وقفة مع إعلان دمشق -   مخلص الصيادي

 إعلان دمشق... آراء ومواقف

                                                     

 إعلان دمشق : خطر التلاعب بالضرورات الوطنية

مدخل عام

 

في مراحل تاريخية محددة يصبح بناء تحالف وطني مهمة حيوية، وواجب وطني، ومؤشر على جدية القوى السياسية، وحسن إدراكها لخصائص المرحلة ومتطلباتها،ولقد مرت سوريا بأكثر من مرحلة تطلبت بناء مثل هذا التحالف ، وإذا كنا نقتصر في عرضنا هنا على المرحلة التي أعقبت تسلم حزب البعث للسلطة في سوريا فلا بد أن نشير إلى، إلى تجارب بناء تحالف وطني عريض لمواجهة نكسة حزيران 1967 ،وصولا إلى محاولات بناء جبهة وطنية عقب استلام الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد للسلطة عام 1970 ، وعملية بناء تحالف وطني في ظروف الصراع الدموي والتمزق الوطني الذي كان عاناه الصراع بين الأخوان المسلمين والسلطة ، وما رافقه من مذابح وجرائم ، وأخيرا جهود بناء تحالف وطني عريض يكون مدخلا لتغيير ديموقراطي للوضع في سوريا يخرج هذا البلد من حالة الاستبداد ، والفساد ، والانقسام الوطني الذي كان في مجمله نتاج أكثر من أربعين عاما من حكم البعث على اختلاف رايات وألوان هذا الحكم .

ولا شك أن سوريا بحاجة الآن أكثر من أي وقت مضى إلى وجود مثل هذا التحالف الوطني، وهي بحاجة قصوى إلى جهود وطنية مكثفة لإعادتها إلى مسيرة العمل الوطني الحقيقي ، والذي لا عنوان له إلا عودة السلطة إلى القوى الوطنية ، وعودة القرار السياسي إلى إرادة الناس الحرة الواضحة الممكنة القياس.

إن الاستهداف الوطني هنا واضح ، جلي ، يفتح الباب لكل أنواع الصراع والاختلاف ولمختلف أنواع التحالفات بين القوى الوطنية ، لكنه يجعل ذلك كله تحت مظلة الوطن نفسه ، ويجعل أدوات هذا الصراع محددة بالعمل الديموقراطي تثبيتا وتغييرا .

إن القوى السياسية التي عملت على إطلاق "إعلان دمشق" كإطار لبناء هذا التحالف الوطني كانت تدرك تماما هذه الحاجة ، وكانت تملك التجربة في هذا الشأن ، وكانت تعتقد أن أربعين عاما من الظلم العام ، والإقصاء لكافة القوى السياسية داخليا كفيلة بأن تدرك جميع القوى المدعوة للمشاركة في هذا الإطار ضرورته لها ، وضرورته للوطن ، وضرورته لمستقبل الحياة السياسية في سوريا .

وقد يكون من نافلة القول الإشارة إلى أن  بناء الإطار الحركي والفكري لإعلان دمشق قام على مبادرة وجهود عديدة يتقدمها بالتأكيد التجمع الوطني الديموقراطي، وهو التحالف الذي ولد في ظروف المواجهة بين السلطة والإخوان المسلمين أواخر السبعينات من القرن المنصرم ، وكان الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي ـ وهو التنظيم الناصري في هذه التجربة ـ  وبقي باستمرار القوة الرئيسية فيه .

وبسبب هذه الحقيقة أصبح الاتحاد الاشتراكي الناطق الرسمي باسم التجمع الوطني الديموقراطي منذ إنشائه ، واستمر الأمر كذلك بعد وفاة الدكتور جمال الأتاسي الأمين العام للإتحاد وتسلم الأستاذ حسن إسماعيل عبد العظيم موقع الأمين العام ، وحين بني إعلان دمشق كان طبيعيا أن يكون الأمين العام للإتحاد هو المتحدث باسم قوى إعلان دمشق [او بدا الأمر كذلك] ، وهو المعبر عن مواقف قوى إعلان دمشق.

إطلالة على مسيرة الإعلان

ما قدمناه لا يعدو أن يكون مدخلا للولوج إلى مسار قوى الإعلان من يوم انطلاقته، وحتى هذه المرحلة التي يبدو فيها أنه معرض إلى الانقسام والتشرذم ، وقبلها إلى الانحراف عن مساره الأصيل .

لقد أظهرت ملابسات الإعلان عن قيام "تجمع إعلان دمشق " ووثيقته الرئيسة أنه أنشئ على عجل ، أو لنقل أعلن عنه قبل أن تنضج ظروف الإعلان ، كانت هذه الحقيقة واضحة للجميع ، وعبرت عن نفسها في خلل المفاهيم والنواقص في الرؤية السياسية التي طبعت تلك الوثيقة ، وحينما سألنا ـ في حينها ـ  عن أسباب ذلك قيل لنا إنه كانت هناك إرادة في أن يولد هذا الإعلان قبل أن تعلن أول نتائج لعمليات التحقيق في اغتيال الحريري حتى لا يظن البعض أن هناك ارتباطا بين الأمرين ، فيساء حينئذ فهم دواعي هذه الخطوة ، ولم يكن التبرير كافيا أو مقبولا ، لكن المسعى المباشر لتدارك ذلك الخلل الفكري والسياسي أظهر لنا جدية الإحساس بما في الإعلان من خلل ، وأسر هذا التدارك عن صدور ملحق للوثيقة الرئيسية اعتبرت جزءا منها ، استدركت بعض ما كان فيها من نقص ، وقد جاءت مسودة هذا الملحق ـ التي لم تعتمد جميعها ـ نتاج حوار واسع داخل الاتحاد الاشتراكي وخارجه .وتضمنت هذه الإضافة ضوابط تحدد الرؤية لعلاقة وصلة سوريا بأمتها العربية ودينها الاسلامي ، وتحديد أكثر وضوحا لموقع سوريا التي نريد من الصراع المحتدم بالمنطقة والذي تقود الولايات المتحدة أحد طرفيه . ورؤية قوى الإعلان للمسألة الكردية والنظر إليها في إطار وحدة الجغرافيا السورية ، ووحدة انتماء سوريا لأمتها العربية ، وضرورة معالجة قضايا الأقليات في إطار الالتزام الديموقراطي وما أقرته الشرعية الدولية لهذه الأقليات ، وكل ذلك محاطا بسياج مسؤولية الأمة تجاه الأكراد باعتبارها جزءا منها تاريخا ودينا وقيما  ، وإن تمايزوا في مفردات ثقافية ، واعتبار هذه المشكلة جزءا من الإرث الاستعماري المتصل بتقسيم المنطقة العربية الاسلامية ، وبالتالي فالحل الجذري لهذه المشكلة يجب أن يكون في الإطار العربي والاسلامي ، ويجب أن يكون متآلفا مع مكونات هذا الإطار ومصالحه , واتجاهاته الاستراتيجية .

ورغم أن التعديل على الوثيقة الرئيسة لم يغط كل جوانب النقص فيها لكنه اعتبر كافيا كقاسم مشترك بين قوى الإعلان يمكن البناء عليه وتدعيمه بالعمل الوطني المشترك.

لكن التصريحات التي بدأت تصدر من هذا الطرف أو ذاك، والسلوك لهذه القوة أو تلك ، أشعرت المراقب أن تلك التعديلات لم تصدر تعبيرا عن إدراك قوى الإعلان بوجود نقص فيه، وإنما هي بشكل أو آخر جاءت إرضاء لموقف قيادة الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي ، وبالتالي كانت في حينها بمثابة ذر الرماد على العيون.

ثم جاء السلوك ليكشف أن العديد من قوى الإعلان لم تربط تحركها بما ورد في الإعلان من مواقف سياسية وفكرية ، وإنما ذهبت تعبر في ذلك السلوك عما تريد هي بغض النظر عما إذا كان ما تريد يتوافق أو يتعارض مع ما ثبته إعلان دمشق ، وكأن وثائق الإعلان الأولى والمضافة لم تكن أكثر من قاعدة ارتكاز لجر القوى الوطنية في سوريا إلى رؤاهم الخاصة .

وإذا كان إعلان جماعة الإخوان المسلمين ـ التي انضمت إلى إعلان دمشق منذ لحظه ولادته  ـ  التحالف مع عبد الحليم خدام مثل أكثر المواقف وضوحا وانحرافا عن منطوق إعلان دمشق ، فإنه لم يكن الموقف الوحيد ، لكن يجب الاعتراف أن هذه الخطوة التي أقدم عليها الإخوان أثرها شديد السلبية على حركة قوى الإعلان التي كانت قد بدأت بالتحرك ، ولاقت تجاوبا حقيقيا من الناس في سوريا، وصارت تعقد اللقاءات الموسعة ، وتطرح الأفكار الخلاقة لتفعيل حركة إعلان دمشق ، وبدأ الناس يخرجون من خوفهم وحذرهم العميق الذي صنعه إرهاب السلطة من جهة ، وضعف ثقتهم بقيادات المعارضة من جهة أخرى .

لقد كشف تحالف الإخوان مع خدام وإقامتهم "جبهة الخلاص الوطني"  ليس فقط أفق التغيير الذي تنشده "المعارضة", وإنما أيضا نموذجا من الانتهازية السياسية الرثة التي لا تدرك ، ولا تقدر وزن الحصان الذي تراهن عليه ، وكانت النتيجة المباشرة لهذا الوضع على المعارضة في سوريا ـ التي أعلنت براءتها من هذا التحالف فورا ـ أن انكمشت حركة الناس من حول قوى إعلان دمشق وعادت هذه القوى تسبح لوحدها ، فظهرت ضعيفة القوة ، ضعيفة التأثير ، ضعيفة الرؤيا ، على الرغم من أن المتحدث باسم الإعلان الأستاذ حسن عبد العظيم أدان هذا التحالف الجديد  وأعلن ومن اللحظة الأولى أن ما قام به الإخوان المسلمون لا يمثل موقف قوى  دمشق .

ولقد كان يمكن أن يصحح هذا الخلل ، وأن يستعيد إعلان دمشق ثقة الناس تدريجيا لو أن المواقف والتحركات اللاحقة لقواه أكدت الموقف المعلن من تلك الخطوة، وعززت المفاهيم والقيم التي طرحتها وثائق الإعلان ، لكن ما حدث كان عكس ذلك فلم تعلن قوى إعلان دمشق أي موقف حاسم من وجود الإخوان المسلمين داخل إعلان دمشق ـ لم تفصل ، لم تجمد ، وبقى الأمر محصورا بالنقد فقط ـ وجاءت التحركات والسلوك اللاحق لبعض قوى الإعلان وشخصياته ،لتظهر أن المسالة بين جبهة الخلاص الوطني ، وبين قوى إعلان دمشق وكأنها توزيع أدوار ليس أكثر ،  ولم يكن هذا حقيقيا ، على الأقل بالنسبة لقوى رئيسية في الإعلان ، وبالنسبة للمتحدث باسم الإعلان الأستاذ حسن إسماعيل عبد العظيم، ولم يكن هذا صحيحا على الإطلاق بالنسبة للإتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي.

 وعلى منوال هذا الخلل وتأكيدا له جاءت مسألة توقيع عدد من شخصيات ووجوه إعلان دمشق على إعلان دمشق ـ  بيروت والخاص بالعلاقة والموقف بين سوريا ولبنان ، وقد تبين لاحقا أن تمرير هذا البيان للتوقيع عليه حمل صفة التوريط لبعض الشخصيات التي لم تقرأ الإعلان مكتفية بالثقة فيمن عرضه عليها . كذلك جاءت زيارة وجوه من المعارضة للسفارة الأمريكية في دمشق بمناسبة عيد الاستقلال ، وكانت هذه الزيارة بمثابة اللطمة على وجوه الذين أكدوا دائما أن لإعلان دمشق موقف واضح من الولايات المتحدة وسياساتها في المنطقة لا يقل في وضوحه عن الموقف من النظام القائم .

 ثم جاء الاعلان عن إنشاء "أمانة مكتب بيروت لإعلان دمشق" وإعلان النائب السوري السابق مأمون الحمصي نفسه مسؤولا عنه ليكشف أن الخلافات ليس متوقفة عند حدود الرأي والتصريح وإنما هناك تحركات على الأرض وخطوات عملية تمضي من وراء ظهر قيادة اعلان دمشق أو بالتجاوز عنها خصوصا وأن الناطق باسم الإعلان الأستاذ حسن أكد تعليقا على افتتاح هذا المكتب أنه لا يمثل إعلان دمشق ، ولم يأت بطلب من قيادته ، وأن قيادة إعلان دمشق لا صلة لها به ، وتوالت مواقف أطراف من إعلان دمشق قبل هذا وبعده لتصب كلها في هذا المسار ، وتغطي مساحة واسعة من العراق ومشاريع تقسيمه الى فلسطين وما يحدث بها وآخرها مؤتمر انابولس ، إلى ألنظرة لتحالفات والانقسامات العربية.

 باختصار صار واضحا أن هناك داخل قوى إعلان دمشق تيارين :

**أحدهما : لا يرى في الاعلان غير تجميع لقوى المعارضة السورية في اتجاه جذبها للخارج ومراهناته ، وليس معنيا بقليل أو كثير ما إذا كان المآل نموذجا سوريا كمنوذج العراق الراهن ، بل إن بعضها على ما يبدو يعتبر نموذج العراق الراهن ، أفضل وأكثر ايجابيا من الوضع السوري الراهن حيث الاستبداد والفساد والانقسام الوطني ، وهو في هذا يذهب الى حدود التحالف مع الشيطان لتحقيق نظرته ، دون أي ضوابط لا وطنية ولا دينية ولا قومية ، بل إنه يعتبر هذه الضوابط هرطقات ما عاد لها قيمة أو معنى في عالم اليوم " عالم العولمة الجديد"

** والآخر : يرى أن اعلان دمشق هو التزام وطني بثوابت الأمة ومشروع لمعالجة الوضع السوري الراهن حيث الاستبداد والفساد والانقسام الوطني بجهد وطني حقيقي، يرى طبيعة هذا النظام القائم، ويرى المخاطر المحيطة بالوطن، ويتمسك بالتغيير الوطني الديموقراطي فلا ينزلق لمغريات الاستعانة بأي شيء ـ قوى أو جهات داخلية أو خارجية ـ يتعارض من خيار التغيير الديموقراطي الوطني .

إن هذا التيار لا يقبل فكرة الوصول الى هدف تغيير النظام بأي ثمن، ولا يقبل بأي تغيير، وليس على استعداد للتضحية بالمواقف المبدئية  والمميزة له، من أجل مكاسب مرحلية موهومة .

 كان هذا الانقسام واضحا، وكنت من بين من كانوا يراجعون قيادة الاتحاد الاشتراكي منبهين الى خطورة هذا الانقسام ، والى استحالة استمراره ، والى ضرورة معالجته ، وكان جواب الأخوة والأصدقاء في القيادة دائما ينبع من الحرص على تجميع القوى ، والرغبة في إعطاء كل الفرص لمعالجة هذا الوضع في إطار هذا الحرص ،والأمل في إمكانية تحقيق ذلك.

المجلس الوطني لإعلان دمشق

كان العمل لعقد المجلس الوطني لإعلان دمشق يستهدف أصلا تفعيل حركة قوى الاعلان، ووضع خطة للتغيير الديموقراطي، لكن يبدو أن الانقسام الذي تحدثنا عنه طبع هذا الاجتماع بطابعه،بل إن الاجتماع شهد ما هو أنكى من ذلك ، شهد تكتلات ومناورات لا تليق بعمل سياسي خلاق يتطلع لمواجهة فساد واستبداد وانقسام وطني، وتدلل الرسالة التي بعثت بها السيدة "ندى الخش" معلنة تجميد عضويتها في مختلف هيئات الاعلان   ليؤكد ما ذهبنا إليه ومن المفيد أن نقف عند بعض ما جاء فيها :

"أن مجمل التطورات التي سبقت انعقاد المجلس الوطني و واكبته وتلته أبرزت لي روح الصراع و تصفية الحسابات و بكل صراحة أحسست أن ثمة محاولة لاستخدام وجودي و استمراري في مكتب الأمانة العامة كورقة لمحاربة حزبي (حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي) وهذا ما لا أرضى عنه و لا اقبل به مهما كان الثمن "

ولقد جاء إبعاد الاتحاد الاشتراكي عن هيئات الاعلان بمثابة إعلان عن انتصار تيار على آخر في اعلان دمشق ، أو لنقل بمثابة اعلان عن تمكن تيار من خطف هذا التحالف الوطني وأخذه بعيدا عن خيارات الوطنية، والتزاماته الحركية والأخلاقية.

 القضية هنا ليست قضية ديموقراطية وانتخاب وأصوات حصل عليها هذا الطرف ولم يحصل عليها الطرف الآخر ، فالعمل الجبهوي لم يرتبط يوما ، ولا يمكن أن يرتبط بمبدأ التصويت ، والأغلبية والأقلية ، ولو كان هذا المبدأ معمولا به ، لما وصل إلا القليل الى مواقعهم في هيئات اعلان دمشق ، أو هيئات التجمع الوطني الديموقراطي ولكان الاتحاد الاشتراكي من خلال ممثليه استأثر بهذه المؤسسات كلها أو جلها ، ولقاد تحالفات وتكتلات استطاع من خلالها أن يبعد من أراد ، وأن يقرب من أراد ، لكن هذا ليس من طبيعة أو سمات العمل الجبهوي ، الذي لا يقوم إلا على مبدأ التوافق بغض النظر عن حجم التمثيل، وحجم التأثير، وعدد الأصوات  .

إن قواعد العمل الجبهوي لا تسمح بمثل هذه الممارسات ولا تقبلها ، وحينما يتم اللجوء إليها فإن القصد الحقيقي لا يكون في تغيير هذا الوجه القيادي أو ذاك وإنما تغيير الاتجاه ، وتغيير الخيارات العملية والفكرية والسياسية ، أي إحداث انقلاب فعلي، ولقد رأينا مثل هذا يحدث في لبنان ، حينما عزمت قوى " الأغلبية "على تغيير المسار الذي كان قد بني عليه التحالف الرباعي ، وتبنى مسار مخالف ومضاد كلية .

بالتأكيد ليس شرطا أن يكون المتحدث باسم العمل الجبهوي هو ممثل القوة الأكبر فيه،  لكن بالتأكيد يجب أن يكون الأكثر تعبيرا عن هذا العمل الجبهوي ، والأكثر قدرة على التحرر من التزامه الحزبي الى التزامه الجبهوي، فلا يأخذ العمل الجبهوي الى ثوب الحزب الضيق وإنما يكون في كل ما يقوله ويفعله ، ويجسده تعبيرا على القيم والمواقف المشتركة لقوى هذا الائتلاف. ولعله من نافلة القول الإشارة الى ضرورة أن يكون كذلك بشخصه وتاريخه وانتمائه الأصيل قادرا على تجسيد مثال يثق به الناس عموما، ويتطلعون الى الالتفاف حوله.

من هنا فليس هناك مشكلة في اختيار أي شخص لتمثيل التكتل الجبهوي أو ليكون المتحدث باسمه ، ما دام قد توفرت فيه هذه الصفات ، وما دام قد تم اختياره وفق أسس العمل الجبهوي ، أي بالتوافق ، وعند هذه النقطة بالذات فليس هناك ما يمنع أن تكون السيدة فداء حوراني رئيسة للمجلس الوطني ، أو ناطقة باسمه ، إذا ما تم التوافق عليها، وإذا ما تحققت فيها الشروط المشار إليها، وبهذه المناسبة فقد اطلعت من خلال مواقع على الانترنيت على تصريح للدكتورة فداء بعيد اختيارها لهذه المسؤولية، ذهب في غير هذا الاتجاه ، فقد اعتبرت في هذا التصريح  أن اختيارها لهذا الموقع هو بمثابة المصادقة على الخط الذي كان ينتهجه والدها أكرم الحوراني "رحمه الله". ولست هنا بصدد عرض أو نقد ذلك الخط الذي ميز ممارسة الزعيم الحوراني وعُرف به ، كذلك لست بصدد تناول قناعة الدكتورة فداء بما تعتقد وتقول تجاه والدها، فالتزامها السياسي تجاهه والتزامها الإنساني، قد يوصلها الى هذه النتيجة وهذا حقها، لكن ما يستأهل التوقف هو الإفصاح عن ذلك واعتبار اختيار المؤتمرين لها هو اختيار لنهج والدها، فهذا أمر ـ إن صحت نسبته إليها ـ يطعن في قدرتها على الارتقاء  بمواقفها وتصريحاتها لتكون ممثلة لقوى هذا التحالف ، خصوصا وهي تعلم تماما أن في هذا التحالف من يقف على النقيض من مواقف والدها .

 إن ما يصدق على هذا المثل ـ الذي أشك في نسبته الى الدكتورة فداء ـ يصدق على أي شخص آخر ناصري ، أو ماركسي ، أو إسلامي ، حين يعتبر اختياره لتمثيل مجموعة متآلفة يحمل معنى إعادة الاعتبار الى مرحلة تاريخية سابقة أو خيارات تاريخية سابقة ، ولو كان الأمر كذلك لاستحال ـ مثلا ـ  اختيار المنسق العام للمؤتمر القومي الاسلامي

المراجعة المطلوبة

 الآن وقد حدث ما حدث ، ووضع تجمع اعلان دمشق على هذا المسار المغاير ،فما هو المطلوب وما هو الممكن . السؤال هنا يخص الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي، والقوى التي تتحالف مع هذا الاتحاد ، وترى في تاريخه ، ومواقفه ، وشخوصه ما يدفعها لتعزيز تحالفها معه .

إن أي موقف ، أو عملية مراجعة يجب أن تتحقق من خلال رؤية سياسية للراهن وللمستقبل ، للنفس وللقوى الأخرى الحليفة والقريبة والبعيد ، للمهام الوطنية التي كانت الدافع لبناء تجمع اعلان دمشق ، وللبيئة السياسية الداخلية والإقليمية التي تحيط بالوطن كله .

ولعل ما حدث يكون فرصة لإجراء مراجعة جذرية تصحح ما اختل في المرحلة السابقة، وتحرر الفكر والحركة من أوهام ورغائب لم يعد بالامكان التطلع إليها والعمل من أجل بلوغها ،وتمهد الطريق لتحركات فاعلة ومجدية تحقق تراكم وطني حقيقي .

1ـ إن أول مدخل صحيح للمراجعة لابد أن يبدأ في النظر الى الخيارات السياسية ، وهنا من المهم التأكيد على صحة ما ورد في اعلان دمشق وملحقاته ، والعمل على استعادة مسودة ذلك الملحق وجعلها جزءا من الالتزام العام، إذ كان قد تم اعتماد جزءا منها فقط رغبة في جمع أوسع طيف وطني ، وقد كانت هذه الرغبة موهومة .

إن المجتمع السوري مجتمع عربي ومجتمع مسلم، الأقليات العرقية فيه غنى لعروبته والتنوع الديني فيه غنى لإسلاميته ، المسلم فيه حام لحقوق المسيحي ومتطلباته الدينية، ولشخصية الكردي واحتياجاته الثقافية، والمسيحي فيه مسلم حضارة وثقافة ، والكردي فيه تتربع العروبة في قلبه بقدر ما يتربع الاسلام. وكل مشكلات المجتمع التي نجمت تاريخيا عن الظلم والقهر والفساد تعالج في إطار هذا المفهوم الوطني الواسع ، وتعالج دون خشية ودون حساسية ، والى ابعد مدى ممكن لكن دائما في إطار هذا الفهم الشامل 

الديموقراطية فيه فريضة يعمل لأجلها الجميع، والعدل داخله ضرورة لا يقوم بناء وطني متماسك على خلافه، والتحالفات والتحركات كلها يجب أن تصب في اتجاه إزالة كل القوانين والبنى والأنظمة التي تحول دون العمل الديموقراطي، وحرية العمل السياسي، ودون تحقيق العدل ودون محاربة الفساد ، ودون أن يعود أمر الناس الى الناس ،

الالتزام تجاه فلسطين ، التزام تجاه النفس ، وتجاه المكون التاريخي والمستقبلي للوطن الصغير والكبير  ، لا منة فيه ، ولا حساب للأرباح والخسائر إلا حسابا يعزز هذا الالتزام، والالتزام تجاه فلسطين التزام تجاه الأرض وتجاه الشعب وتجاه المقدسات، وهو التزام لا يتجزأ ،ولا ينفصل بعضه عن بعض.

والإيمان بوحدة الأمة ، إيمان بوجودها وبشخصيتها، وإيمان بدينها حضاريا أو عقديا، إيمان لا يُختلف حوله ، ولا صلة حقيقة له بطبيعة النظام المرجو ، ولا بأسلوب تحقيق هذه الوحدة ، حتى ولا بفرص تحققها ،

2 ـ ويجب الاعتراف أن الخلل الذي تكشف في اجتماع المجلس الوطني لإعلان دمشق  ليس هو الأساس، وإنما منبع الخلل في بنية ورؤية قوى "التجمع الوطني الديموقراطي"وفي سلوك وممارسة بعض من هذه القوى، وإذا كانت المراجعة جادة فيجب أن تبدأ من هنا، من هذا البناء الجبهوي، الذي كان عماد إقامة "إعلان دمشق".

ولحزب الإتحاد الاشتراكي العربي تاريخ ممتد في التجمع ، وأعتقد أن كل قوى التجمع تدرك مكانة الاتحاد فيه ، ولو أن قوى التجمع كانت محكومة برؤية واحدة داخل "اعلان دمشق " لما استطاعت أن قوة أو تحالف قوة أن تخطف هذا التحالف الوطني الى خارج إطاره الذي أنشئ من أجله .

ويجب الاعتراف أن التوجه الرئيس في التعامل داخل التجمع الوطني الديموقراطي والذي كان يبتغي الوصول الى بناء تنظيمي موحد ، أو قريب من الموحد ، وهو هدف كان يراود الدكتور جمال الأتاسي رحمه الله ، ما عاد ممكنا، والأصح أن نقول ما كان ممكنا، ونستطيع النظر ـ كمثال ـ الى التحولات التي أصابت حزب الشعب الديموقراطي " الحزب الشيوعي ـ المكتب السياسي سابقا " للوصول الى القناعة بصحة استحالة هذا التوجه ، 

إن كل حديث عن مؤتمر موحد لأحزاب وقوى التجمع هو خارج الممكن ، وهو وهم لا يجوز إضاعة الوقت جريا وراءه.وإذا كان هذا صحيحا بالنسبة الى التجمع فإنه أكثر صحة ويقينا بالنسبة لقوى اعلان دمشق .

لقد استطاع حزب الاتحاد أن يسهم مساهمة ريادية في بناء التجمع في وقت ومرحلة من أصعب المراحل التي مرت بها سوريا ، واستطاع من خلال هذا التجمع أن يحفظ خطا وطنيا في سوريا بعيدا عن الاستبداد والطائفية والصراع الدموي الذي كان يمزق اللحمة الوطنية ، ومن حق حزب الاتحاد أن يتمسك الى أقصى حد بهذا الإنجاز وقد رعاه رعاية خاصة على مدى ثلاثة عقود ، وما نطلبه هنا لا يعني أبدا التخلي عن هذا الإنجاز وإنما إعادة تقويم مسيرته ، ليكون أكثر كفاءة وتخليصه من عوائقه الذاتية، ومن أهداف تنظيمية لها لم تكن سوى رغائب وأماني،

3 ـ إن تصحيح هذا الوضع في إطار التجمع الوطني سوف يسمح بوقفة حاسمة في إطار اعلان دمشق ، وقفة تكشف حقيقة ما حدث ، وتحرره من وهم الاعتقاد انه نتيجة خلاف على مواقع ومناصب ، وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم .

إن تجمع اعلان دمشق ، يذهب بعيدا عن الأهداف التي قام من أجلها ، وهذا غير جائز، ولا يمكن السماح باستمراره ، وإذا كان هناك من قوى الاعلان من يريد أن يذهب في هذا الاتجاه فليذهب لوحده ، أو ليذهب مع من يشاء ، لكن ليس باسم تجمع اعلان دمشق ، وليس باسم المعارضة الوطنية في سوريا ،

ليس مطلوبا من قيادة الاتحاد الاشتراكي وقوى التجمع الوطني المتوافقة معها أن تجمد وجودها ضمن اعلان دمشق ولا أن تنسحب منه ، وإنما أن تدعو وتعمل لإعادة بناء هذا التجمع على القواعد الأولى التي أقيم عليها وللأهداف الأصيلة التي أعتمدها منذ لحظة انطلاقه، مع تعزيز تلك القواعد والأهداف التي تم تمييع بعضها بفعل وجود هذه القوة أو تلك، إن القيمة الحقيقة لما كشفت عنه ولادة "المجلس الوطني للإعلان"  هو وجود قوى تلاعبت بمسار هذا الائتلاف الوطني وخطفته بعيدا ، وهو أمر غير شرعي ، ولا يجوز قبول استمراره،إن ما حدث في اجتماع المجلس الوطني للإعلان يجب أن يكون مناسبة لإعادة النظر ومراجعة كل الخطوات والإجراءات والتحالفات  التي تم اتخاذها من جانب هذه القوة أو تلك وإلغاءها ، أو تصويبها، أو فصل والتبرؤ من القائمين بها . إن المراجعة المطلوبة والتي حان وقتها يجب أن تضع جميع القوى والشخصيات أمام خيار العمل ضمن إعلان دمشق ، أو ضمن جبهة الخلاص الوطني، وخيار العمل ضمن أطر العمل الوطني التي يولدها اعلان دمشق بعد إجراء المراجعة عليه أو ضمن مكاتب وهيئات خارجية ، فالموضعين ليسا مكملين لبعضهما البعض ، وليسا وجهين لعملة واحدة ،إنهما خيارين متناقضين فكرا ، ورؤية ، وأسلوبا .  

4 ـ بعض قوى اعلان دمشق تعتقد أن تغيير النظام في سوريا أمر وشيك ، وبعضها يعتقد خلاف ذلك ، وليس مهما صحة أي من الاعتقادين ، إنما المهم من وجهة النظر الوطنية أن يأتي التغيير صحيحا وديموقراطيا ومن خلال القوى الشعبية ، فهذا وحده الذي يحفظ الأمن الاجتماعي ويضع سوريا على طريق البناء، والاتحاد الاشتراكي والقوى المتحالفة معه يجب أن يتمسك بهذه الرؤية مهما تعرض لضغوط ، أو لإغراءات ، إن هذا هو الطريق الوحيد الصحيح للتغيير. ولو أنه اعتمد بدقة منذ اللحظة الأولى في بناء اعلان دمشق لما وجد العمل الوطني في سوريا نفسه في هذا المأزق ، إن الذين يراهنون على الخارج الدولي أو الإقليمي يراهنون على حصان خاسر، والذين يراهنون على قوى فساد واستبداد وطائفية انشقت عن النظام لأسباب خاصة بها يراهنون على حصان فاسد.

 إننا ندعو جميع قوى اعلان دمشق التي تتخذ الموقف الصحيح أو التي عملت على خطف هذا الائتلاف الوطني الى النظر في المتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة لتتأكد بؤس خيار من يراهن على الخارج، أو على المحيط الإقليمي في تحقيق تغيير داخلي،

 5 ـ تدل مؤشرات عديدة على أن قيادة الاتحاد وضعت خلال السنوات الأخيرة جل وقتها وجهدها من أجل العمل الوطني العام، ومن اجل تفعيل هذا العمل، وبعيدا عن تقييم ثمار ذلك ، ومع التوكيد على أن الشأن الوطني يحتاج لكل جهد ، ويستأهل كل جهد ،  فإن كثيرون يعتقدون أن هذا كان على حساب العمل التنظيمي داخل حزب الاتحاد، وعلى حساب الاهتمام بشأن التيار الناصري، وعلى حساب إجراء المراجعات الفكرية الضرورية ، وصوغ الرؤى المتكاملة للمتغيرات الإقليمية والدولية ذات الأبعاد الفكرية القاطعة،وقد آن الأوان لاستعادة التوازن في النظر الى مختلف المهام التنظيمية، وإعطاء الشأن الداخلي بأبعاده المختلفة الاهتمام الواجب ، مع اليقين أن كل جهد يبذل في هذا الشأن سيدعم مباشرة أو بطريق غير مباشر جهود بناء العمل الوطني.بل إن من شان إنجاز هذه المهام أن يساعد في دعم وفي تصويب المراجعات التي تجريها قوى وطنية أخرى 

    وأخيرا 

قال المكتب السياسي لحزب الإتحاد الاشتراكي الذي قرر تجميد تمثيل التنظيم في هيئات اعلان دمشق أن الموقف النهائي سيقرره اجتماع استثنائي للجنة المركزية ، ولا شك أن ، ولا أريد أن أقحم نفسي في توقع ما سيتخذ ، لكني أتطلع الى قرار هادئ وحاسم واستراتيجي يعيد التوازن للعمل الوطني على مستوييه : التجمع ، وإعلان دمشق ، ويعيد الفاعلية لوجود ودور حزب الاتحاد ، ويعزز الوجه الذي عرف به الناصريون من كونهم قادرون على الإمساك بالموقف الصحيح في أقسى اللحظات وأكثرها حرجا.

 

(2)

إعلان دمشق : تصحيح المسار، تصحيح الخلل 

 

أما وقد أصدرت اللجنة المركزية لحزب الإتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي قرارها بتجميد نشاطها في إعلان دمشق ، والدعوة إلى تصحيح الخلل الذي اعترى هذا الوليد المعارض وذلك عبر إعلان مبادئ يوضح الأصول التي قام عليها هذا التجمع الوطني ، ويعيد النظر في آليات التحرك فيه ، فقد أصبح من المفيد ، ومن الواجب تسليط الضوء على مجمل هذا البناء وعلى مسيرته ، حتى إذا أمكن تصحيح ذلك ، تكون العربة قد وضعت في المكان الصحيح من الحصان ، وصار ممكنا ومجديا أن تنطلق إلى هدفها .

وحتى يكون الأمر واضحا فإن هذا الحديث لا ينطلق من قناعة بإمكانية تحقق هذا التصحيح  والتقويم ، وإنما من أمل في أن يحدث هذا ، ومن مسؤولية يشعر التيار القومي عموما والناصري خصوصا أنها مسؤوليته قبل أي قوة أخرى أو حزب و جهة أخرى .

إن السير في طريق التغيير الوطني الديموقراطي لإخراج سوريا مما هي فيه من استبداد وفساد وتفتت وطني ، هو نهج اعتمده التيار الناصري منذ أمد بعيد ، اعتمده لنفسه أولا ثم بدأ يجمع عليه من القوى السياسية السورية من رأى أنه يحمل الأهلية لذلك فكانت ولادة التجمع الوطني الديموقراطي قبل ثلاثة عقود ، ثم كان السعي لولادة تجمع وطني أوسع يضع القوى الداعية للتغيير في سوريا في إطار واحد ، ومن خلال منهج واحد ، وكانت نتيجة ذلك ولادة إعلان دمشق .

إن هذا النهج الذي سلكه الناصريون لم يكن يعني في أي لحظه من اللحظات تراجع عما يؤمنون به أو يلتزمونه من مبادئ وقيم قومية ووطنية ودينية وأخلاقية، وإنما عنى بدقة أن الوضع الوطني الداخلي وصل إلى درجة من العطالة لم تعد أي قوة فيه قادرة لوحدها على إعادته إلى الطريق الصحيح ، أو إلى تصحيح أو تغيير ما آلت إليه الأمور ، وأن السبيل الوحيد كامن في إيجاد آلية عمل وإطار يجمع كل القوى الوطنية لتحقيق هذا  الهدف، خصوصا وقد ظهر واضحا أن الآمال التي عقدت على إمكانية دخول قوى النظام في عملية التغيير إدراكا منها بخطورة حالة العطالة الوطنية الداخلية ، وإدراكا منها بالتغيرات الإقليمية والدولية ، وبالمخاطر التي باتت تحيط بهذا الوطن مهددة وجوده وتماسكه الوطني ، هذه الآمال تبددت سريعا ، وظهر بأسرع مما كان البعض يتوقعه أنها بنيت على غير قواعد وأنها قامت على أماني أكثر مما استندت على تحليل موضوعي لبنية النظام ، والقوى المتحكمة فيه ، وآليات تماسكه .

لقد جاءت ولادة إعلان دمشق في هذا الإطار ، ولهذا الغرض ، لكن مسيرة امتدت لأكثر من  سنتين قدمت دليلا واضحا لا يقبل الشك أن قوى  دخلت في إطار هذا الإعلان لم يكن هذا إيمانها ، ولم يكن هذا دافعها ، ولم تكن هذه أهدافها ، ولم يظهر هذا الوضع فجأة، وإنما دلت عليه تراكم المواقف عبر هذه المسيرة، وهي مواقف كان البعض يفسرها بأنها مواقف شخصية ، وانحرافات جزئية ، وأنها لا تلزم ولا تعبر عن مسيرة قوى الإعلان ولا خياراتها ، لكن هذا التفسير كان في حقيقة الأمر تفسيرا ساذجا ، وكان دافعه الرغبة في استمرار تماسك القوى داخل الإعلان باعتبار هذا الذي تحقق داخل الإعلان إنجازا غير مسبوق لا يجوز التفريط به .

وجاءت  ملابسات انعقاد المجلس الوطني وما جرى فيه لتقدم دليلا قاطعا على نهج التكتل ، والتآمر ، والإقصاء، الذي اختارته قوى عديدة في حركتها داخل الإعلان ، واعتبره آخرون سبيلا لإبعاد الاتحاد الاشتراكي عن مراكز القرار والقيادة فيه ، منطلقين من أن  وجوده في هذه المواقع خلال الفترة السابقة عطل وشوش على  خطوات ومواقف كانوا يريدونها لهذا التجمع ، وبالتالي فإن ما حدث في المجلس الوطني اعتبره هؤلاء انتصارا ، وإنجازا تخلصوا بنتيجته من قوة معطلة .

وكانت مصادر أمريكية قد عبرت من سابق عن هذه النظرة معتبرة أن هذا الإطار الوطني للمعارضة يضم في داخله اتجاهين رئيسيين : اتجاه يتوافق والرؤية الأمريكية للمنطقة ولسوريا ، واتجاه آخر ما زال يعتبر الولايات المتحدة عدوة ، ويعتبر خططها وبرامجها ، وسياساتها معادية للأمة ولمصيرها .وقد طالبت هذه منذ حين بدعم التيار الليبرالي وتعزيز مكانته في مواجهة التيار الآخر , حتى يمكن لتجمع إعلان دمشق أن يسير باتجاه أهدافه، أي باتجاه الأهداف التي تراها واشنطن وترضى عنها .

 

إن هؤلاء بما فعلوه في المجلس الوطني قدموا خدمة جليلة للنظام لا تقدر بثمن :

** فهم في إبعادهم التيار القومي عن بنية إعلان دمشق أفقدوا هذه البنية سمة احتوائها على مختلف أطياف القوى الوطنية ، وأصبحت القوى المنضوية في إطار الإعلان مفتقدة للتيار القومي، وهو التيار الرئيسي في الحياة السياسية السورية إلى جانب التيار السياسي الإسلامي ، أي أن السمة الوطنية الجامعة التي كانت للإعلان قد افتقدت .

** وهم في إخراجهم التيار القومي من مراكز القيادة والقرار في الإعلان قد أعطوا منطق  النظام ، وموقفه من إعلان دمشق مصداقية ما كان يستأهلها ، فقد أصبح واضحا أن قوى الإعلان تضع نفسها في مسار مختلف عن مسار انطلاقها وتيهيء نفسها للاندماج في إطار الرؤية الأمريكية للمنطقة ، أي أن ما كان يعتبره التيار القومي  في المرحلة الماضية تصرفات شخصية لهذا القيادي أو ذلك تجاه الولايات المتحدة سيصبح الآن سلوكا معتمدا من قوى إعلان دمشق ، وهذه تهمة كانت السلطة تتمنى أن تعممها على قوى الإعلان لكنها لم تكن قادرة على ذلك .

حديث عن الثوابت

 

حان الوقت الآن لوقفة يصحح فيها المسار أو يفترق فيها الناس ، ولأن ما تم في المجلس الوطني وقبله وبعده  جوهري، ومعياري ، فإنه يحتاج إلى وقفة على هذا المستوى ، وبداية هذه الوقفة لابد أن تكون في الحديث عن الثوابت ، أو لنقل عن الأسس التي لابد أن تكون حاضرة في بناء أي تحالف وطني ، وهي بالتأكيد كانت حاضرة في الجهود التي أثمرت ولادة إعلان دمشق لكنها لم تظهر فيه على النحو اللازم ، أو بالوضوح الكافي لذلك استدعت في حينها صدور إضافات وتوضيحات على الإعلان اعتبرت  أو قيل أنها اعتبرت في حينه جزءا منه . ثم بدأت تدريجيا تغيب عنه بفعل مواقف وتصريحات ومبادرات صدرت عن جهات عملت تحت راية إعلان دمشق وتحدثت في أحيان مختلفة باسمه.

1ـ أولى هذه الثوابت  أننا نتحدث عن سوريا، أي أننا نتحدث عن بلد هو جزء من أمة، وبالتالي فإن أي تحالف وطني يجب أن يقوم على قاعدة الاعتراف بهوية هذا البلد ، وبانتمائه العام لأمته، أي بركني الهوية : الإسلام والعروبة .

نحن هنا لا نتحدث عن نظام اجتماعي نتطلع نحن للوصول إليه  ، ولا نتحدث عن حركة أو أسلوب تحقيق وحدة هذه الأمة ، ولا نتحدث عن خيارات تجاه هذا الانتماء القومي ، ولا نتحدث عن الفهم والتجسيد الحضاري أو الديني للإسلام ولكنا نتحدث عن هذا الانتماء  باعتباره مجسد لهوية الأمة .

إن أي تحالف وطني لابد أن ينطلق من توكيد وتثبيت هذه الهوية ، لأن تثبيتها  هو أحد شروط إضفاء صفة الوطنية عليه، إن هذه الهوية يجب أن تكون واضحة للجميع، وقد يعتبر البعض أن هذا التوكيد موجه أو مطالبة به  القوى الكردية فقط ، لكنه في الحقيقة موجه إلى عموم القوى التي شكلت إعلان دمشق أو المدعوة له ، ذلك أن هوية الشعب والأمة ليست موضع مساومة، وليست مما يمكن تجاوزه أو نسيانه،أو الالتباس فيه  لأي سبب من الأسباب ،

إن من خصائص التزام هوية هذا الشعب هو تحديد وتوضيح نطاق حل المشكلات الداخلية ، أي أن أي حل يمكن أن يطرح لهذه المشكلات في نطاق القوى المؤتلفة بالإعلان يجب أن يعزز هذا الالتزام .بل إن التوكيد على هذه الهوية يعني بوضوح أن حل المشكلات الخاصة بالأقليات العرقية والدينية " إن جازت هذه العبارة " لا يمكن أن يكون حقيقيا إلا في إطار هذه الهوية ، وإلا تحول هذا الحل إلى مدخل لتفتيت هذا البلد ، ولخلق مشكلة قد تكون أكثر عمقا وأثرا من تلك التي سعت الأطراف لحلها متجاوزة هذه الهوية أو على حسابها .وإذا كان يسهل ضرب المثل بالمشكلة الكردية ، فإن حل هذه المشكلة في إطارها السوري والإقليمي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إدراك عميق لعنصري الهوية : الإسلام والعروبة .ودون ذلك فإن أي حل سوف يحمل في طياته سمة العداء والاستعداء للمحيط العربي والمسلم ، وهذا أمر خطر على الجميع والى أقصى الحدود .

نحن ندرك تماما مسؤولية النظام القائم تجاه الخلل الفاضح في بنية الوحدة الوطنية لسوريا ، لكن ليس من شأن هذا الإدراك أن يجعلنا نهمل هذا الأمر بل على العكس تماما ، فإنه يجعلنا نتمسك به أكثر ونستشعر أكثر خطورة غيابه أو الإخلال به .

  2ـ وثاني هذه الثوابت ، ضرورة إدراك المخاطر الخارجية التي تحيط بسوريا في هذه المرحلة ، إن إدراك هذه المخاطر جزء من مؤهلات اللقاء الوطني ، وفي مقدمة هذه المخاطر ما هو آت من طبيعة الكيان الصهيوني ، ومن السياسة الأمريكية في المنطقة ، نحن ندرك أننا لا نتحدث اليوم في ظل نظام دولي ثنائي القطبية ، ولا متعدد الأقطاب وإنما في ظل نظام دولي غاشم وأحادي القطبية ، وقد دفع بقواته لاحتلال بلد عربي مجاور لسوريا ، وأطلق العنان للنظام الصهيوني في تدمير الشعب الفلسطيني وبناه الاجتماعية ومؤسساته الوطنية ، وفي تدمير لبنان ، ووضع في استراتيجيته السيطرة على سوريا وفق منهجه هو ، أي على قاعدة تفكيك هذا البلد وإعادة تجميعه على أسس عرقية وطائفية .

إن إدراك هذه المخاطر الخارجية من الأهمية بمكان ليس فقط في بناء التحالف الوطني، وإنما في الحكم على أهلية القوى التي تبنيه ، لقد رأينا في العراق قوى رضيت لنفسها القدوم مع الغازي ، والاستقواء به بدعوى التخلص من نظام ديكتاتوري ، ولم تكن هذه القوى في المعيار الحقيقي قوى وطنية ساعية للتخلص من حكم ديكتاتوري مستبد وإنما قوى مدمرة للوطن ، وعميلة للاحتلال ، وظهر أنها فاسدة ومستبدة بأكثر مما كان يوصف به النظام السابق ، بل إن كل ذي نظر وضمير وطني لا يستطيع إجراء مقارنة بين ذلك النظام المستبد ، وبين استبداد ولصوصية هذه القوى التي يضاف إلى صفاتها هذه أنها قوى عميلة .

إن واشنطن في ظل هذه السياسة التي تعتمدها ليست أهلا للصداقة ، وليست أهلا للمصداقية في أي تصرف أو شأن تعلنه ، نحن نعلم تماما أن الولايات المتحدة دوله عظمى ، بل هي الدولة الأعظم ، وليس من رغبتنا ككل شعوب الأرض أن نعاديها أو ندير الظهر لها ، لكن الأمر هنا لا يتوقف على ما نريد نحن ، وإنما على ما تقوم به هي، إن في واشنطن إدارة أدمنت الكذب ، واتخذته نهجا لها ، واعتبرت القوة الغاشمة التي تملكها مسوغا لها في اتخاذ هذا السبيل ، وهي تعمل على إكراه المنظمات الدولية على التصديق على ما تريد، ومسيرة الإدارة الراهنة تؤكد لنا أنها لم تمد يدها إلا إلى العملاء ، بل إنها في أماكن كثيرة لم تأمن العملاء فراحت تفرز من عندها مواطنين أمريكيين أصولهم من الدول التي تبغي السيطرة عليها ليديروا لها مقدرات هذه البلاد ، كذلك رأينا بأم أعيننا حقيقة الديموقراطية الأمريكية وحقوق الإنسان التي ترعاها واشنطن في كل من باغرام ، وغوانتانامو، وأبو غريب ، وكذلك في السجون السرية التي أدارتها المخابرات المركزية في عدد من الدول الأوربية والعربية .

إنه بالاستناد إلى هذه الحقيقة ، وإدراكا من قوى الإعلان بعدائية سياسة الولايات المتحدة للأهداف الوطنية للقوى الديموقراطية في سوريا    جاء في نص  إعلان دمشق فقرة خاصة بالتزام قوى الإعلان عدم الاستقواء بالخارج ، لكن المسيرة السابقة التي شهدت الكثير من التجاوزات في هذا الجانب بالتحديد صارت تحتم التأكيد على هذا الرؤية  وجعلها معيارا يحتكم إليه وتفرز على ضوئه المواقف والقوى والأشخاص .

3ـ وثالث هذه المبادئ الاعتماد على مفهوم التغيير الوطني الديموقراطي السلمي   طريقا لتوليد نظام ديموقراطي حقيقي ، تعود فيه السلطة إلى الناس ، ويتم من خلاله تداولها سليما ، ويحتكم الجميع في إطاره إلى الدستور والقانون ، ويتساوى فيه المواطنون جميعا ، وتنتهي مرة واحدة ونهائيا كل المفاهيم والبنى والتشريعات التي تخالف هذا النظام ، ويحل من خلاله الوطن كل المشاكل التي خلفتها ممارسات النظام الراهن على البنية الوطنية ، أو تلك التي خلفتها ممارسات وقوانين الأنظمة السابقة على هذه البنية ،

إن المطالب المشروعة " للأقليات" في سوريا تحل جميعا في نطاق هذا النظام الديموقراطي وفي إطار المحافظة على وحدة التراب الوطني ، والالتزام بهوية هذا البلد ، واستنادا إلى مفهوم المواطنة الذي لا يفرق بين أبناء الوطن الواحد في الحقوق كما لا يفرق بينهم في الواجبات .

إن التغيير الوطني الديموقراطي السلمي له معان محددة ، يبدو أن قوى إعلان دمشق عبر المسيرة السابقة تناستها ، أو أنها أعفت نفسها منها .

إن مساحة العمل في نطاق هذا الهدف تمتد من المشاركة في مختلف أنواع الانتخابات كمعارضة ونقيض لما هو قائم إلى تنمية وتصعيد النضال الشعبي بتجلياته المختلفة .

إن البديل عن هذا الطريق هو : إما انتظار غزو خارجي ، أو انتظار "انقلاب قصر"، وإذا كان انتظار غزو خارجي هو من قبيل الخيانة الوطنية، فإن انتظار "انقلاب قصر" هو من قبيل السذاجة السياسية، ليس لأن حدوثه مستحيل أو ممكن، وإنما لأن هذا الطريق لا يمكن أن يؤدي في ظل ظروف سوريا وبنية نظامها السياسي القائم إلى ولادة نظام سياسي ديموقراطي .

4ـ تحديد معايير للقوى المدعوة للمساهمة في هذا المشوار ، وهذا مما ثُبٍت في إعلان دمشق، وثبت فيما صدر عن قواه من أدبيات ، إن تحديد هذه المعايير لا يستهدف إبعاد هذه القوة أو تلك ، ولا يستهدف استئثار هذه القوة أو تلك بالتحرك الوطني ، فمثل هذا التصور لدوافع تحديد المعايير تصور قاصر وغير سياسي ، لكنه أمر يستهدف توفير الحد الأدنى  لمصداقية هذا البناء ، وتوفير الحد الأدنى لشروط نجاحه وحتى لا يحمل في داخله ما يناقضه .

نحن القوميين والناصريين في إعلان دمشق لم نعترض عل مشاركة قوى وشخصيات كانت دائما تعادينا وتعادي خطنا القومي ووقفت إلى جانب جريمة الانفصال في 28 أيلول / سبتمبر 1961 أو أنها تنتمي لتلك القوى ، ذلك أننا ندرك معنى التحالفات الوطنية وحدودها ، وقبلنا كما غيرنا من القوى والشخصيات التي بنت إعلان دمشق أن تكون معايير التقييم مقتصرة على ما يمكن قوى الإعلان من الوصول بسوريا إلى هدف إقامة نظام ديموقراطي حقيقي ، يعلي شأن هذه البلد ويطلق التنافس أمام قواه المختلفة ويترك للناس أن تحدد هي من تريد وأي البرامج تختار لمستقبلها ، لأجل ذلك واتساقا مع هذا الهدف  حدد  أن لا تكون القوى والشخصيات التي تطلب دخول هذا التجمع الوطني قد أوغلت في مسيرة الفساد أو في المذابح وجرائم القتل التي طالت الحياة السورية خلال المرحلة السابقة ، أو في عمليات التعذيب وإهدار الكرامة الإنسانية التي تعرض لها الشعب السوري ، فليس مقبولا أن يأتي القتلة واللصوص للانضمام إلى المعارضة الوطنية بعد أن يكونوا قد شبعوا من مسيرة الفساد ، وبعد أن يكونوا قد أذاقوا هذا الشعب ألوان العذاب وصنوف الإهانة ، وكانت لهم يد مشهودة في تدمير الحياة السياسية في سوريا .

لقد تفاءلنا فيما صدر عن جماعة الإخوان المسلمين من نقد لمسيرتهم السابقة ـ رغم أن البعض اعتبر ما صدر أقل مما يجب ـ وتفاءلنا أكثر بالوثائق الفكرية والسياسية التي صدرت عن الجماعة ـ رغم الطابع غير الديموقراطي الذي اعتمد في توليدها وإقرارها ـ  وكان هذا التفاؤل وراء اعتبار  انضمام جماعة الإخوان المسلمين إلى إعلان دمشق مكسبا ومكان ترحيب , لكن بعد ذلك تبين أن الأمر على خلاف ذلك وأن التفاؤل كان في غير محله، تبين هذا حينما بدأت الجماعة أقرب إلى واشنطن ثم حينما أقامت  تحالفها مع عبد الحليم خدام ومن ثم أقامت تحالفها الخارجي في إطار ما دعي بجبهة الخلاص الوطني 

لقد كنا في غنى عن الوقوف أمام هذا المعيار لولا أننا تابعنا في مسيرة إعلان دمشق هذه الإشكالية التي مثلها تحالفات للإخوان المسلمين خارج نطاق إعلان دمشق وبتناقض معه ، مما صار يستدعي موقفا واضحا ليس فقط من هذا الانحراف وإنما موقفا يحدد آليات الالتزام وتجلياته ،

إن قوى إعلان دمشق لا تستطيع أن تمنع قوة من قواها من التحالف مع من تشاء لكنها تستطيع بالتأكيد ، ويجب عليها أو توضح موقفها من مثل هذا التحالف وكذلك من القوى المشاركة فيها .

 إن هذا ضروري، وهو لا يقتصر على التحالفات مع القوى المختلفة وإنما أيضا يمتد إلى توضيح الموقف إزاء اعتماد أي قوة من قوى الإعلان أساليب غير تلك التي يعنيها مفهوم التغيير الديموقراطي السلمي ,

5ـ تحديد آليات التعامل داخل بنية إعلان دمشق ومؤسساته،بما يضمن لهذا التجمع سلامة المسيرة ، وإمكانية تحقيق الأهداف ، إن وقائع اجتماع المجلس الوطني وملابساته أظهرت ان  تصورا  غير سوي قد ساد الأطراف المشاركة في الاجتماع دون استثناء ، إن مجرد التفكير في إجراء انتخابات لقيادة التجمع على قاعدة الأصوات التي ينالها كل مرشح هو التعبير الواضح عن هذا الخلل ، ذلك أن العمل الجبهوي لا يبنى على مثل هذه القاعدة التي يبنى عليها العمل الحزبي ن وإنما يبنى على قاعدة التوافق وعلى أساس حصص محددة لأطراف هذا التجمع الوطني ، وإذا كنا ندرك أن بنية إعلان دمشق تجمع في ثناياها أحزابا وشخصيات ، وهيئات مختلفة فإن تمثيل هذه الأطراف في مواقع القرار والمسؤولية لا يكون بمجرد العدد ، وغنما يتحدد كذلك باعتبارات التيارت سواء تمثلت هذه بأحزاب أم بشخصيات وهيئات ، إن الطابع العام الذي وسم المجلس الوطني صار تعبيرا عن الاتجاه الليبرالي الذي لا يمثل إلا جزءا يسيرا من تركيبة قوى الإعلان ، وكان هذا بفعل التكتلات وكذلك بفعل ما دعي بتمثيل المستقلين , وليس في إعلان دمشق مستقلون ، وليس هناك تيار اسمه تيار مستقلين ، هناك مستقلون عن الأحزاب ، هذا صحيح ، لكن ليس هناك مستقلون عن تيارات .

إن الاتجاه الليبرالي الذي يتكون من ليبراليين تقليديين تأطروا في بعض منظمات المجتمع المدني ، وفي شخصيات مستقلة ، ومن  يساريين سابقين صاروا من أهم شخصيات الليبرالية الجديدة ، هؤلاء جميعا ليسوا أكثر من جزء من مكونات قوى الإعلان ، ومما يؤسف له أن هذا الجزء استغل رغبة القوى الحزبية في إفساح المجال أكثر للمستقلين ، وتمثيلهم أكثر في مؤسسات الإعلان وتمكن خلال اجتماع المجلس الوطني من "خطف إعلان دمشق" والسعي للمضي به بعيدا .

إن ضرورات العمل الوطني تفرض قطع الطريق على مثل هذا العملية غير المشروعة ، واستعادة الإعلان من خاطفيه ، واعتماد الأساليب الكفيلة بعدم الوقوع في هذه الخطيئة ثانية .

إن ما جرى في المجلس الوطني لا يبرره الرغبة الصادقة للقوى الحزبية في إعطاء المستقلين دورا أكبر ، ذلك أن الذين اخذوا هذا الدور ليسوا المستقلين  وإنما أصحاب المناورات ، والتكتلات من الليبراليين والليبراليين الجدد ، ثم إن اعتماد أساليب غير جبهوية في العمل الجبهوي من شأنه أن يدمر أي عمل ، وقد وضعت وقائع المجلس الوطني إعلان دمشق على طريق التدمير ما لم يتم تدارك هذا الأمر .

إنه من المهم بمكان أن تحدد حصص لكل تيار ثم أن تحدد داخل كل تيار حصص للأحزاب وللمستقلين في هذا التيار .ثم أن يتم الاتفاق على أسلوب اتخاذ القرارات في هيئات هذا التجمع العريض : القرارات الرئيسية والقرارات الإجرائية ، القرارات المتسقة مع الإعلان الرئيس الذي التزمته هذه القوى الوطنية وتأطرت على أساسه ، والقرارات الإجرائية والتنفيذية التي تواجهها هذه الهيئات  .

6ـ وفي نطاق مراجعة آليات العمل من المهم إلى أقصى حد توضيح معنى بناء مؤسسات وهيئات لإعلان دمشق ، ومعنى اختيار من يمارس المسؤولية في هذه الهيئات ، إن البعض غلب عليه الظن أن اختياره لهذه المسؤولية أو تلك ، كان بمثابة ثقة بتياره الذي جاء منه ، أو بتاريخه الذي يستند إليه ، ولقد كان هذا الظن خطيئة كبرى كشفت عن ضعف في إدراك مفهوم الدور القيادي في العمل الجبهوي .

 ليس مطلوبا من الانفصاليين أن يتراجعوا عن مواقفهم من الوحدة ومن قيادتها التاريخية حتى نقبل تسلمهم مسؤوليات في مثل هذا العمل الجبهوي ، وليس مطلوب من الناصريين أن يعيدوا النظر في تقييمهم ، ورؤيتهم للقوى الانفصالية حتى يتقدموا في قيادة مثل هذا العمل.

 إن ما يحكم العمل الجبهوي هو وثائقه ، وحدوده ، وما هو مطلوب من القيادات التي تتقدم لمراكز المسؤولية في هذا العمل أن تدرك هذه الحقيقة ثم أن تجسدها في سلوكها وتصريحاتها ، ومواقفها ، ما دامت تتحدث في إطار هذا العمل الجبهوي وما دامت تمثله وتقوده ، وحينما تفشل هذه القيادة أو تلك في تجسيد هذا الدور والموقف فإن عليها التنحي لأنها بذلك تكون أوقعت الضرر بالعمل الجبهوي وبكل قواه .

لقد كشفت تصريحات بعض من اختيروا للمسؤولية في مؤسسات الإعلان أنهم غير واعين لهذه الحقيقة ، وبالتالي لم يستطيعوا أن يتمثلوا معنى مسؤولية العمل في إطار القيادة الجبهوية ، لذلك فإن تسليط الضوء على هذه المسألة يبدو الآن ذو أهمية حقيقية لسلامة العمل الوطني ، وبالتالي يصبح من مبادئ السلوك الواجب التزامه في العمل الجبهوي .

7ـ ويعتبر توفر العنصر الأخلاقي في التعامل الجبهوي ضرورة لازمة لتكتسب العلاقة بين قوى هذا العمل الاحترام اللازم ، ولتساعد هذه الأخلاقية على تجاوز حساسيات الماضي وتقييماته ،

إن تجارب الاتحاد الاشتراكي الجبهوية في هذا الجانب لم تكن مشجعة ، وظهر في أكثر من تجربة أن هذه القوة أو تلك كانت تتخذ من اللقاء الجبهوي معبرا لغاية جد خاصة ، أو سبيلا لتجاوز مرحلة داخلية صعبة لذلك كانت تتخلى عن هذا العمل أو تضحي به بمجرد أن تتجاوز تلك المرحلة أو تصل إلى تلك الغاية ، لقد حملت تجربة العمل الجبهوي في العام 1968 هذه السمة السلبية ، كذلك كان الأمر في تجربة الجبهة في العام 1971 .

وأمكن لتجربة التجمع الوطني الديموقراطي وعلى مدى تجاوز الربع قرن أن تتجاوز هذا السلوك الانتهازي وتثبت سلوكا نضاليا وأخلاقيا بين قواه ، وأمكن لهذه التجربة الوطنية الممتدة أن تفرز في الحياة الوطنية شخصيات مناضلة ارتفعت مكانتها من كونها شخصيات حزبية رئيسة الى أن تكون شخصيات وطنية ن وعلامات بارزة في مسيرة النضال الوطني والهداف الوطنية ، لقد أصبحت بالخبرة ، والثقافة ، والتجربة النضالية ، والثمن الذي دفعته ، عنوانا من عناوين الوطن ، وبالتالي صارت الاستهانة بها ، يتجاوز مجرد شخوصها ليكون استهانة مقصودة بخلاصات الخبرة والثقافة والتجربة النضالية .

ما نشير إليه هنا يمثل حقيقة من حقائق العمل السياسي لا ينكرها أحد ، حتى أعتى النظم الاستبدادية تحاول أن تلتزمها .

 ومن المفارقات أن الجلسة التي عقدت للمجلس الوطني لإعلان دمشق  شهدت تعديا واستهانة على قامات وطنية من هذا النوع ، واتخذ البعض من الرغبة الجامحة لعدد من هذه القيادات في الوصول إلى موقف موحد ، يحافظ على تماسك قوى الإعلان مدخلا لممارسة مثل هذا النوع من المخادعة والسلوك الذي لا يستقيم مع أي مستوى من مستويات الممارسة فكيف إذا كانت هذه الممارسة موجهة إلى مثل هذه القامات النضالية .

من حق إخوتنا ممثلي التيار الناصري والاتحاد الاشتراكي الذين عوملوا خلال جلسة المجلس الوطني على هذا النحو أن ندفع عنهم هذا الأذى ، وان ننتصر لهم ، لكن ما نقوله هنا لا يختص بهم فحسب ـ رغم أن الأذية تكاد تكون قد اقتصرت عليهم ـ وإنما يمتد ليكون حديثا  عن أخلاقيات العمل تجاه الرموز الوطنية أيا كان اتجاهها أو موقفها أو الاتفاق أو الاختلاف معها ، إن نبل المسلك الذي تتمتع به مثل هذه الرموز ـ وهو أحد علاماتها المميزة ـ وسعة افقها في النظر إلى المشكلات والمصاعب التي تعترض العمل الوطني ،واعتبار شرف الكلمة والالتزام بها من اعلى اشكال الالتزام وأكثرها وثوقا،  وفروسيتها في التضحية بالمكاسب الشخصية لأجل الهدف العام ، كل هذا يجب أن يترجمه الآخرون إدراكا ، وتقديرا ، والتزاما

 8ـ وعلى صلة بهذا الذي جرى في إطار إعلان دمشق لابد من وقفة تخص التجمع الوطني الديموقراطي وهو مستوى أكثر تحديدا وترابطا من الإعلان ، وأكثر عمقا وتماسكا منه ، فقد مضى على إقامة هذا التجمع ثلاثة عقود ن كانت كافية لتختبر قواه، ولتعزز روح التحالف بين أطرافه ، ولتفسح المجال للانتقال إلى مستوى أعلى من التفاعل .

ونحن القوميين والناصريين الذين كنا نتابع باستمرار حركة ونشاطات التجمع الوطني الديموقراطي ، كنا نعتبره ميدان اختبار للمدى الذي يمكن أن يصله العمل الجبهوي بين قوى تجمع بينها الكثير من الأهداف والرؤى في التغيير والبناء ، أي أنها كقوى كانت مؤهلة ليس فقط للنضال من أجل إقامة مجتمع ديموقراطي ، وإنما كذلك في امتلاك برنامج بناء اجتماعي تعرضه على الناس وتطلب منهم الثقة فيه واعتماده لمستقبل هذا البلد ، ولدوره في إطار أمته العربية .

ونحن ندرك الآن أكثر حدود ما يمكن أن يصل إليه مثل هذا العمل الجبهوي ن بعد أن لاحظنا حدود تفاعل واستيعاب قواه للتغيرات الدولية التي عصفت ببعض هذه القوى وأدخلتها في حالة من عدم التوازن ومن ضبابية الرؤية،

ولقد وقفت اللجنة المركزية للإتحاد الاشتراكي وهي تستعرض أزمة إعلان دمشق ونتائج اجتماع المجلس الوطني في اجتماعها الأخير على دور ومكانة التجمع الوطني الديموقراطي مؤكدة ما ذهبنا إليه في مقالنا السابق ـ وكذلك ذهب إليه عدد من الأخوة ـ  من أن ما حصل في إعلان دمشق وفي اجتماع المجلس الوطني كان نتيجة خلل في علاقات القوى في التجمع ، ولو كانت تلك العلاقات سوية ، وفاعلة ما يمكن أن يحصل ما حصل .

وذهبت اللجنة في بيانها إلى ضرورة مراجعة ما حدث في إطار التجمع أولا ـ وهذه خطوة صحيحة ودقيقة ـ ثم ضرورة العمل على توسيع التجمع وذلك ببذل الجهد لضم قوى وجهات وشخصيات جديدة إليه ترى في مساحة الرؤى والاتفاق مع التجمع ما يلبي طموحاتها .

إن إصلاح بنية إعلان دمشق ، وإعادته إلى طريقه الصحيح  مرتبط ارتباطا وثيقا بإصلاح وضع التجمع الوطني الديموقراطي ، فإعلان دمشق دون التجمع ليس له معنى أو قيمة وطنية جامعة ، وفي أحسن الأحوال سيتحول إلى رديف داخلي أو نظير داخلي لجبهة الخلاص الوطني التي بناها تحالف الأخوان المسلمين وخدام في الخارج ، وحين ذاك لا يكون الأمر ذو أهمية فعلية في ميزاننا .

مهم إلى أقصى مدى إصلاح الوضع داخل التجمع الوطني الديموقراطي بما يسمح له باستعادة حيويته المفقودة ، التي فقدت حينما تباينت مناحي تفاعل وتأثر قواه المختلفة مع التطورات الإقليمية والدولية ،

لقد تحولت بعض قوى التجمع باتجاه الليبرالية الجديدة معتبرة أن  هذه الليبرالية مرحلة ضرورة في مسار التطور الاجتماعي الوطني ، وبالتالي تبدو  وقد افترقت عن التزام الرؤية العامة للتجمع المثبتة في وثائقه ، إن هذه المساحة من التمايز والتناقض قد تكون مقبولة في إطار قوى إعلان دمشق لكنها ليست كذلك في إطار التجمع الوطني الديموقراطي ،

وبسب هذا التباين وجدنا قوى التجمع تتصرف بشكل مختلف ومتناقض في اجتماعات إعلان دمشق وفي اجتماع المجلس الوطني ، هذا ما لا يجوز استمراره لأنه معطل للطرفين : التجمع والإعلان . ونحن على يقين أنه لو كانت قوى التجمع الوطني الديموقراطي ذات موقف واحد ضمن إطارات إعلان دمشق ، ما دخل في أزمته الأخيرة والمستمرة .

ثم إن توسيع التجمع وضم قوى جديدة إليه من شأنه أن يقوي مكانة هذا التحالف في الحركة الوطنية الأوسع وبالتالي يصونها من الانجراف أو الانحراف .

9ـ لقد وضعت اللجنة المركزية للإتحاد الاشتراكي بصمتها على الأزمة الراهنة في العمل الوطني في سوريا ، واعتمدت أسلوبا في معالجتها ، يتضمن تحديدا لمبادئ العمل ، وتحديدا لطريقة العمل  الواجب اعتمادها في إطار التحالفات الجبهوية ، وتحديدا لنقطة البدء في عملية الإصلاح هذه ، وتمثلت  نقطة البدء هذه في التجمع الوطني الديموقراطي .

وتبقى في هذا التحديد نقطة شديدة الأهمية تتصل بالوقت ، إن عامل الزمن هنا شديد الأهمية شديد الخطورة ، صحيح أن الاتحاد قد جمد علاقته بإعلان دمشق ، وجمد وجوده في مؤسسات هذا الإعلان ، ومن شأن هذا التجميد أن يخلي الاتحاد من مسؤولية أي خطوة  أو إجراء قد تتخذه قيادات الإعلان في غياب الاتحاد يزيد من مقدار ابتعاد هذا التجمع عن الخط الوطني في النضال الديموقراطي للمعارضة ، لكن ما يجب أن يشغلنا هنا ليس البراءة من المسؤولية ، وإنما سرعة صيانة هذا المسار، والحفاظ عليه بعد استرداده من الطريق الذي دفع إليه ،

من المهم جدا أن ينجز الاتحاد ما دعا إلى ضرورة إنجازه على مستوى التجمع الوطني الديموقراطي ومن ثم على مستوى إعلان دمشق بالسرعة اللازمة قبل أن يفوت أوان ذلك ، ويصبح كل حديث عن استرداد الإعلان حديث لا قيمة عملية له . 

وأخيرا

قد يستعيد البعض تساؤلا يراوده منذ بداية هذا المقال : هل يمكن أن يصحح المسار، مسار إعلان دمشق ، وآلية عمل وتفاعل قوى التجمع الوطني الديموقراطي؟!.

تبدو الإجابة على هذا التساؤل مهمة لسببين :

الأول : أن هناك جهدا ووقتا لابد من بذلهما لبلوغ هذا الهدف ، وإذا كانت الدلائل ترجح وتعزز القناعة بعدم إمكانية الوصول إلى هذا الهدف ، بل إن القوى التي خطفت الإعلان تعتقد أنها حققت مكسبا ونصرا ، وأنها باتت الآن طليقة في تحركها لا يلجمها مواقف قوميين وناصريين ، ولا يعيق حركتها ضمير هذا التيار ورؤيته العامة لمسار الصراع وقواه ، فكيف يمكن الحديث عن تصحيح لمسار إعلان دمشق واسترجاع لقواه المختلفة  .

الثاني : أن المصداقية داخل هذا التجمع العريض قد أصيبت إصابة عميقة خصوصا وقد تبين أن كل المواقف الخارجية ، وكل التحركات الداخلية التي كان يقوم بها هذا الطرف أو ذاك وتفسر بأنها محض تصرفات شخصية باتت الآن تعبيرا عن الاتجاه السائد في الإعلان ، أي أنها كانت تحركات مدروسة ومبرمجة وقد حدثت في إطار برنامج تحرك بينه الكثير من عوامل التكامل ، وبالتالي فإن أي توافق مفترض  على التصحيح سيكون الالتزام به مشكوكا فيه .

ولاشك أن هذه التساؤلات والشكوك صحيحة ، وهي أدعى إلى التشاؤم من إمكانية التصحيح على مستوى الإعلان ، لكن ذلك ليس من شأنه أن يدفعنا للمضي في هذا الطريق ، فالمسؤولية هنا مسؤولية وطنية ، وهي مسؤولية حتى تجاه تلك القوى التي خطفت الإعلان ومؤسساته ، لابد من انتهاج طريق التصحيح تعبيرا عن هذه المسؤولية ، وإحساسا بخطورة ما تم . يبدو لي أن اللجنة المركزية قد كانت واعية لهذه الصعوبات وهي ترتب عملية الإصلاح حين جعلت إصلاح الوضع في التجمع الوطني الديموقراطي ، وهو ممكن وفاعل ، مقدمة لإصلاح الوضع على مستوى الإعلان .

إن المسؤولية الوطنية تجاه المعارضة في سوريا ، وتجاه المرحلة الخطيرة التي تمر بها الحياة السياسية السورية تستدعي من القوميين والناصريين ـ وهم قلب المعارضة وضميرها ـ أن يقفوا وقفة التصحيح المطلوبة ، وهي وقفة كان يجب أن تكون من سابق ، والآن جاءت المناسبة ، ولابد أن تكون هذه الوقفة حاسمة إلى الدرجة التي تصوب بها ما أصاب هذا النضال الوطني من خلل ، وأيضا كافية لتحقيق انطلاقة فاعلة لقوى المعارضة افتقدتها خلال المرحلة السابقة .

 

 

العدد : 12-13  تاريخ 2008 - 6                    مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية      مجلة غير دورية متخصصة  بالشأن السوري            

 

Damascus Center for Theoretical and Civil Rights Studies

adress: Varbarega   G101 tel&fax : 004619251237 organisationsnummer : 802433-2218
70351  Örebro -  Sweden E-mail :dccls@bredband.net kontomummer : 8452-5 , 903358349-4  - swedbank

الصفحة الرئيسية