رؤية ناصرية من داخل إعلان دمشق: ندى الخش

 إعلان دمشق... آراء ومواقف

                                                     

أثارني مقال نشر في جريدة المجد بعددها رقم 538 تاريخ ـ 24/12/2007 في الصفحة الخامسة تحت عنوان (حركة القوميين العرب تؤيد موقف الاتحاد ـ للسيد أحمد مظهرسعدو) وتولدت لدي ملاحظات عدة حول المقال واحدة منها شكلية او ربما فنية والبقية موضوعية لها علاقة بصلب الموضوع، أما الملاحظة الشكلية فهي وجود صورة للأخ رجاء الناصر على المقال، فهل المقال له أم للسيد أحمد ؟؟؟

ـ من المهم أن أعرف بنفسي بما أنني أكتب للمرة الأولى، وبما أن صاحب المقال استخدم موقفي مجتزأً للتدليل على صحة ما رمى إليه.

.... أنا سيدة عربية الانتماء وحدوية التوجه، ناصرية النشأة وما أزال ...وأعتقد أن ذلك كاف للتعريف.

الملاحظة الأولى: أن صاحب المقال يوحي بأن الموقف الذي اتخذه الحزب نهائي، وهو الانسحاب من إعلان دمشق، وحقيقة الأمر أن المكتب السياسي قد اتخذ قراراً بتجميد المشاركة في الأطر الهيكلية لإعلان دمشق وأحال الموضوع إلى اللجنة المركزية للحزب صاحبة القرار النهائي، ولما تجتمع اللجنة المركزية للحزب بعد.

الملاحظة الثانية: هي محاولة التأثير على قرار الحزب ودفعه للانسحاب النهائي من الإعلان ووضع نفسه في مواجهة قوى الإعلان، وهذا من وجهة نظري الخاصة خطأ كبير في العمل السياسي، وأنا أتكلم من داخل عباءة الحزب والتيار الناصري.

الملاحظة الثالثة : الاتهامات الجزافية بوصف الآخر المختلف باللاوطنية واللاعروبية، وكأننا نجلس على منصة القضاء ونوزع الاتهامات كما يحلو لنا ..سيما وأننا نرفض اتهامنا من قبل البعض بأننا قومجيون وبأن أفكارنا وأحلامنا أصبحت خارج التاريخ ..؟؟!

كل هذا لا يعني أن ليس ثمة أخطاء كثيرة مورست وستمارس في خضم صيرورة العمل الوطني وضمن الشروط القاهرة التي يعمل ضمنها، وهذه الأخطاء مسؤولية الجميع وعلى رأسهم حزب الاتحاد الاشتراكي لأنه الحزب الأكبر والأقدر، ومن المفترض أن تكون مسؤوليته بحجمه، وهذا لا يعني أن ينصبه الآخرون بل أن يثبت جدارته بالممارســة.

ولابد من الاعتراف بأن ثمة تياراً داخل حزب الاتحاد يدفع باتجاه القطيعة مع الإعلان، ومن حقه أن يحاجج برأيه داخل الحزب، وأن هنالك أطرافاً أخرى داخل التجمع الوطني الديمقراطي ومن المستقلين المشاركين في إعلان دمشق يدفعون أيضاً باتجاه القطيعة بين حزب الاتحاد و الإعلان، تحت دعاوى متنوعة الأهداف والأغراض، ولكن السؤال لماذا ؟؟ وهذا حديث آخر.

جوهر المشكلة في إعلان دمشق هو افتقاده للرؤية الواضحة للعلاقة بين أطراف التحالف، وهذه مسؤولية جميع المشاركين في إبصار إعلان دمشق للنور بدون استثناء، إعلان دمشق هو تحالف بين أحزاب وقوى وهيئات وأفراد، وهو تحالف مؤقت بتحقيق الهدف منه وهو التغيير الوطني الديمقراطي السلمي التدريجي في سوريا ضمن حدودها السياسية الراهنة، وليس من حق أحد من أطراف هذا التحالف فرض رؤيته الإيديولوجية على الآخرين، وكان يكفي الإعلان وضع خطين أحمرين لا يجوز تجاوزهما وهما وحدة سورية أرضاً وشعباً، ويمكن ترجمة ذلك بحق المواطنة لجميع القاطنين ضمن هذه الحدود وبالتساوي. والآخر عدم الاستقواء بالخارج الاستعماري على الوطن ويمكن ترجمته بأن لا نتحول إلى حصان طروادة للمشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة.

ومن هذه النقطة بالذات ( افتقاد الرؤية الواضحة ) انبثقت معظم الإشكالات التي واجهت أطراف التحالف  وتجلى ذلك بوضوح عند تشكيل الهيكليات، إذ لا يمكن لأي عمل أن يتقدم ما لم يكن هنالك نواظم تنظم العمل ويمكن الاحتكام إليها عند الاختلاف، ولذلك من غير الممكن تطبيق فكرة الديمقراطية الانتخابية الفردية في تحالف من هذا النوع، بل إن قانون التحالف هو تمثيل القوى وبنسب متفاوتة أو متساوية تبعاً للاتفاق الذي يتم ولاعتبارات أخرى كثيرة، ولكن السؤال لماذا قبلنا بهذه الهيكلية ؟؟ ولماذا رشح نفسه من يعترض على هذه الآلية غير الصحيحة ؟؟ كان الأجدى اتخاذ الموقف من اللحظة التي أقرت بها الهيكلية أو على الأقل الامتناع عن الترشح درءاً للثغرة التي تاجر بها البعض واعتبر أن الاتحاد انسحب لأن مرشحيه لم يفوزوا.

وأخيراً فإن إعلان دمشــق هو عمل سياسي بامتياز. هو ممارسة الفكر على أرض الواقع. لأن هذا التحالف يضم بين جنباته كمــاً لا بأس به من الأفكار والرؤى المختلفة، وهي تعبير حقيقي عما يصطرع من أفكار ورؤى في مجتمعنا، وهؤلاء جميعاً قادمون من المجتمع الذي نعيش فيه، ونطرح رؤانا له، وهو اختبار حقيقي لمتانة وصحة أفكارنا وقدرتنا على الانتصار لها بالحوار وبالديمقراطية، وهذا لا يعني أبداً التخل عن الثوابت والمبادئ، بل ممارستها والاهتداء بها وليس الاختباء وراءها وهنا يحضرني موقف لقائد حركة التحرر العربية في الخمسينات والستينات القائد الإنسان جمال عبد الناصر عندما قبل مبادرة روجرز وكان قبوله بها مفاجأة  أذهلت أعداؤه الذين قدموا المبادرة واثقين من رفضه لها، وكلنا نذكر كم هوجم عبد الناصر من قبل الثوريين المتطرفين الذين ركعوا فيما بعد لأعدائهم، وعبد الناصر لم تنحن قامته لأنه كان يدرك أن السياسة هي فن الممكن وباختصار ما يتيحه الواقع وما تطيقه الإمكانيات الذاتية، كان عليه أن يواجه الواقع المهزوم وهكذا فعل وهكذا يجب أن نفعل، وأؤكد أن نفعل لا أن نقـــول.   تنويه أخير أرجو أن لا يفهم أحد من كلامي هذا بأن جميع المنضوين داخل الإعلان هم حمائم بيضاء، بل هنالك اختلاف في الأفكار والرؤى وهنالك عند البعض تطرف في طرح بعض الأفكار، ولكنها مجرد أفكار لا ترقى إلى سياسات يتبناها الإعلان، وعندما تتحول إلى سياسات رسمية للإعلان فلكل حادث حديث، وبصدد موقفي فإن أساسه كان تنظيمياً وليس سياسياً وعندما قلت ( تولد لدي إحساس ) فإنه كان إحساساً وليس حقيقة مطلقة، وتصرفت على مبدأ درء المفاسد وانسجاماً مع موقف الحزب. والآن مازلت أعتبر نفسي معنية و مسؤولة وحزبي أيضاً فيما يؤول إليه الإعلان إن اكتفينا بالانسحاب واتهام الآخر بأنه إبليس وتصوير أنفسنا بأننا ملائكة. آن لنا أن ننظر إلى أخطاءنا ثم ننظر إلى أخطاء الآخرين فكلنا بشر وكلنا خطاؤون.

والسلام.

 

 

العدد : 12-13  تاريخ 2008 - 6                    مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية      مجلة غير دورية متخصصة  بالشأن السوري            

 

Damascus Center for Theoretical and Civil Rights Studies

adress: Varbarega   G101 tel&fax : 004619251237 organisationsnummer : 802433-2218
70351  Örebro -  Sweden E-mail :dccls@bredband.net kontomummer : 8452-5 , 903358349-4  - swedbank

الصفحة الرئيسية