المجلس الوطني لإعلان دمشق بين القديم والجديد  - كامل عباس

 إعلان دمشق... آراء ومواقف

                                                     

أخيرا تمكن إعلان دمشق من عقد أول مجلس وطني موسع له بعد مضي أكثر من عامين على صدور وثيقته الأولى , والإعلان كما هو معروف يشكل الجسم الأساسي للمعارضة السورية ومنها واليها , ويحمل أمراضها وهمومها , وقد ذادت همومها هما جديدا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتشكُل النظام العالمي الجديد , اثر ذلك اختلف رفاق الأمس فيما بينهم لدرجة ان المراقب السياسي المحايد يمكن له آن يميز بين تيارين

-          تيار قديم أمين لماضيه يرى بالنظام العالمي الجديد نظاما للرأسمالية المتوحشة المنفلته من عقالها , وهو أسوأ على كافة الأصعدة من النظام العالمي السابق وأكثر استغلالا للطبقات الشعبية ايضا .

-          تيار جديد يرى بالنظام العالمي الحالي نتاج تطور تاريخي موضوعي ,ويعد أرقى درجة من النظام السابق , وهو يوفر مناخا لنا اذا استطعنا استثماره ’ لساعدنا على النضال بوجه استبداد حكامنا وتحديث منطقتنا , والخلاف عكس نفسه سياسيا حول ترتيب الأولويات النضالية عند الفصائل الوطنية , فالتيار الأول يرى ببساطة ان المهمة المركزية له هو النضال ضد الخارج الطامح بثروات شعوبنا والذي يبدو للعيان بمخططات الامبريالية والصهيونية التي تريد تفكيك مجتمعاتنا , في حين يرى التيار الثاني ان التناقض الرئيسي قي منطقتنا أصبح بين الاستبداد والديمقراطية , وقد بان ذلك الصراع في محاولات المعارضة السورية المتكررة لتوحيد صفوفها , ووصلوا الى حد وسط في هيئة التنسيق داخل فصائلهم, مفاده المطالبة بالديمقراطية في الداخل لسحب الذرائع من الخارج الذي يريد استعمارنا بحجة نشر الديمقراطية.

جاء إعلان دمشق كمحاولة جديدة تلت محاولة هيئة التنسيق من اجل توحيد صفوف المعارضة , وقد بدا فيه وكأن التيار الثاني قد انتصر على التيار القديم , لأن وثيقته قد خلت لأول مرة في تاريخ وثائق المعارضة السورية من ذكر الخارج الطامح بثرواتنا متمثلا بأمريكا وحليفتها اسرائيل , لذا راح التيار الأول يعمل لتعديل تلك الوثيقة كي تصبح متناغمة مع فهمه , وقد تمكن من إصدار ما سماه التوضيحات وطالب بإدخالها لتصبح جزءا من الوثيقة الرسمية .

لم ينقطع الصراع بين القديم والجديد داخل إعلان دمشق منذ ان أبصر النور وحتى كتابة هذه السطور , ولم يقتصر على اتجاه الضربة الرئيسية – اذا صح التعبير – هل هي ضد الأمبريالية ام ضد الاستبداد ؟ بل تعداه ليشمل جوانب عديدة أخرى نذكر منها

-          القديم يفهم العمل السياسي بين تيارات الإعلان على طريقة الجبهات الوطنية وتحالفاتها المبنية على التوافق والمحاصصة بين الفصائل (بالطبع على أرضية وطنية ) حسب نفوذ وقوة كل فصيل في الساحة ’وبالتالي يجب ان توزع الهيئات القيادية داخل الاعلان بناء على هذا الفهم , والجديد يطمح أن يصبح الإعلان موحدا يحتكم الى الإنتخابات الديمقراطية داخل هيئات الاعلان بغض النظر عن هوية المنتخب السياسية .

-          القديم يعمل بوحي المركزية الديمقراطية حيث تقوم الهيئات القيادية بتقديم البرامج السياسية للمندوبين في كل مؤتمر صغيرا كان ام كبيرا , والمؤتمرون يدخلون بعض التعديلات عليها , وقد تصدر بدون أي تعديل كما جرى في البيان الأخير للإعلان , والجديد يريد أن تحل الديمقراطية من أسفل الى أعلى في الاعلان وتذهب المركزية الديمقراطية الى متحف التاريخ.

أنا شخصيا من أنصار التيار الجديد ’ ولكن يهمني ان أوضح هنا لغطا يمكن ان تسببه التسمية , فهي عندي لاتعني أبدا ان التيار الجديد على حق في تفكيره السياسي , والتيار القديم على خطأ , تعني بالنسبة لي توصيفا لسياق تاريخي , فكلا التيارين بالنسبة لي يحمل جزءا من الخطأ وجزءا من الصواب, وكلا التيارين تحّمل ما فيه الكفاية من قمع وظلم المرحلة المنصرمة , وكلا التيارين يريد انتقالا هادئا وسلميا وتدريجيا وآمنا نحو دولة وطنية ديمقرطية منسجمة مع محيطها العربي والعالمي تكون اقدر على التنمية وتطوير المجتمع في الداخل , وعلى استعادة جولانها المحتل في الخارج , ولكن نظرا لما سببه الصراع بين التيارين من إضعاف للإعلان , وشل طاقته في العمل داخل المجتمع ’ ولأننا بكل أسف أبناء هذا الشرق الذي يصعب عليهم الاحتكام الى الديمقراطية (وهذا ما دلت عليه نتائج الانتخابات داخل المجلس وتجميد عضوية الاتحاد الاشتراكي بعد ذلك) ’ فإنني أرى ان يعمل كل فريق في المجتمع حسب مفاهيمه ومدرسته,وان يتم التفتيش عن التقاطعات بين الفريقين وأن تستبعد المهاترات والاتهامات كما هو جار الآن على صفحات الانترنت , ربما كانت هذه الصيغة هي الأفضل للحفاظ على ماضي المعارضة النضالي , وهي الأجدى ليفعل كل منها بطريقته داخل المجتمع , وليحترم كل فريق الرأي الآخر عند الفريق الثاني , ويترك للحياة والمستقبل التصويب والتقريب بين الفريقين . على ان يكون الهم المشترك لكلا الجانبين تحصين أنفسهما ’ وإجبار السلطة وأي سلطة قادمة أخرى على التعامل معهما باحترام , وليس باستخفاف كما جرى في الاعتقالات الأخيرة لبعض أعضاء المجلس .

لقد برهنت السلطة السورية لكلى التيارين أنها غير معنية بالإنسان وحقوقه, ولا بالرأي السياسي لكل من الفريقين , وهي ماضية في أسلوبها العتيق رغم كل رياح التغيير في العالم , أسلوب ضبط الداخل عبر التخويف بخطر الخارج . ان هذه الطريقة القديمة الجديدة تصب الزيت على النار , وقد تدفع بانفجار المجتمع بالنهاية . وهي تعرف ان إعلان دمشق بكل تلاوينه يرفض الاستقراء بالخارج وينبذ العنف من أي جهة جاءت , ويريد الوصول الى دولة منسجمة مع التطور على أساس المواطنة السورية ’ وجل أعضائه مناضلين قضوا أجمل سني عمرهم بين ملاحقة وتضييق واعتقال , ولا يتعاملون برد الفعل ’ كان الأجدى بالسلطة ان تتعامل معهم سياسيا بدل التعامل بتلك الطريقة الأمنية التي تذكر بالماضي !

يجب ان يكون هذا التعامل دافعا من جديد للفريقين كي يحلا خلافاتهما بالأسلوب الديمقراطي على قاعدة احترام الرأي والرأي الآخر , والا فسيلقون جزاء يعبر عنه أحسن تعبير المثل الشعبي المعروف – أُكلت يوم أكل الثور الأبي

 

العدد : 12-13  تاريخ 2008 - 6                    مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية      مجلة غير دورية متخصصة  بالشأن السوري            

 

Damascus Center for Theoretical and Civil Rights Studies

adress: Varbarega   G101 tel&fax : 004619251237 organisationsnummer : 802433-2218
70351  Örebro -  Sweden E-mail :dccls@bredband.net kontomummer : 8452-5 , 903358349-4  - swedbank

الصفحة الرئيسية