كلمات مواطنة صامتة - مريم حداد

 إعلان دمشق... آراء ومواقف

                                                     

 

كتب الكثير عن إعلان دمشق سواءً مع أو ضد، ولكل وجهة نظره في ذك، قليل من كتب بحيادية، أو قرأ واقع الحال كما هو، ربما لأن الأمنيات تجاوزت حدود الواقع.

لعله منذ الخمسينات لم يتجسد مثل هذا الحراك السياسي، ولم تلتق المعارضة ضمن طيف واحد. كانت عبارة عن أحزاب كل له مشروعه الخاص ورؤيته الخاصة، وتحليلاته سواءً للسلطة، أو الوضع الداخلي وعلاقة ذلك مع الوضع العربي والدولي، فكان الخلاف أحياناً هو سيد الموقف، ونقاط الالتقاء إن لم تكن معدومة فهي قليلة جداً.

فبزوغ إعلان دمشق كان حدثاً سياسيًا هاماً من كل النواحي، أعاد للحركة السياسية السورية الحياة وبدأت الدماء تجري في عروقها من جديد.

بدايةً، كان الاتفاق على النقاط التي وضعت وأُقرت، وبدأ العمل بناءً على ذلك للمضي قدماً بهذا المشروع، لإنقاذ المعارضة أولاً من تشتتها، والنهوض بالبلد من ناحية ثانية. راهنت الناس على استمرارية هذا المشروع أو لنقل جدواه طبعاً – مع أو ضد – فكنا ننتظر إلى ما سينجم عن الإعلان، وعن خطته المستقبلية وأولوياته. وبانعقاد المجلس الوطني بعد ثلاث سنوات على ولادته، ظهر الخلاف على السطح بين الأطراف المنضوية تحت الإعلان. لم يكن خلافهم على( تركيبة السلطة وماهيتها وبأنها همشت المواطن فشرعت ومارست الفساد في مؤسسات الدولة)، فتلك مسألة محسومة بالنسب لكل الأطراف المشاركة بالإعلان. بل أن الخلاف كان أعمق ولم يكن وليد اللحظة، فبدايته كانت ضمن لجان إحياء المجتمع المدني (الرافعة السياسية للإعلان) فنجم عن ذلك تياران: الأول، يرى أن المشروع الأمريكي – الصهيوني هو الأخطر على البلد، وأيضاً الموقف من الاحتلال الأمريكي للعراق والانتخابات التي حصلت بعد ذلك واعتبارها مهزلة وأبعد ما تكون عن الديمقراطية، وأن المقاومة العراقية هي خارج نطاق الإرهاب. والثاني يرى أن السلطة هي الأخطر وما جرى في العراق من انتخابات هو بداية المشروع الديمقراطي المنشود في العراق وليس هناك مقاومة عراقية أصلاً.

مع إنشاء الإعلان اجتمعت عدة أطراف سياسية كانت تجد أن المرحلة الوطنية والإقليمية والدولية تستوجب إيجاد كتلة سياسية معارضة تتخذ من التغيير الوطني الديمقراطي السلمي والتدريجي سبيلها لإنهاء الاستبداد والفساد السياسي في سورية، ومنذ البدء اتفقت هذه الأطراف على العمل الجماعي التوافقي، وبالفعل استطاعت هذه الأطراف أن تشكل بوتقة سياسية اشتملت على طيف واسع من المعارضة السياسية، إلا أنه بقي الطرف الأول الذي ذكرناه سابقاً لم ينخرط بالإعلان بسبب موقفه المطالب بأجندة واضحة لما يجري في العراق.

إن الأطراف التي أنشئت الإعلان كانت تحتوي على الطرف الثاني، وقوى سياسية وأشخاص نشطاء في العمل السياسي والمدني ترى أن انخراطها في الإعلان نتج عن قناعتها بأن تجميع المعارضة تحت طيف واحد هو هدف متقدم سياسياً عن حالة التشظي التي كانت تعيشها المعارضة، مع إدراكها استمرار الطرف الثاني بالعمل على تكريس رؤيته على كافة أطياف الإعلان.

وما حصل خلال السنوات الثلاث التي مضت، وصولاً إلى المجلس الوطني من أحداث ومواقف تؤكد جذر الخلافات التي تفاقمت وأدت إلى حالات التجميد من قبل بعض الأطراف السياسية والشخصيات المدنية ولو استعرضنا بعضا من هذه الأحداث والمواقف التي كانت سبباً في هذا التجميد:

1- أحد الأطراف المنضوية تحت الإعلان " الإخوان المسلمين " دخلوا في تحالف ينظر الشعب السوري إليه حسب قناعتي بعين الريبة والشك، نتج عن هذا التحالف ما سمي جبهة الخلاص والذي ضم الإخوان المسلمين والمدعو عبد الحليم خدام وبعض الأسماء الكردية، ولم يكن لقيادة الإعلان وبشكل جماعي موقف من هذا التحالف مما شكل العتبة الأولى للخلاف في الإعلان.

2- لم يكن موقف قيادة الإعلان واضحاً من العدوان الإسرائيلي على لبنان "حرب تموز". الطرف الثاني اتهم المقاومة اللبنانية أنها هي التي سببت الحرب بأسرها لعدد من الجنود الإسرائيليين، إضافةً إلى اعتبار هذه الحرب مغامرة غير محسوبة، لم تكن لمصلحة لبنان وإنما تخدم أجندة إقليمية "إيران". ز

3- إن إقامة مكتب أمانة بيروت للإعلان دمشق بقيادة البرلماني السوري السابق مأمون الحمصي وتحالفه الواضح مع جماعة 14 آذار أحرج قيادة الإعلان، وجاءت ردود الفعل من هذه القيادة غير واضح حول هذا المكتب، مما عمق الخلاف بين أعضاء الإعلان.

4- الموقف من القضية المركزية للمنطقة العربية ألا وهي القضية الفلسطينية انتابه كثيراً من الخلافات حول جدوى العمل المقاوم أو الوقوف مع منظمة التحرير الفلسطينية والتي تدير مفاوضات غير متوازنة مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي، جعل من مواقف قيادة الإعلان يسودها الرؤية غير الواضحة، وهذا يعتبر سبب آخر لعمق الخلاف إضافةً إلى الأسباب السابقة.

جاء المجتمعون بتاريخ 30/11/2007 كل منهم يحمل خلافاته إلى قاعة الاجتماع ظناً منه تثبيت صحة وجهة نظره، إلاّ أن ما حصل في الاجتماع من انتخابات غير توافقية لكن ديمقراطية أدى إلى انتصار الطرف الثاني بشكل كاسح مما هدد حالة التوافق التي تم الاتفاق عليها أثناء التشكيل للإعلان. فالانتخابات لم تكن سبباً، فلولا وجود هذه النقاط الخلافية التي ذكرناها سابقاً وتحولها إلى شرخ في جسد الإعلان لم يحدث ما حدث أثناء الانتخابات، وما اضطر حزبي الاتحاد الاشتراكي "قومي عروبي" وحزب العمل الشيوعي "ماركسي" وبعض الشخصيات الوطنية والحقوقية إلى إعلان تجميد عضويتهم

وحسب مراقبتي كان هناك طرفاً نظر إلى نتائج الاجتماع بطريقة التشفي أو الكاره لأي عمل سياسي منظم، فإما أن تكون الأمور بحوزتهم وهم أصحاب القرار فيها وإلاّ لن يكون لأي عمل جدوى أو استمرارية، وهذا أخطر من أن تكون ضد أو مع.

السياسية ليست كتاباً منزلاً لا يجوز المس به، السياسية فن الممكن وهي تجاري واقع الحال والوضع القائم، فمن الطبيعي أن تكون كافة التيارات سواءً أكانت أحزاباً أو جمعيات أو أشخاص مستقلين لها رؤية عامة أو كلها تصب في خانة واحدة باتجاه الرقي بالوطن والمواطن نحو حياة أفضل وهذا ما أكده الإعلان في رؤيته العامة.

يعاب على كافة الأطراف المنضوية تحت الإعلان أنها لم تستطع خلال ثلاث سنوات اختراق شريحة الشباب التي تشكل مستقبل أي عمل سياسي مهما كبر أو صغر بالرغم من مصادرة السلطة للسياسة والرأي في المجتمع، كان حريٌ على الإعلان أن يبتدع طرقاً خلاقة للوصول لهذه الشريحة المهمة والأساسية في أي عمل سياسي سليم في أي بلد.

وفي نظري رغم هذه الإشكاليات التي حملها الإعلان والخلافات التي حصلت بعد اجتماع المجلس الوطني ونتائجه، مما أدى  إلى اعتقالات من قبل السلطة، يجعل من كافة الأشخاص المؤيدين والمعارضين أن يقفوا صفاً واحداً من أجل الضغط على السلطة السورية للإفراج عن كافة المعتقلين وأن يكون هذا الملف من أولويات عملهم الراهن، (وهنا أيضا مشكلة ثانية هي تحول العمل السياسي لحركة إفراج عن معتقلين). وإذا كانت السلطة قد كرست نهجها الأمني القديم الجديد فهذا يدل على عدم قدرتها على مواجهة أشخاص يحلمون بمستقبل أفضل لسورية. فاختلاف الرؤى  مع المعارضة لا يواجه بالاعتقالات بل بالرأي والحوار، ورد السلطة على المجتمعين بهذا الأسلوب الاستبدادي وعدم قدرتها على الحوار سوف  تنقل المجتمع إلى حالة كارثية من التشظي والانهيار.

 

العدد : 12-13  تاريخ 2008 - 6                    مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية      مجلة غير دورية متخصصة  بالشأن السوري            

 

Damascus Center for Theoretical and Civil Rights Studies

adress: Varbarega   G101 tel&fax : 004619251237 organisationsnummer : 802433-2218
70351  Örebro -  Sweden E-mail :dccls@bredband.net kontomummer : 8452-5 , 903358349-4  - swedbank

الصفحة الرئيسية