محاولة لفهم أسباب الاعتقالات في سورية - شبلي شمايل 

 إعلان دمشق... آراء ومواقف

                                                     

عندما كان ينهال علي بالضرب كما يضرب نتاف الصوف فرشة قديمة، كنت أشعر بمحاولة الجلاد، رغم تواضع إمكانياته الذكائية، تحويلي إلى نكرة، إلى كائن خائف، إلى مجرد مركوب مضروب ذليل لكي يشعر بتفوق ما، بثقة في النفس لم يستحقها في الحياة في عمل شريف. وفي لحظة من الألم، شعرت أنني قد أصاب بشلل في الأعضاء وأن عمودي الفقري لم يعد قطعة واحدة. أحسست بقيمة الفرد الإنسان، وأن كل إنسان قصة حقيقية لوحده، وأن هذا الجلاد يمكن أن يحولني إلى مقعد مدى الحياة. لا أقول هذا بحثا عن تعاطف مع سجين سابق، وإنما لكي أطالب كل مواطن سوري بوقفة شرف وضمير مع فداء أكرم الحوراني وأكرم البني وأحمد طعمة، مع علي العبدالله وجبر الشوفي وياسر العيتي ووليد البني. مع فايز سارة ومحمد حجي درويش  ومروان العش.. مع عارف دليلة المعتقل المسن القابع في عدرا منذ أكثر من ست سنوات، مع أنور البني الذي كان محامي معتقلي عدرا، مع ميشيل كيلو الذي شارك في ولادات أساسية صنعت إعلان دمشق ولم ينل حقه كمعتقل والذي نرجو أن يعيده هذا العام لنا ليكون في قيادة الإعلان من جديد.

لماذا وقعت الاعتقالات الأخيرة، من المستفيد منها، وهل ستبقى الاعتقالات محورا مركزيا في العلاقة بين المعارضة والسلطة في سورية ؟ أظن أن من واجب المعارضة السياسية البحث عن جواب عن هذا السؤال، لكي تتمكن، عبر فهم ظاهرة ملموسة، من محاولة تقديم إجابات ملموسة عليها.

منذ انتصار الجيش نهائيا على حزب البعث في عام 1970، وتحول البعثي الموالي إلى "خدام" بمعنى الكلمة المجاز والحقيقي. بدون مبالغة سياسية ولا مزاودة كلامية، صارت أجهزة الأمن العسكري والسياسي في سورية في مركز القرار الشمولي، أي أن لها كلمتها في عقود الكومبرادور، في تقرير العداوات السياسية ولأسلوب التعامل معها، في التحكم بإدارة الدولة (التوظيف والترقية والطرد)، وأخيرا في الشراكة التجارية والسمسرة والبعثات العلمية إلى آخر ما يخطر على بال القارئ من صلاحيات صغيرة وكبيرة ذكرت يوما في صحيفة رسمية فأصبت بالدوار وأنا أقرأ حجم تفاصيل السلطة الأمنية في سورية.

كان حافظ الأسد القائد إلى الأبد، المرجع في كل شئ، حتى في زيارة معتقل أو السماح لزوجته خلسة بأن تراه في خلوة زوجية يتذكر فيها بأنه كائن بشري وليس مجرد كائن حي في قفص. يتدخل في الشوارد والموارد، يورط ضباط الأمن في صفقات ومسالك مشينة يشعرهم فيها بأنه صاحب الفضل دائما. وفي عهده ولد مصطلح المكرمة الرئاسية. لأنه شعر بالفرعنة على كل من يحيط به، فكيف على معارضة وصل عدد ضحاياها في السجن في 1982 إلى عشرين ألف دون مبالغة (بتقدير المختص المعروف بدقته هيثم مناع 18 ألف في 1985). وقتلى فاق عددهم 30 ألف بإحصاءات محايدة في وثائق حزبية داخلية. وقد حكم البلد بتوافق دولي أمريكي-سوفييتي، حيث تم تعويض الفتور مع أمريكا الناجم عن اتفاقيات كامب دافيد وعدم الثقة بالأسد في أيام الحرب العراقية-الإيرانية، قد تم التعويض عنه في معركة الكويت وإرسال جنود سوريين لضرب جنود عراقيين تحت القيادة الأمريكية، في حرب سمحت لأمريكا الصاعدة بحكم العالم منفردة قبل سقوط غورباتشوف والاتحاد السوفييتي.

استعاد الأسد الأب المبادرة وحاكم أكثر من 700 معتقل، وكنا نضحك ونحن نسمع من وراء القضبان تعليقات لمحللين أجانب يعتبرون وقوع المحاكمات بعد 15 سنة تحول سياسي هام في سورية الجديدة، سورية مدريد والنظام العالمي الجديد. خسرت سورية  في هذا الضجيج رئيسها السابق نور الدين الأتاسي بعد 22 سنة في السجن ولا محاكمة ولا هم يحزنون، ومن واجب عبد الحليم خدام، قبل أن يستعد لأية عودة للبلد، أن يخبر الناس عن ظروف وفاة القيادي صلاح جديد الذي قضى في سجن المزة أيضا.

الأمن أولا والأمن أخيرا كان سياسة الأب، وكان الأب يعلم أن هذا الأمن تحت السيطرة، وعندما يفقد السيطرة، كما حدث مع أخيه رفعت، يعطيه المال والنساء ويقول له إذهب من هنا. وعندما مات المستبد، بقي الجسم بلا رأس، فتحولت أجهزة الأمن لحيوانات مفترسة قادرة على فعل كل شئ. وفي حين انشغل المنظرون السياسيون في الحديث عن الحرس القديم والحرس الجديد، كان الطبيب الشاب يكتشف بأن من يحكم البلد ليس حزب البعث القومي العربي الذي قرأ عنه في المدرسة، وإنما أجهزة أمن متوغلة في كل خلية وشارع وحي ومدرسة، وإنهم يعرفون عن زوجته أكثر مما يعرف هو نفسه.

هذا الأمن، هو الذي أجهض ربيع دمشق، وهو الذي يحكم القصر وهو الذي شعر بأنفة بدوية يوم إعلان دمشق-بيروت بيروت-دمشق، وهو الذي يخوض معركة شرسة اليوم ضد كل المعارضين السياسيين، لأنه مقتنع، بأن دوره في أي محاولة إصلاح سيتراجع، وامتيازاته ستضرب. ومن واجب كل مناضل ديمقراطي اليوم، أن يضع هذه الحقيقة على السطح، من واجب المعارضة في الداخل تحضير قوائم بأسماء من ينتهك العرض السياسي لبلدنا، ومن واجب المعارضة في الخارج أن تضع هذه القوائم أمام منظمات حقوق الإنسان الدولية، ومطالبتها بمحاكمة كل عناصر الأمن الذين قتلوا ومارسوا التعذيب وأمروا بذلك. يجب الشروع في محاكمة أكثر من ضابط أمن يعيشون في أوربة اليوم، لمسؤوليتهم عن قتل رضا حداد ومضر الجندي وعشرات المناضلين الذين رفضوا العنف السياسي وكانت جريمتهم أنهم طالبوا بالحرية في سورية. لقد وعد بش ار الأسد أكثر من ضيف له بالإفراج عن المعتقلين، ورغم أن كل العالم سمع ذلك، فقد قالت له الأجهزة: "قعود على جنب".

هذا لا يعني أن السيد بشار ديمقراطي، لكن كأي حاكم لا يحب العزلة عن العالم، ويحبذ زيارة مسئول أجنبي من وقت لآخر. وبوده إشعار ضيوفه بأنه كوالده يحكم فعلا وغير محكوم من الأجهزة. لكنه للأسف غير قادر حتى على الإفراج عن فداء الحوراني.

من أجل هذا، لنترك الحديث في الحوار مع السلطة للمثاليين، ولنترك التعويل على العم بوش للحالمين، بل لنترك الحديث في دمشق عاصمة الثقافة قليلا، ولنوجه السهام حيث يجب أن تتوجه، إلى الجلادين الذين يريدون بث الرعب في صفوف الشعب، هؤلاء هم العدو الأول للديمقراطية اليوم، علينا أن نضعهم تحت المجهر، فخفافيش الليل يقتلها الضوء.

 

العدد : 12-13  تاريخ 2008 - 6                    مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية      مجلة غير دورية متخصصة  بالشأن السوري            

 

Damascus Center for Theoretical and Civil Rights Studies

adress: Varbarega   G101 tel&fax : 004619251237 organisationsnummer : 802433-2218
70351  Örebro -  Sweden E-mail :dccls@bredband.net kontomummer : 8452-5 , 903358349-4  - swedbank

الصفحة الرئيسية