه حريته وحقوقه وكرامته. نستطيع أن نستخلص مما يحدث في بورما اليوم الدروس التالية:

1- إن الحركات المطالبة بالديمقراطية لن تصل إلى أهدافها بمجرد إصدار البيانات وكتابة المقالات، وما لم تنجح هذه الحركات في التواصل مع الناس ورسم خطة واضحة للمقاومة السلمية وتحريك الشارع ضد النظام الديكتاتوري فإن هذا النظام سينعم بطول السلامة مهما كثرت البيانات والمقالات المكتوبة ضده! 

2- إن فشل المقاومة السلمية في جولة من الجولات لا يعني الاستسلام للطغاة وإنما يمكن اعتبار هذا الفشل تجربة يمكن الاستفادة منها لزيادة فرص النجاح في التجارب اللاحقة وهذا ما فعلته المعارضة الديمقراطية في بورما بعد مقتل المئات عام 1988 وإلغاء نتائج الانتخابات عام 1989 فقد شكلت لجنة لدراسة التجربة واستخلاص العبر والمضي قدماً في مسيرة التحرر.

3- إن المعارضة المنادية بالديمقراطية لا تؤثر كثيراً عندما تكون جهود أحزابها مبعثرة فإذا توحدت في مشروع واحد للمقاومة السلمية (على الرغم من اختلافاتها السياسية) كمَّل بعضها بعضاً وتحولت إلى قوة فاعلة قادرة على التغيير.

4- المقاومة السلمية ليست مبدأً أخلاقياً كما يعتقد البعض بل هي الطريقة العملية الوحيدة لكي يكسب الشعب الصراع عندما يكون أعزلاً في وجه مجموعة صغيرة تحكمه بقوة السلاح. والمقاومة السلمية ليست موقفاً سلبياً كما يصورها البعض بل هي حركة إيجابية تدفع الشعب إلى الانتقال من موقف المتفرج على الآخرين وهم يحددون له مصيره إلى الموقف المشارك في صنع هذا المصير. 

5- يعتقد البعض أن المقاومة السلمية تنجح ضد الأنظمة الديمقراطية فقط وهذا غير صحيح فقد نجحت هذه المقاومة ويمكن أن تنجح ضد أعتى الأنظمة الديكتاتورية وأكثرها وحشية. إن أعتى قوة عسكرية في العالم لا تستطيع أن تقف في وجه شعب أعزل إذا حزم هذا الشعب أمره ونزل إلى الشارع ليواجه العصي والهراوات بصدور أبنائه الأحرار وإن أبرع أجهزة أمن في العالم لا تستطيع أن تمنع المعارضة من إعداد الشعب للمقاومة السلمية عندما تمتلك هذه المعارضة أمرين اثنين: أولاً، الإيمان الراسخ بشعبها وأهليته للحياة الحرة الكريمة. وثانياً، العقلية العلمية التي تدرس الواقع بشكل موضوعي وتمتلك التفكير الاستراتيجي والنظرة البعيدة والنَفَس الطويل. أطاحت المقاومة السلمية بنظام الشاه في إيران وبالأنظمة الديكتاتورية في ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا وهنغاريا وبولندا، وأطاحت بشكل سريع ومهين بتشاوتشيسكي ديكتاتور رومانيا، وفي صربيا أطاحت الاعتصامات السلمية بنظام ميلسوفيتش وفي أوكرانيا أطاحت الثورة البرتقالية بالنظام الديكتاتوري هناك، وفي روسيا منعت الاحتجاجات السلمية نجاح انقلاب عسكري قام به مجموعة من الضباط عام 1991، كما أن المقاومة السلمية هي التي أسقطت نظام ماركوس في الفلبين ومنعت نجاح انقلاب عسكري في تايلاند عام 1993. كل تلك الأنظمة الديكتاتورية كانت أياديها ملطخة بدماء شعوبها وكانت لديها أجهزة أمن عتيدة تراقب وتتنصت وتلاحق وتعتقل ولكن صدق من قال.. إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر. 

6- قد يردُّ البعض على كلامنا هذا بالاستشهاد ببعض الانتفاضات الشعبية التي قُمعت ولم تحدث أي تغيير والدارس لهذه الانتفاضات يلاحظ أمرين: أولاً، أن بعضها استخدم السلاح ضد النظام الديكتاتوري مما أعطى هذا النظام المبرر لسحقها وحرمها من الجموع التي كانت ستنضم إليها وتتعاطف معها. ثانياً، إن بعض هذه الحركات كانت ارتجالية لم تدرس الواقع بشكل دقيق ولم تخطط بشكل استراتيجي ولم تعد الموارد الكافية لمتابعة الصراع ضد الديكتاتورية على المدى الطويل. إن للمقاومة السلمية آلياتها السياسية والنفسية الخاصة بها وهناك الكثير من الأفكار الخاطئة المرتبطة بطبيعة هذه المقاومة وآليات عملها ومن أراد الإطلاع على المزيد عن موضوع المقاومة السلمية أنصحه بمراجعة بحث سابق كتبته بعنوان (المقاومة السلمية أفضل طريق لبناء المجتمعات الحرة) وهو موجود على موقعي على الانترنت.

7- إن الوعود التي تعطيها الأنظمة الديكتاتورية بالإصلاح السياسي ومنح الحريات هي وعود كاذبة لأن هذه الأنظمة لن تعدم نفسها بنفسها ولن تتخلى عن مكاسبها ومصالحها طواعية وإنما تفعل ذلك رغماً عن أنفها عندما يتحرك الشارع ضدها وعندما يصبح حب الناس للحرية أكثر من حبهم للحياة الذليلة! 

8- الشعوب تخاف عندما تتعرض للقمع. هذه حقيقة علمية وردة فعل طبيعية ولكن هناك حقيقة علمية وتاريخية أخرى تقول: إن الشعوب تتغلب على خوفها عندما تتوفر لها قيادات شجاعة ترسم لها الطريق وتتقدمها وتقودها في معركة الحرية. 

9- الناس يسيرون خلف قياداتهم الروحية والفكرية وهذا ما حدث في بورما فعندما تقدم قادة الأمة الروحيين (الرهبان) إلى ساحة الشرف والكرامة سار الناس خلفهم، في مجتمعات أخرى يتصدر قادة الأمة الروحيين ولائم الحاكم المستبد ويرفعون أيديهم إلى السماء يدعون له بمزيد من القوة والتأييد الإلهي فلا عجب إذا وجدنا الناس في مثل هذه المجتمعات خانعين مستسلمين!

10- إن المصير الحتمي لكل الأنظمة الديكتاتورية هو الزوال وما من شعب إلا وسينال حريته في نهاية المطاف لكن وجود المقاومة السلمية يسرع زوال هذه الأنظمة ويشكل وسادة الأمان التي ستحمي المجتمع من الوقوع في الفوضى بعد زوال الديكتاتورية لأن المقاومة السلمية تفرز قيادات قادرة على ضبط حركة الشارع وترفع الوعي السياسي عند الناس وتصنع التكاتف بين مكونات المجتمع المختلفة وتزرع الشعور بالمسؤولية بين أفراده مما يحمي المجتمع من الفوضى أو الوقوع في براثن ديكتاتورية جديدة.

إن الأنظمة الديكتاتورية هي أعظم خطر يهدد البشرية وأكبر مصدر لشقاء الإنسان في هذا العالم وأضخم عائق يحول دون رقي الإنسان وسعادته حيث يقوم في هذه الأنظمة أسوأ الناس في المجتمع بقتل وتعذيب وسجن ونفي وإسكات أفضل الناس فيه ومع ذلك فإن هذه الأنظمة تحمل بذور فنائها في داخلها وكلها بلا استثناء ستذهب إلى مزابل التاريخ وأنصار الحرية هم الذين ينتصرون في نهاية المطاف لأن انتصارهم هو انتصار لكرامة الإنسان الذي وعد الله بتكريمه (ولقد كرمنا بني آدم). إن إسقاط الأنظمة الديكتاتورية لا يتم بالشكوى والأنين من ظلم هذه الأنظمة وبطشها، ولا باتهام الشعوب بالجبن والتخاذل. إسقاط هذه الأنظمة يحتاج إلى رؤية ملهمة واستراتيجية واضحة واستعداد للموت في سبيل الحرية! إن المقاومة السلمية هي معركة حقيقية تشبه المعركة العسكرية بما تحتاج إليه من تخطيط وكر وفر وشجاعة وبطولة وبما يسقط فيها من شهداء وجرحى وأسرى، المقاومة السلمية هي تلك الملحمة التاريخية التي لا بد أن يخوضها كل شعب اختار الحياة بدلاً من الموت والكرامة بدلاً من الذل والحرية بدلاً من العبودية.

- عضو الأمانة العامة لإعلان دمشق

 

العدد : 12-13  تاريخ 2008 - 6                    مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية      مجلة غير دورية متخصصة  بالشأن السوري            

 

Damascus Center for Theoretical and Civil Rights Studies

adress: Varbarega   G101 tel&fax : 004619251237 organisationsnummer : 802433-2218
70351  Örebro -  Sweden E-mail :dccls@bredband.net kontomummer : 8452-5 , 903358349-4  - swedbank

الصفحة الرئيسية