أخلاقنا وأخلاقهم - فيوليت داغر

 إعلان دمشق... آراء ومواقف

                                                     

منذ سنوات طويلة وأنا أتابع عن كثب سيرورة بعض المجتمعات العربية التي أعرفها إلى حد ما والتي تعيش أزمات انسداد سياسي وتعثر في مسار الديمقراطية وحقوق الإنسان. من هذه الأمثلة حالة المجتمع السوري الذي ما فتئ يطالب بالانفتاح والاصلاح وخاصة منذ مجئ الرئيس بشار الأسد للسلطة خلفاً لأبيه. كنت قد تعرفت بالعديد من رموز المعارضة السورية والذين دفعوا الغالي والثمين لمقاومة النظام السائد الذي حرمهم حتى من امكانية التعبير عن أنفسهم والعيش كباقي البشر بالحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

الانطباع الذي حملته هو أنه في ظل وضع دولي واقليمي ومحلي، ليس المجال للتوسع به الآن، برزت عند أطراف المعارضة السورية قراءات مختلفة وأحياناً متنافرة بما يخص العلاقة بالخارج وممارسة السيادة الوطنية. خاصة في زمن تلعب فيه أيادي الأجنبي لتذرير العباد من خلال شق الصف وتحفيز طرف على آخر بشتى الوسائل. وهنا لا أتعرض لتلك الشريحة الكبيرة التي أناخت رأسها للعسف الصلف وقبلت أن تكون مطية لنظام بلدها مضفية عليه المزيد من الشرعية. أكان ذلك في سبيل الانتفاع الشخصي أو تكريس الوجود على الساحة. هذا الوجود الذي أفضى أحياناً لقمع أو معاداة أطراف أخرى تنهل من نفس المعين.

من المعروف في علم النفس الاجتماعي أن الآليات القمعية المتعددة التي تلجأ لها بشكل عام النظم المتخلفة والمستبدة لتأبيد سلطتها وإدامة أجلها، لها نتائج سلبية ومدمرة على المجتمعات والأفراد. وهذه النتائج تطال، وإن بقدر متفاوت، جميع قوى النسيج المجتمعي الذي ينهل من ثقافة واحدة ويرزح تحت وطأة واقع متشابه. الأمر الذي يفضي في نهاية المطاف لشخصية تتسم بطابع محدد، وإن سلمنا جدلاً بأن العام يواكبه الخاص والمتنوع والمتفرد الذي يطبع كل فرد بطابع متميز.

من هذه الصفات التي يتشارك بها الغالبية، إن لم نجمل الكل، نزوع الإنسان المقموع والمقهور للإذعان والخنوع للأقوى الداخلي أو الخارجي. وأحياناً للتماهي معه والتشبه بنموذجه، لدرجة تحوله لأداة بطش بيد مثله الأعلى، أو لمن يركن له، بفعل الخوف منه أو من تنكيل الآخرين به. أما عندما يهدف الاستبداد الداخلي والقهر الخارجي لاستعمال هذه الآليات النفسية عند البشر في خدمة مصالحه، فيصبح من السهل تأليب العامة على بعضهم والاستمتاع بعد ذلك بمشاهد تناحرهم. ومع الخيبة من الواقع والاحباط من قصور ذات اليد والعجز عن تغيير الواقع، يصبح العنف الكامن في الذات المستلبة والمقهورة مدمراً للفرد وللآخرين. تشهد على ذلك تعبيرات عدوانية لا عقلانية وغير مفهومة أو مرتقبة. لا بل غريزية ولا واعية، أي غير مسيطر عليها حتى من طرف فاعليها. الأمر الذي يفسر على الأقل جزءاً من السلوكات الشاذة والجنوحات التي توسم بعض الأطراف، ولو انتموا لحركات مناهضة للسلطات التسلطية وأطلقوا على أنفسهم تسميات كبيرة مثل المعارضة الديمقراطية والأقلام الليبرالية والمناضلين الشرفاء.

فالعنف المضاد للرد على العنف المخزون يستهدف بنيرانه ليس فقط مسببيه المباشرين. بل غالباً أطرافاً أخرى ليس لها علاقة من قريب أو بعيد بالمسؤولين عن الوضع. وإنما ترمز لشئ يعتبر هاماً في الوعي واللاوعي الفردي أو الجمعي. وهذا الانتقام من طرف الضحية، التي يحولها القمع لجلاد يلجأ لآليات عنفية لتفريغ شحنات العنف المخزون، قد يصبح عشوائياً. وبالتأكيد مدمراً لدرجة يطال بنصاله ليس فقط من هم من نفس الصف والأقرب، بل يرتد على الذات في عملية تشبه الانتحار. فالمعاناة التي كابدتها هذه الأقلية، جرّاء ما تعرضت له من قهر وحشي، على يد مجرمين يفترض أن يحالوا لمحاكمات وليس أن يتولوا الحكم، قد شوّهت نظرتها للذات وللآخر وأودت بها لمتاهات صعبة الفهم. والأمثال أكثر من أن تعد أو تحصى عندما تصبح الأمراض الاجتماعية معممة على مستوى الأوطان. خاصة في تجارب المعارضات التي انتقلت لممارسة السلطة والتي بات البكاء على من خلفته رد فعل غير مستغرب البتة، كما في مثال عراق اليوم. الأمر الذي يشير مرة أخرى لجدلية العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويؤكد المأثور: "كما تكونوا يولى عليكم".

إذا ما دخلنا في صلب الموضوع نعتقد أن تعبير "المعارضة" لا يعطي ورقة حسن سلوك ديمقراطية أو حقوقية أو أخلاقية لأحد. ومثالي على ذلك في المثل السوري ما يحدث من تناهش بين أطراف الصف الواحد ورفاق الأمس بشكل أخذ أبعاداً تدميرية. لذا، وكطرف مراقب، أي يتمتع ببعض الحيادية، وجدت أن الالتزام بهذه الوضعية فيه شئ من الخيانة. كون الحيادية ليست دوماً هي الأفضل لمن لديه ما يدلي بدلوه كشاهد على حوادث عايشها ولوضع بعض النقاط على الحروف.

كنت أتابع الجدل الحاصل وخاصة ذلك الذي استهدف شخصاً أعرفه جيداً بحكم عمر سنوات من النضال والعيش المشترك. فوجدت في هذا الاستهداف الكثير من الاجحاف، كما الابتعاد عن الحدود الأدنى للأخلاق، وليس فقط الموضوعية والمصداقية. المجال لا يتسع للخوض بالرد على كل من طاله بمخالبه، ولو اعتبرنا أنه من المعيب أن يخرج كلام حاقد وجارح وكاذب عن أشخاص يدعون أنهم مثقفين ومفكرين ومنظّرين. لقد رموا الكلام جزافاً دون التحقق من صحة ما يخرجونه من أفواههم وأقلامهم. ودون حرص على الدقة وشعور بالمسئولية في أمر سيأخذ بالعارضة لمتاهات لا يعلم أحد درجة خطورتها.

أعتقد أنه من حق هيثم مناع أن يدعي بأنه أقدم معارضة لآل الأسد من كل أعضاء الأمانة العامة لإعلان دمشق وإن لم يقلها في يوم من الأيام. فحتى الحزب الشيوعي بكل أجنحته انتظر المكتب السياسي فيه سنوات ليدخل المعارضة. ومن حقه أن يقول بأنه أصدر أول صحيفة طلابية مناهضة للجنرال حافظ الأسد "الثوريون" وكانت تطبع على آلة كاتبة في أحد أقبية دمشق وتنسخ في مدرسة تديرها والدته في الليل. وعندما لوحق أكثر من عامين في السبعينيات كان أول من طرد من كلية الطب في جامعة دمشق من المعارضة الدينية والعلمانية، وشكّل تحالفا طلابيا واسعا في مواجهة الاتحاد الوطني للطلبة وأولى الحلقات الماركسية في المنطقة الجنوبية، لم يخطر بباله أن يتباهى بنضاله المتواضع على الشعب السوري بما اعتبره واجبا واختيارا لا يمكن أن يكون دون ثمن. بل قال لي يوم تعرفت عليه في 1979: "أنا على قيد الحياة، وبصحة جيدة. أين منى العساف التي دفعت حياتها في الربيع الخامس والعشرين ؟ وغياث شيحة ومحمد علي النايف الذين أعدموا في ساحة المرجة في سن 22 ربيعا لأنهم وقفوا ضد الدكتاتورية؟ لقد علموني بالتضحية بحياتهم أن كل تضحياتنا صغيرة"..

بعد نفيه القسري وتحوله لمحام لكل ضحايا اضطهاد السلطات السورية ومن ثم الدكتاتوريات العربية، وانصرافه في الثمانينيات يبحث عن نقابة فرنسية أو بريطانية تتبنى معتقلا أو نائب أوربي يعطي اسمه للجنة الدفاع عن رياض الترك، كنت شاهدة على ذلك وموآزرة. وعندما كان يدفع كل ما يكسب من عمله الطبي دون حساب من أجل تنظيم حملة للإفراج عن المعتقلين، كنت أعتبر أن ذلك واجبه وواجبنا. كذلك عندما تسطرت طلبات اللجوء السياسي لمعظم قادة المعارضة في الخارج بتوقيعه وبرحلاته المكوكية لمؤسسة اللاجئين وعديمي الجنسية كنت أحاول مساعدته لتخفيف بعض عبء عنه. وعندما أصر أن يصدر كتاب "سورية الجنرال الأسد"، الذي شارك دانييل لوغاك تحريره، وأن يكون الإهداء لرياض الترك وجدت ذلك طبيعياً، فقد كان يعتبر رياض الترك مثلا خاصا للمناضل المتواضع المخلص للمظلومين. عندما كان مناع يحاول في تحركاته اعطاء صورة مشرفة ومشرقة عن كل المعارضين ويتحدث عنهم في كل منبر يتاح له، كنت احترم سهره للصباح ثلاثة أيام في الإسبوع لتحويل قضية كسورية، أسماها كوستا غافراس يوما "قضية غير محبوبة وغير مرغوبة" إلى قضية كبيرة بأسماء كبيرة بأشخاص يستحقون ليس فقط الاحترام بل والمحبة بحكم ظروف القمع والاستبداد وسنوات السجن الطويلة والمريرة التي قاسوها (ولو أن الصورة ليست وردية بالضرورة دوماً).

هناك أسماء لم نكن نعرفها ولم نسمع بها في المعارضة، حتى منها من كان حزبيا. أذكر يوم وقف هيثم بقرب نور الدين الأتاسي، لحظة احتضار الرئيس السوري السابق الذي قال له : أوصيك برياض الترك يا هيثم. كنت برفقته وكان معنا ابنه محمد علي الأتاسي. وقد رد على الفقيد الكبير: "سنفعل كل شئ من أجل رياض والمعتقلين". أليس من المؤسف أن أضطر اليوم للقول أنه في المنفى الفرنسي عاش هيثم متخفياً فترات طويلة بسبب التهديد بالقتل. كما ومنع كل أفراد عائلته من السفر عقاباً له. واضطررنا للعيش منفصلين وللتحصن بباب مسلح خوفاً من أن يعتدوا على طفلة صغيرة، كما فعلوا عندما قصدوا الأستاذ العطار وانتقموا من زوجته. لقد عانيت معه من عمله في الليل لمدة 22 عاماً، كما أعاني اليوم من نمط حياة يلقي بأوزاره الثقيلة بسبب النضال الذي يرفض الارتهان لأجندات وتمويلات مشروطة. فاستقلالية الكلمة هي أفضل الشروط لمحاربة الاستبداد والفساد والاستعباد الخارجي. لكن ثمن ذلك باهظ جداً. ومع ذلك هناك من كان يلفق الأكاذيب والافتراءات دون رقيب أو حسيب أو دليل. في ذلك الوقت لم نكن نسمع بعد بليبراليين جدد أو قدامى. وكان بعضهم يخّون هذه المعارضة من على منصة مجلس الشعب.

أن يقابل كل ذلك بالنقد الخلاق والاختلاف المشروع والتعدد الضروري لكل تغيير، فهذا طبيعي بل أكثر من طبيعي. أما أن يقابل ذلك باتهامات وسباب وأوصاف مخجلة من قبل بعض هؤلاء المعارضين، فهذا مدعاة للسأم. أن يتهم مناع بأنه يسوّق لبشار الأسد، أو أشياء لا أشاء تكرارها كونها أحط من أن تذكر، فبذلك مؤشر على أخلاق لا نعرفها ولا نعترف بها. إنه تجنٍ على إنسان كم كنت اختلف معه في لحظات حصار الشبكات العنكبوتية السوداء من اللوبي الصهيوني إلى أنظمة القمع العربية، اختلف معه لتحويل حياته، وبالتالي حياتنا المشتركة، لخلية عمل دائم في النهار كما في الليل. لقد كان هاجسه في كل ذلك الدفاع عمن أودعوا السجن، وقف معه في معركته هذه آخرون أم لم يقفوا.

يوم تسلم بشار الأسد السلطة لم يعترف هيثم مناع برئاسته. فهو يسميه الدكتور بشار كونه حصل على شهادة الطب بجهده، في حين أنه لم يتبوأ الرئاسة عبر انتخابات حرة. وعندما استعاد هيثم حقوقه في العودة ورفع حظر السفر عن أهله، حصل ذلك في رفض قاطع لأي تنازل لأي طرف أو مفاوضات مع أصحاب الشأن. لكن أن يقال، كما فعل عضو حزب الشعب الديمقراطي فريد حداد، أنها كانت صفقة أمنية، فهذا هراء وتجنٍ عند من يعتبر أن لديه ذرة أخلاق. وللأسف، كلام من هذا النوع لم يجد أناساً من أمثال رياض الترك أو أعز أصدقاء هيثم، المرحوم سلطان أبازيد، ليقولا: عيب يارفيق فريد هذه أساليب أجهزة الأمن. مع ذلك احتضنهم بصدره الواسع. بل عندما قدّم سلطان لهيثم هذا الفريد في ساحة حقوق الإنسان في باريس في مظاهرة من أجل ميشيل كيلو، حيّاه وكأنه لم يسمع بشئ عن لسانه.

قبل الذهاب لسورية، ويوم جرى الاتصال بهيثم من السفيرة السورية (التي كان يعرف زعيم الشعب الديمقراطي بسهرات سياسية لها مع برهان غليون وغيره من أصدقائه في حين التقاها هيثم لأول مرة)، اتصل هيثم مطولا بالسوريين في اللجنة العربية لحقوق الإنسان، ثم خارجها للتداول بالأمر. كان موقفهم الاجماع على ضرورة عودته وكسر الحاجز بين المنفى والداخل. وعندما توجه بعد ذلك إلى لندن للاجتماع بلجنة العمل الوطني (غاب عن الاجتماع صبحي حديدي الذي لم يجتمع مع هيثم في أي إطار نضالي منذ عودته لسورية) وأعلمهم بمجريات الأمور، لم يعترض أحد على عودته لبلده. وعندما اتصل بالهاتف بصديقه هيثم المالح، قال له عندي أبو هشام وتكلما. هنأه رياض الترك بالعودة وقال له نحن ننتظرك.

لقد جرى الاتفاق على رفض أي حوار فردي مع هيثم. وفي حال طلب مسئول سياسي (الرئيس أو نائب الرئيس أو نائب رئيس الوزراء بالتحديد) الاجتماع به، سينقل هيثم رسالة مفادها أن الإخوان المسلمين على استعداد لحوار مباشر مع السلطة أما التجمع الوطني الديمقراطي فكل قيادته داخل سورية ولدى السلطات أرقام هواتفهم. فهيثم لم يمثل أي طرف ولم يقبل التفويض من أحد ولم يكن على استعداد للحوار لوحده في أي موضوع بما في ذلك قضية المنفيين. كما أنه لن يقبل بدور تحاوري دون موافقة جماعية من حسن عبد العظيم ورياض الترك وهيثم المالح وأبو خلدون شخصياً لأنهم بالنسبة له يمثلون حساسيات متعددة. وقد أدلى يومها بذلك علنا من على قناة المستقلة في لندن.

قبل العودة المأمولة رتبت أنا بنفسي مع مواطنة سورية، كونها ابنة معتقل ومناضل من ضباط الجيش السوري، إقامتنا (أي هيثم وأنا وابنتنا) في بيت يعود لأهلها. ميزة هذا المكان كانت في أنه لا يعطي ابن الوطن العائد أية صفة طائفية أو منطقية أو عائلية. أذكّر أنه حتى اليوم، لا يعرف كثير من السوريين محافظة هيثم أو طائفته أو خياراته السياسية الشخصية. ومازال مكتبه ملتقى لكل العرب والكرد والسمر والسود هويتهم الإنسانية وأمثولتهم علاقات مدنية فوق الطائفة والقوم والقبيلة والعشيرة.

عندما كنا نستقل التاكسي الذي ينقلنا للمطار، حيث حرصت على مرافقته تحسباً لكل الاحتمالات، جاءت مكالمة هاتفية من ابن مسؤول سياسي كبير يقول له: "أرجو أن لا تأتي الآن وتؤجل عودتك، حيث ليس لدينا أية ضمانات لأمنك الشخصي". لكننا أصرينا معاً على متابعة الرحلة، كون العودة غير مفروشة بالورد وكونه يأتيكم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة. لقد تحسبت للأسوأ وكنت أتصور أنه ربما قد يأتي عبر حادث سيارة عادي يغطي الجريمة. لذا حملت معي ثوباً أسوداً وناقشت مع هيثم ومنصف المرزوقي ما يمكن أن نفعله من أجل استمرار اللجنة العربية لحقوق الإنسان في حال حصل مكروه. ومن المضحك المبكي أنه في حين استقل سيارة أمه القديمة للانتقال بها لمدينة درعا، وجدنا من المعارضين من يتحدث عن سيارة الليموزين التي لم نر شكلها أو لونها. فالعرض الذي قدم له في المطار بتخصيص سائق وسيارة استتبعه رفض على الفور لم يحتج لتعليق اضافي.

آسف أن أضطر للقول، ورغم الحرص على الألقاب، بأنني لم أسمع في العاصمة الفرنسية يوماً بالسيد عبد الرزاق عيد الذي درس فيها إلا كعضو في حزب بكداش الذي هو جزء من الجبهة الحاكمة. فهو عندما كنا نناضل للدفاع عن المعتقلين السياسيين كان يرفض المشاركة في أية وسيلة دفاع عنهم. من المعيب والحال كذلك أن يخرج عن لسانه بأن مناع قد أعلن "أن المسؤولين السوريين مستعدون لإرسال الطائرات لاستقبال كل سوري ممن لا يرغب بالعودة على دبابة أمريكية". إنه افتراء ما بعده افتراء أن يقول بأن هيثم قد خطأ المعارضة السورية وتشنجها لعدم محاورتها النظام. فهيثم أشار إلى أن  برهان غليون نصح المعارضة بذلك بقوله: "اعتقد بضرورة أن يجتمع الحكماء من جميع المثقفين والنقابيين وقادة الأحزاب والمسئولين الأمنيين أيضا لمناقشة أوضاع البلد في ندوة وطنية". وقال بأن على المعارضة تحديد سياسة واضحة للتعامل مع الآخر بما في ذلك إجبار السلطة على الحوار (كما تجبر زعيمة المعارضة في بورما الدكتاتورية العسكرية على الحوار لأن هذا هو التفسير العملي الأول للانتقال السلمي في غياب ثورة شعبية). أما إشارته لتكوين قيادة الجبهة الوطنية التقدمية، التي كان عيد يعتز بها في حين أن مناع لم ينتسب ولم يعتز بها يوما، فلا تختلف عن إشارة هيثم في مقابلة أخرى لقيادة جماعة 14 آذار في معرض حديثه عن أن أي عمل جبهوي يتطلب ديمقراطية توافقية. ثم إن كان مناع "مدعي حقوق إنسان وصنديد وحيد"، فما سر حقد الدكتور عيد على هذه "النكرة" ؟ لماذا يصر على أن تجميد مناع والغزالي وحبو انسحاب، بينما تجميد حزب العمل الشيوعي وحزب الاتحاد الاشتراكي مجرد تجميد؟ لماذا يحاسب هيثم على ما يطالب به الآخرون؟

منذ بدأت منظمات حقوق الإنسان تتكاثر داخل سورية وهيثم يسعى لإرسال الصحفيين لهم. ذلك لكي يعرفهم الناس ويمنحهم الإعلام حماية، وليس للتهرب من الملف السوري. وإلا لما كان وراء إصدار ثماني كتب عن سورية إضافة لرئاسة تحرير مجلة مقاربات الخاصة بالشؤون السورية. في حين لم نر للسيد عيد سوى كراس يتيم (وهو هام لأننا نعتقد بضرورة تكاتف كل القوى والأقلام من أجل الديمقراطية وكرامة الإنسان). ولو أنني عندما قرأت قوله : "دعوناهم لكي يقدموا "طلب انسحابهم" إلى الفرع الأمني المتولي شأن ملاحقة نشطاء إعلان دمشق ... !" وليس لجماعة وأنصار إعلان دمشق !" قلت في نفسي: فليستر هذا البلد من محاكم تفتيش جديدة!

طبعاً، لا يذكر السيد عبد الرزاق عيد اسم هيثم مناع. فهو حريص على طمس هوية الفرد، كون هذا جزء من المدرسة الليبرالية الجديدة التي تضم أسبن وفريد الغادري ووولفوفيتز. وكونه كان ستالينياً من قبل، فالطمس ينسجم مع ما فعله ستالين بصورة تروتسكي التي محاها من متحف الحزب من بين أعضاء اللجنة المركزية للحزب البلشفي. وكأن عدم ذكر الاسم زيادة في الاحتقار والاستئصال. أو لربما أنه الخوف نتيجة عدم الثقة بالنفس لما يذهب اليه.

من المؤسف أيضاً أن ثلاثة أعضاء في حزب الشعب الديمقراطي من الذين هاجموا هيثم  يشيرون له باعتباره: المتاجر في قضية غوانتانامو، ولرفع الإقامة الجبرية عن تيسير علوني، والمدافع عن مواقف السلطة، وموجّه لوائح الاتهام لرياض الترك. لكن كل ذلك دون ذكر اسمه. حتى في افتتاحية الرأي الأخيرة التي خصصت "للقوى التي تدعي التقدمية واليسارية" وكذلك لهيثم مناع وماجد حبو وناصر الغزالي كحقوقيين. حيث تكرر صحيفة الرأي في افتتاحيتها ما طالب رياض الترك به هيثم مناع في مقابلة له مع القدس العربي بعد ثلاث ساعات أمضاها معه في القطار من باريس إلى لندن: أي أن يترك السياسة لأهلها ويتحدث في حقوق الإنسان.

هذه المرة يتورط الحزب في نظرية استاذه التي اعتذر عنها، كما سمع كل الجالسين في ندوة أجيكا في العاصمة الفرنسية، عندما قال رياض بأن الصحفي نقل بشكل غير دقيق ما قاله عن هيثم مناع. هناك عودة لوجهة النظر التبسيطية حتى السذاجة في علاقة المجتمع المدني وحقوق الإنسان بالسياسة في افتتاحية صحيفة الرأي: "أما بالنسبة إلى الذين لم يرق لهم انعقاد المجلس الوطني ونتائجه، من بعض جماعات حقوق الإنسان في الخارج لأسباب نرجسية وذاتية، فهذا من حق نرجسيتهم وذاتيتهم . ولكن مع ذلك من الأفضل لهم أن يتركوا أمور السياسة، ويكرسوا وقتهم لتأدية مهنتهم جيداً، وليقوموا بواجبهم بإخلاص في الدفاع عن حقوق الإنسان، كي لا يخسروا كثيراً على المستوى الأخلاقي"..

ماذا سيقول ناصر الغزالي، الذي يرأس مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية، والذي أصدر أهم دراسة عن محكمة رياض الترك في 2002 وباتت المرجع الأساسي للتحرك النضالي من أجل إطلاق سراح رياض الترك؟ لماذا لم يطلب منه حزب الشعب عدم إصدار مجلة "مقاربات"، المجلة النظرية السياسية الحقوقية المستقلة الوحيدة في سورية اليوم التي تطبع بقروش هيئة تحريرها، والتي عرفت العالم العربي بربيع وأقلام وأحزاب ومنظمات سورية القرن الواحد والعشرين وكل ما كتب رياض الترك من مقالات جدية؟ هل يعتقد حزب الشعب أن الندوات السياسية التي نظمتها اللجنة العربية لحقوق الإنسان عن الديمقراطية في العالم العربي والتي تجاوزت الخمسين في عشر سنوات من عمرها هي خروج عن دورها الحقوقي للعمل في السياسة؟ هل ينسى هذا الحزب أن أكثر من أربعين كتاباً صدر عن اللجنة العربية لحقوق الإنسان في الديمقراطية والمواطنة هي في صلب ثقافة التغيير في العالم العربي اليوم؟ أليس من السخف فصل الإنسان السياسي عن الإنسان الحقوقي، والكائن المدني عن التنظيمات السياسية ؟

لقد شعرت بنفس الألم وأنا أقرأ، لاثنين من المعارضة السورية الذين يلتحفون عباءة إعلان دمشق، هجوماً شخصياً على الكاتب سلامة كيلة لتلقيه العلاج "في بلد إمبريالي هو فرنسا" وعلى حسابها. أريد أن أسجل هنا للتاريخ وكشاهدة من الألف إلى الياء على تفاصيل الموضوع. فسلامة كيلة لم يتصل بأحد من أجل ذلك ولم يطلب من أحد. بل رفض، بشخصيته العنيدة المعروفة، أن يتحدث لأي مسؤول أوروبي حتى من اليسار. وقد قام زميلنا منصف المرزوقي بواجبه تجاه كاتب فلسطيني ومناضل كبير بالتدخل لدى وزيرة صحة اشتراكية، كانت عضواً في الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان وجمعتنا بها أكثر من قضية ومعركة. ثم استقبلت مناضلة من منظمة العفو الدولية سلامة في بيتها ولم ينزل ضيفاً عند الحكومة الفرنسية. كما تضامنت عدة منظمات حقوقية لحل المشكلات الإدارية، بما سهّل الأمر. وعندما تغيرت الحكومة، كان من حسن المصادفات أن أحد المسؤولين في وزارة الصحة تجمعني به معرفة مهنية. وعندما سألني عن الحيثيات طلبت منه الحرص على احترام الوزارة لتعهداتها. وكما في هذه الحالة، يوجد أكثر من مناضل من المكتب السياسي قمنا بواجبنا تجاهه بنفس الإخلاص والروح النضالية.

 ناصر وماجد وهيثم وعمار ومازن وباسل وغيرهم من المناضلين الحقوقيين يقومون بواجبهم النضالي في منظماتهم الحقوقية. وبواجبهم كمواطنين يعتبرون الاستبداد وحده الطرف المستفيد من ابتعاد الناس عن السياسة. وعليه، من حقهم أن يظهروا استغرابهم من غياب التعليقات والمواقف من حزب الشعب وغيره على أشخاص يسمون أنفسهم حقوق إنسان عندما يقابلون الرئيس بوش ويتهافتون على السفارة الأمريكية. بل وينالون منحا مالية من مؤسسسات أمريكية، مقابل تقديم دراسات عن أوضاع المعارضة السورية. فهل لأنهم يصفقون "للحدث التاريخي" المتمثل باجتماع ديسمبر، يحق لهم أن يرأسوا مركز حقوق إنسان ويتفلسفون في مستقبل سورية السياسية على الحرة وسوا؟ سبحان عصر الليبرالية الجديدة، التي أعادت فنون عبادة الشخصية بأسطرة (جعله أسطورة) الحليف وشيطنة الآخر.

نذكّر من لا يعرف، بأن كل من في اللجنة العربية لحقوق الإنسان متطوع، كون حقوق الإنسان بالنسبة لنا ليست مهنة.

منذ خروج المجتمعين من بيت النائب السابق رياض سيف، تحاول أقلام الذين نجحوا في "أول انتخابات ديمقراطية في تاريخ سورية" باستعارة جملهم وأوصافهم، أن تتحدث عن نجاح الرياضين ومن معهما وإبعاد أهم حزبين معارضين داخل سورية عددا وعدة عن قيادة إعلان دمشق، باعتباره أهم حدث تاريخي منذ الشيشكلي. لكن يبدو أن الناس عندما يراكمون الأخطاء والاحباطات السياسية يحتاجون لتعظيم الحدث، أيٍ كان ومهما كانت النتائج المترتبة عليه. وإن كان ما حدث، من وجهة نظر المراقبة الخارجية المتواضعة، يمكن أن يقتل الأمل المشروع لكل مواطن سوري في تحالف واسع الأفق، واسع الصدر وبعيد النظر للقوى الحية في سورية!.

لقد برز في الآونة الأخيرة اسم جديد هو أحمد سليمان (غير المناضل المنفي الذي نعتز به ونناضل معه). ظهر فجأة ليرد على ستة أقلام دفعة واحدة. وكي يكتمل العرس خرج علينا باحث إسلامي  (عبد الحميد حاج خضر) يبدو أنه يخاف الله كثيراً. لذا لم يمتنع عن قذف هيثم بالعمالة للأمن ووصفه "بحفار القبور الذي تدفع به أنانيته أن يتمنى موت الناس ليكسب قوت يومه". فعلاً وصلنا لمستوى بائس لا نستطيع بعده أن نتعرض لكل من كتب ورمى الشتائم يساراً ويميناً وسماها فوق ذلك نقداً موضوعياً.

لكن "بكر صدقي" في جريدة "الحياة" يعطي تفسيراً جديراً بالتأمل عن انتساب وتجميد مناع  (الذي يرفض أيضاً ذكر اسمه ويطلق عليه استهزاءاً: مفكر عربي من سورية) بالقول "هذا معناه أن المفكر العربي كان يراهن، حين انضمامه إلى الإعلان، على الرحيل الوشيك للنظام بفعل الضغوط الدولية أساساً؛ وحين تبدلت الأوضاع، في الأشهر الأخيرة خاصة، وبدأت واشنطن تعيد النظر في سياستها تجاه دمشق، باتجاه الانفتاح والحوار، جمد المفكر عضويته وأخذ يبشر بالحوار مع الجبهة الوطنية التقدمية ويدعو إلى الاقتداء بها في فن الديموقراطية التوافقية هذا معناه أن المفكر العربي كان يراهن، حين انضمامه إلى الإعلان، على الرحيل الوشيك للنظام بفعل الضغوط الدولية أساساً؛ وحين تبدلت الأوضاع، في الأشهر الأخيرة خاصة، وبدأت واشنطن تعيد النظر في سياستها تجاه دمشق، باتجاه الانفتاح والحوار، جمد المفكر عضويته وأخذ يبشر بالحوار مع الجبهة الوطنية التقدمية ويدعو إلى الاقتداء بها في فن الديموقراطية التوافقية". طبعا بكر صدقي لم يقرأ 4 مقالات لهيثم منذ صدور إعلان دمشق يحذر فيها من التفاؤلية الخادعة وتقاسم مناصب وزارية في أوهام غادرية-نازكية. كما ويطلب أن تضع المعارضة قدميها على الأرض. مذكراً أن المحكمة الدولية الوطنية في كمبوديا انتظرت وفاة بول بوت حتى تعقد أولى جلساتها. وهو الذي كتب هازئاً: "من يعول على من؟"، رداً على خطابات وضعت بشار الأسد وراء القضبان قبل نهاية 2006.

لقد أصلت فينا الثقافة العربية مفهوم الكرامة الإنسانية، والثقافة العالمية الفرق بين الفكر النقدي وما هو دونه مستوى. تعلمنا في الدفاع عن حقوق الآخرين، أن احترام الآخر جزء لا يتجزأ من احترام الذات. ولولا توزيع اسماء، أكنّ لها الاحترام، تهم بالعمالة للأمن والتواطؤ مع الجبهة الحاكمة والتهجم على المعارضة، وإعطاء المعارضة الديمقراطية المختلفة بالرأي، صفة قرابة دم وقرابة نسب سياسي مع السلطة، لما وجدت نفسي مضطرة للرد. فهؤلاء الأشخاص يحاولون المزاودة بخطاب معارضة متطرف، يعتبر عدم مصافحة مناع للمرتزقة الجدد، كما فعل بعضهم، خدمة للسلطة السورية. كما أن عدم التعامل مع الإدارة الأمريكية الحالية خدمة للتحالف الإيراني-السوري. هؤلاء ليسوا المعارضة الديمقراطية، وإن كانوا جزءاً لا يتجزأ منها كونها لا تؤمم لأحد من أحد. ولأننا نرفض سياسة الاستئصال حتى لمن يتهمنا بالعمالة والخيانة.

عندما عزمت على هذه التوضيحات فعلت ذلك بصفتي مواطنة عربية لا بصفتي رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان. فهي تعبر عن شهادة شخصية وموقف لمراقب عن كثب أكثر منه اقحاماً للجنة التي أرأسها في معارك سياسية تتعلق بهذا القطر العربي أو ذاك. ولمن يرغب بالإطلاع على مواقفي في مجمل القضايا المطروحة له أن يتابع كتاباتي على موقع اللجنة العربية لحقوق الإنسان.

-----------------  

*مواطنة عربية

 

العدد : 12-13  تاريخ 2008 - 6                    مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية      مجلة غير دورية متخصصة  بالشأن السوري            

 

Damascus Center for Theoretical and Civil Rights Studies

adress: Varbarega   G101 tel&fax : 004619251237 organisationsnummer : 802433-2218
70351  Örebro -  Sweden E-mail :dccls@bredband.net kontomummer : 8452-5 , 903358349-4  - swedbank

الصفحة الرئيسية