في الأسباب الحقيقية لما آل له إعلان دمشق - علي محمود العمر

 إعلان دمشق... آراء ومواقف

                                                      

§    يتطلب العقل والإنصاف أن نقيم (إعلان دمشق) والنتيجة التي وصل إليها، من زاوية أهدافه الأصلية.. وهي حل مشكلة الاستبداد بواسطة التغيير المدني السلمي وتحقيق الديمقراطية.

.. ولا شك أن هذا يقتضي تقدير مشكلة الاستبداد بحجمها.. وامتدادها الصحيح. الذي وإن كانت السلطة تحتل واجهته الأمامية، إلا أنه يتعداها لبنية المجتمع وفئات المعارضة نفسها. وهذا ما يفصح عنه الواقع وأدبيات المعارضة (في حديثها عن أزمة السلطة والمجتمع والمعارضة معاً).. مما ينفي عن الاستبداد طابع الظاهرة العرَضية ويؤكد طابعها الأصلي الممتد في بنية الواقع والتقاليد السياسية والثقافية والدينية السائدة. بل يؤكده فقر الاستجابة لدعوة الديمقراطية حتى اللحظة واقتصارها على بعض الجماعات والمثقفين.. مقابل اتجاهات واسعة تستهين بها، أو حتى تحمل أجندات معادية لها. ناهيك عن بقية المعوقات الإقليمية والدولية التي تعترضها أو تقف نقيضها تماماً.

§         إن هذه العوامل مجتمعة تجعل الاستبداد يفتح جملة ملفات حقيقية لا يجوز الاستخفاف بها، بل تتعين مواجهتها بأدواتها السليمة.. إذا ما صدقت نية التغيير الديمقراطي وصحت عزيمة تحقيقه بوسائله السلمية، التي تم الإعلان أنها جزء منه.. (وهي كذلك بالفعل!)

وهذه الملفات تخص علاقة معارضة-معارضة. ومعارضة-سلطة. ومعارضة-مجتمع. وعلاقة الدين والدولة والسياسة. وعلاقة الخارج والداخل.. إلخ. بالتالي يتبين ضرر اختزال هذه الملفات وغيرها أو اختزال الديمقراطية في قضية السلطة فقط. لأن هذا الاختزال لا يطلق رسالة يصلح التقاطها واحترامها. ولا يطلق مساحة بين السلطة والمعارضة تكون ملكاً للأخيرة، وهي أحوج ما تكون إليها لتكبر فيها وتحمل مولوداً أفضل لشعبها!

§         عليه لئن كان هذا وزن مشكلة الاستبداد، فهو يطال من باب أولى وسيلة التغيير المعروضة لحلها. أي يتعين ضبط (التغيير) على إيقاع هذه المشكلة.. وصعوباتها.. ومتطلباتها الحقيقية.. بحيث يرقى إلى سويتها ويستجمع موارده ومقوماته السياسية والثقافية والاجتماعية.. إلى مستوى يوازي المشكلة ويحمل (جديداً) لمجتمعنا يتعدى الشعارات الرغبوية والتطهرية، ناهيك عن الانحطاط بهذا الشعار لما هو أقل وأدنى من اتجاهات ثأرية.. وحسابات فئوية.. وإجراءات وقتية.. ومراهنات خارجية وغيرها!

§         عليه فإن حل مشكلة الاستبداد يتطلب البدء من (احترام) هذه المشكلة في قوامها.. وقواعدها.. ومتطلباتها الحقيقية. أي إحاطة هذه العوامل بنظرة الجدية والمسؤولية التي تنأى عن الطفولية وتطيق إطلاق مناخ جديد تتفتح فيه ألف زهرة ومبادرة.. لأن هذا يعني احترام الحل الذي نرجوه لهذه المشكلة وهو التغيير المدني السلمي بكافة قواعده ومستلزماته وروافعه الحقيقية.. وربما قبل هذا احترام قيمته وغايته الأصلية وهي قيمة الفرد.. والمجتمع والكرامة الإنسانية!

.. لهذا يصح القول إن التغيير الديمقراطي هو جزء من عملية أوسع تخص التنمية البشرية ويتعين تحقيقه في سياقها، لأنها تشكل رهان مجتمعنا للخروج من الاستبداد والعطالة والتخلف إلى أزمنة العقلانية والديمقراطية والمسؤولية... ومن باب أولى فإن صدقية هذه المهمة تقع على عاتق القوى والأفراد الذين يتصدون لهذا التغيير قبل غيرهم!؟

§         إنني من هذه الزاوية أردت تقييم (إعلان دمشق) لمعرفة ما سقط منه (وربما ما ولد ميتاً منذ لحظته الأولى) و ما زال قابلاً للحياة من زاوية هدفه الأصلي ومستلزماته الحقيقية!

والواقع أن انتصار التجارب أو اندثارها لا تقرره كلمات أو شعارات تحمل مظهر التأييد الوقتي أو العاطفي. بل هو يكمن أولاً وأخيراً في صلب مقدماتها وأسبابها. أي في ضوء ما تحققه من مستلزمات لأهدافها. ومن انفتاح عميق على كل ما هو إيجابي وحقيقي لهذه المستلزمات، بما في هذا تمييز الغث والسمين، والجيد والرديء، من طرف التأييد والمعارضة، الاتفاق والاختلاف على السواء!

أكثر من هذا فإن علاقة النتائج بمقدماتها وأسبابها هي أشبه بعلاقة الصحة والمرض مع أسباب الحمى الأصلية. وما لم تدرك هذه الأسباب بصورة جيدة.. فسوف يبدو الانتصار حادثاً عرضياً يسهل التخلي عنه لأول جماعة من اللصوص. كما تبدو الهزيمة قدراً غيبياً يمتد عشرات ومئات السنين (ما لم تفضي لعواقب أوخم)... وأنا حتى اللحظة ما زلت أبحث هذه العواقب من منطلق حسن النية التي يدفعها إغراء (التغيير الديمقراطي) لإغفال مستلزماته الحقيقية، أو استبدالها بوسائل استعراضية تكون قيداً عليه أو تضيف مشكلة جديدة أمامه!؟

§         عليه ومع تأكيد انتمائي لهدف التغيير الديمقراطي. بل لكل ما يقف وراء (إعلان دمشق) من جهد وبشر وتضحية خالصة لهذا الهدف.. فإني أستميح هؤلاء التحفظ تجاه وسائل الإعلان بدءاً من كيان الإعلان ذاته التي شجعت انفلات النـزعات لجعله مرجعية مقدسة تنوب عن الواقع وتشكل بديلاً لحراكه، ووسيلة لتصنيفه بين خصوم وموالين، ومع الإعلان أو ضده.. عوضاً عن توجيه الجهد لتوحيد طاقاته ومعالجة ملفاته الحقيقية باعتباره أساس التغيير وأدواته معاً.. بل مصدر صدقيتها وقوتها ومرجعيتها الحقيقية!

ذلك أن الديمقراطية دعوة غير مسبوقة في مجتمعنا وهي تحتاج لوسائل تحقق صدقيتها. وإذا ما عرضت وسائل مشهودة بفسادها على مجتمع يعيش أسوأ حالات هشاشته وفقدان ثقته نتيجة الاستبداد.. فينبغي أن لا نتوقع مسارعته للالتفاف حول هذه الدعوة أو التضحية لأجلها!؟

.. وأنا لا أقول هذا عبثاً، لهذا أسجل عجبي، بل غضبي الشديد من قلة اهتمام أصحاب النوايا الحسنة بصحة وسائلهم ومخططاتهم. وبالأحرى عدم تدقيقها وتمحيصها جيداً قبل التجرؤ بإطلاقها على شعوبهم. لأن هذا يعني تقويض مهمة النخبة المنوط أن تكون عوناً لشعبها في توضيح أهدافه وتحفيز روافعه وحراكه الحقيقي، مقابل افتعال (نخبوية) مفقرة ثقافياً تدعي تمثيل المجتمع على طريقة الأحزاب القائدة. كما تفتعل هيئات وأحياناً فرساناً استعراضيين يدعون تغيير الواقع.. قبل أن يستطيعوا تغيير أنفسهم أو صون توافقاتهم نفسها التي ادعوا تماسكها بعيداً عن ساحتها الفعلية بحجة تحقيق التغيير العتيد!!

§         ومن الملفت أن التفاهمات التي تقوم على هذه الأرضية المحروقة، سرعان ما تحتاج لسلسلة لا نهاية لها من الشروح.. والتوضيحات.. والتفاهمات الجديدة التي لا يطيقها أصحابها أصلاً. مما يؤكد أن أحوج ما يحتاجه مجتمعنا والتغيير الديمقراطي أيضاً: هو طرائق.. وليس حقائق. أي ليس حفنة توافقات وقرارات وقتية (ولا حتى حفنة عقائد وإيديولوجيات مقدسة) بل بالأحرى "تكسيب" مجتمعنا –بما فيه المعارضة- طريقة جديدة في التعامل مع عالمه ومعتقداته واختلافاته معاً, طريقة تكسب احترامه وتشحذ همته للتعامل مع المشكلات والملفات جميعاً من خلال فضاء ورجاء جديد!

وسوف لا نمل من تأكيد أن هذه (الطريقة) هي وسيلة التنمية البشرية للتعامل مع الأهداف جميعاً من زاوية أسبابها ومقدماتها ومستلزماتها التي تحقق التجريب والتراكم  والرجوع عن الخطأ.. والتقدم للأمام، بعيداً عن الأمزجة الإيديولوجية واستقراء النوايا وإطلاق الأحكام التي لا تبشر بخير على الإطلاق!؟

ومن المؤسف أن الوسائل التي اتبعها (إعلان دمشق) لا تطيق كل هذا. بل سوف تدفعها أول صدمة أو خطوة تخطوها لانشطارات خطيرة تطعن تفاهماتها في الصميم. وسوف تستسهل إطلاق الأحكام والانقسامات بين اتجاهات وطنية وخارجية، وقومية وليبرالية، وحزبية ومستقلة.. إلخ، التي تعيد الحراك الوطني لمربع الصفر أو أقل!

وهكذا بدلاً من وضع الحصان أمام العربة. أي جعل الملفات جميعاً ملكية عامة للحراك الوطني ووسيلة لاتساعه. وبدلاً من تنمية اتجاه ليبرالي مستقل يعتز بميراثه الوطني ويكون جزءاً من الاتجاهات الأخرى مصهوراً بحوارات واسعة والتزامات عميقة لتحقيق الأهداف والمصالح الوطنية بعيداً عن الاستقطابات الأجنبية. وبدلاً من إطلاق حوار واسع لتأهيل الاتجاهات الأخرى دون استثناء وفقاً لقواعد الديمقراطية. وتطوير البنى الحزبية أيضاً لتأدية عملها بخطى تحميها هذه القواعد من مغبة التدابير الفاسدة وأتباعها الذين يلطخونها بالعار... أقول عوضاً عن كل هذا نشهد المسارعة للتعامل مع الانقسامات جميعاً بعين المفاجأة.. والمؤامرة.. والانحراف والتخوين الذي لا يستثني أحداً بل يلطخ عذرية الحراك السياسي (وهي مصدر مناعته وحصانته من الاعتداء).. بل يجعل أفراده يخسرون سحر تضحياتهم لصالح العنعنات والتدابير الصغيرة، وربما يجعل هذه التضحيات رصيداً لأجندات أخرى تتربص الوطن والديمقراطية على السواء!؟

الخلاصة

§         عليه يخطئ من يحسب هذا الحديث موجهاً لنيل شخص أو جماعة بعينها. بل هو موجه ضد طرائق وعادات تشكل نقيضاً لمستلزمات التغيير الديمقراطي.. ومن هذا المنطلق أردت القول إن التغيير الديمقراطي لحل مشكلة الاستبداد ليس قراراً رغبوياً أو يمكن تحقيقه بأي ثمن بل يتطلب مواجهة ملفات كثيرة تخص هذا الحل ومشكلته الأصلية على السواء!

§         أما وأن (إعلان دمشق) أحدث قفزته المعروفة قبل إنجاز هذه الملفات، أو تقنين طريقة لمعالجتها تحترم الديمقراطية وتكون رصيداً لها.

وكان هذا أفضى لانفجار هذه الملفات على رأس (الإعلان) مؤدياً لمشكلات جديدة ظهرت من رحم الإعلان مباشرة، وخلال مسيرته، ثم انتخاب مجلسه الأخير. وجميعها تترجم مشكلته الأصلية.. وهي طريقة تحضيره وتشكيل هيئاته وانتخاباته.. بالنيابة عن الشعب السوري. في حين أن هذا الشعب مغيّب أصلاً، وهو أحوج ما يكون لتحقيق حضوره و(فرش حصيرة) كافية لاستشارة أصواته الحية حول الإعلان المرجو وعناصره.. وعلى أن تكون هذه العملية عمومية وعلنية تحقق ظهور الإعلان والالتفاف حوله في كنفها وليس العكس!؟

وبما أن هذه العيوب تتعدى خسارة أحد الأحزاب مقعده في الانتخاب الأخير (نتيجة تدبير مسبق من اتجاه بعينه). لأن التدابير الفاسدة جميعاً هي مجرد فروع لمشكلة أصلية. وهي لا تخص اتجاهاً دون آخر، بل تخص طريقة فاسدة من قمة الرأس لأخمص القدمين. واستنكارها أو تفسيرها بفروع أخرى لا يحل المشكلة بل يضللنا عن أصلها وأسبابها التي يخص وزرها الجميع.. ويتطلب بالأحرى إطلاق ثورة ثقافية ضدها من طرف الجميع أيضاً!

§         في نفس الوقت فإن (إعلان دمشق) وضع العمل الوطني أمام مشكلة جديدة تنبغي معالجتها من منطلق يتعدى أتباع الإعلان بمفردهم، لأنها تخص مجمل ساحتنا ومستقبلها. وهذا يتطلب في اعتقادي دعوة أتباع الإعلان ليكونوا جزءاً في حل المشكلة الأصلية وليس جزءاً منها. بما في ذلك إشهارهم التخلي عن مرجعية هذا الإعلان وتداعياته.. وتقنين النظرة له كمجرد تجربة في تطور العمل الوطني. والانفتاح لإطلاق ما كان قد بدأه الحراك الوطني في عموم ساحتنا بالفعل من حوار حول مستلزمات التغيير، وحول مشروع الدولة الوطنية والمدنية الديمقراطية بأسرها!

... ذلك أن الوسائل جميعاً ليست مقدسة ولا أثمن من غايتها. بل لا يحق لأحد أن يطالب أية سلطة كانت بالتخلي عن وسائل تمتد شرعيتها مئات السنين، وتشكل ينبوعاً لا ينضب للكسب والجاه وسواه.. بينما يتردد لحظة واحدة في التخلي عن وسائل لم تحقق أية فضيلة، بل أثبتت خلوها من أثمن ما يملكه ويكبر فيه الوطنيون الديمقراطيون.. وهو رجاء شعبهم في الحرية والعدالة والتغيير الديمقراطي.

 

العدد : 12-13  تاريخ 2008 - 6                    مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية      مجلة غير دورية متخصصة  بالشأن السوري            

 

Damascus Center for Theoretical and Civil Rights Studies

adress: Varbarega   G101 tel&fax : 004619251237 organisationsnummer : 802433-2218
70351  Örebro -  Sweden E-mail :dccls@bredband.net kontomummer : 8452-5 , 903358349-4  - swedbank

الصفحة الرئيسية