إعلان دمشق في منعطف جديد - سلامة كيلة

 إعلان دمشق... آراء ومواقف

                                                     
 

انعقاد المجلس الوطني لإعلان دمشق شكّل انعطافة جديدة من الضروري التوقف عندها. فقد نجحت السياسة التي قامت على توسيع المجلس الوطني عبر ضم قطاع كبير من "المستقلين"، لتجاوز ما إعتبر مشكلة في الإعلان، ألا وهو الأحزاب (خصوصاً حزب الاتحاد الاشتراكي وحزب العمل الشيوعي). وجرى التعامل مع المجلس وكأنه مؤتمر حزب له صلاحيات انتخاب مكتب الأمانة، دون إلتفات إلى أن الإعلان هو تحالف أحزاب ومستقلين. وكان هذان العنصران يشيان بما يمكن أن يحدث في المجلس، لأن الصراعات التي تلت نشوء الإعلان كانت تشير إلى تناقض منطقين، وبالتالي سياستين. منطق/ سياسة تتمركز حول مقولة: استبداد/ ديمقراطية، أو كما تصاغ " الهدف الجامع الموحّد، الذي يتمثّل بالانتقال بالبلاد من حالة الاستبداد إلى نظام وطني ديمقراطي". وهو المنطق/ السياسة الذي يؤسس لتيار ليبرالي على العموم، لا يلتفت إلى الأخطار الخارجية بقدر تركيزه على الداخل، ويطرح تصوراً لبنية الدولة كدولة ديمقراطية دون التطرق لطبيعة اختياراتها الاقتصادية الاجتماعية، رغم أن ميول كتلته الأساسية تتحدَّد في الاقتناع بضرورة،بل وحتمية سيادة اقتصاد السوق، والاندماج بالعولمة. لهذا كان يرفض أي تلمس لمشكلات السياسات الإمبريالية، والأميركية خصوصاً في المنطقة، ويصر على حصر المسألة في نقطة وحيدة هي الديمقراطية. وهذا ما يظهر في برامج الأحزاب والتجمعات الممثلة لهذا الاتجاه (حزب الشعب الديمقراطي مثلاً).
والمنطق الآخر/السياسة الأخرى التي تحاول أن يتمحور التحالف حول أكثر من قضية رغم ميلها إلى اعتبار أن الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية هو الأولوية. وهذه القضايا هي التي ظهرت في التوضيح الذي صدر بعد تشكل الإعلان لامتصاص موجة النقد له من داخل بعض الأحزاب المشاركة (حزب العمل والاتحاد الاشتراكي) ومن طيف من اليساريين المستقلين. حيث جرت المطالبة بموقف واضح من المشروع الإمبريالي الأميركي، ومن مطالب الطبقات الشعبية، وكذلك من المسألة العربية، إضافة إلى مسألة الديمقراطية.
لهذا كان التوسيع وبهذه الصيغة هو المدخل لحسم هذا التناقض الذي كان يُحمّل مسؤولية شلل الإعلان، وعجزه عن التحرك والنشاط. الأمر الذي فرض إسقاط مرشحي كل من الاتحاد الاشتراكي وحزب العمل لمكتب الأمانة. وبالتالي بات الحزبان دون تمثيل في الهيئة القيادية الأهم، الأمر الذي يجعلهما بعيدين عن المساهمة في رسم سياسات الإعلان. وهو الأمر الذي لا يستقيم مع كون الإعلان هو عبارة عن تحالف. حيث بات يتحكم تيار واحد في تلك السياسة، هو ما يمكن أن نطلق عليه "التيار الليبرالي". بمعنى أن الإعلان بات يمثل هذا التيار بالتحديد ولم يعد تحالفاً بين تيارات. ولقد كانت الملاحظة حين تأسيسه أنه كذلك، وأن مشاركة الاتحاد الاشتراكي ثم حزب العمل كانت في غير موضعها، لأن الوثيقة الأساسية كانت تمثل هذا التيار الليبرالي (كأحزاب مثل حزب الشعب وحزب العمال، ولجان المجتمع المدني، والمستقلين، وحتى الإسلاميين).
وإذا كان هذان الحزبان (العمل والاتحاد الاشتراكي) قد ضغطا من أجل تعديل مسار الإعلان، عبر إصدار التوضيح الذي تناول مسائل أخرى تتعلق بالمطالب الشعبية وبالمشروع الإمبريالي وبالوطن العربي، فقد جرى اعتبار (من قبل أساسيين في الإعلان) أن التوضيح "خطوة إلى الوراء" يجب أن تزال. وبالتالي أن يزال كل المصرين عليها. وهو ما حدث في اجتماع المجلس الوطني. وما من شك في أن أخطاء هذين الحزبين في إدارة الصراع هو الذي أسهم في الوصول إلى هذه النتيجة، حيث سمحا بأن يضم المجلس أغلبية ساحقة من المستقلين من تيار محدد، كما وافقا على صيغة الانتخاب رغم أن التحالف لا يقوم على الانتخاب لأن كل الأحزاب المشاركة يجب أن تكون ممثلة في هيئة القيادة، لأن السياسة التي ترسم في أي تحالف هي توافق بين آراء مختلف الأحزاب، هي الحد الممكن التوافق عليه، وحين لا يكون ممكناً ذلك ينتفي التحالف. ولقد كان واضحاً أن المنطقين/ السياستين ليس من الممكن أن يتحالفا، وكانت أوهام البعض هي التي تغذي إمكانية أن يتحقق توافق.
حيث أن المتابع لوضع المعارضة في سورية يتلمس بأنها باتت تتخندق في سياستين مختلفتين (طبعاً ربما أكثر من ذلك أيضاً)، سياسة تعبّر عن تيار ليبرالي "ديمقراطي" (ولقد وضعت كلمة ديمقراطي بين مزدوجين لأن كتلته الأساسية ليست ديمقراطية رغم أن شعارها الأساسي هو الديمقراطية)، يعتقد بأن الهدف الوحيد الضروري هو "الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية" في إطار سيادة حرية السوق، وفي إطار علاقات دولية طبيعية مع "الغرب". وبالتالي إذا كان يطرح هدف الديمقراطية كهدف وحيد، إلا أنه يحمل مشروعاً متكاملاً، هو المشروع الليبرالي. وربما كان بعض من في هذا التيار يعتقدون بأن الانتقال إلى الديمقراطية هي خطوة أولى تفتح الأفق لإمكانية طرح الخيارات الأخرى التي تمثل الطبقات الشعبية. وهذه هي المحاججة التي طرحت منذ تفتق العقل المعارض عن هذا الشعار (أي الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية). لكن هذا الوهم سيسقط حين تحقق الانتقال، لأن كل آليات الانتقال (أي سواء وافقت السلطة التي باتت تمارس الخيار الليبرالي في الاقتصاد، أو تحقق التغيير وأصبح إعلان دمشق هو السلطة، أو جرى التغيير بفعل أميركي) سوف تفضي إلى فرض الليبرالية الاقتصادية على الضد من مطالب الطبقات الشعبية وعلى حسابها. ولاشك في أن الليبرالية الاقتصادية تتحقق في الواقع الآن، رغم أنها دون ديمقراطية. الأمر الذي يجعل طرح هدف الديمقراطية دون سياسة اقتصادية تمثل مصالح الطبقات الشعبية يصبّ في مشروع التيار الليبرالي. وبالتالي الديمقراطية وحدها ليست هدف كافٍ، ولا يمكنها أن تشكل رافعة للتغيير، ما دامت الطبقات الشعبية تعتبر بأن الأولوية هي لوضعها المعيشي بعد أن أصبحت تحت خط الفقر بدرجات. وليس من الممكن تحقيق التغيير بدونها، إلا في إطار مراهنات مرَضية على الخارج، أو على السلطة ذاتها.
السياسة الأخرى، وهي لازالت مشوشة ومتعثرة، نتيجة اختلاط المفاهيم وإرت الماضي، وربما مسائل أخرى، تقوم على تلمس ضرورة أن يجري التركيز على ثلاثة مستويات: الديمقراطية، والمشروع الإمبريالي، ومطالب الطبقات الشعبية، إضافة إلى الدور العربي لسورية وحل مشكلة الأقليات. رغم أن الخلافات في الإعلان تركزت على الموقف من "المشاريع الأميركية"، وكان وضع الطبقات الشعبية مهمشاً في هذه السياسة الأخرى.
لهذا يمكن اعتبار أن صيرورة الإعلان، والنتيجة التي وصل إليها في اجتماع المجلس الوطني، هي صيرورة تشكل التيار الليبرالي. والملفت هو أن هذه الصيرورة هي التي طردت الاتجاه الآخر، وليس وعي ذاك الاتجاه لاختلافاته مع التيار الليبرالي. أو توهمه على أنه قادر على لجمه، وفرض سياسة أخرى. ولقد ساعدت هذه الأوهام التيار الليبرالي، لأنها عززت من "قوته" نتيجة عدم انطلاقها من ضرورة الفرز منذ البدء، حيث كان من الطبيعي أن يتبلور هذا التيار في إطار المعارضة، وكان يمكن إيجاد سبل للتنسيق معه على قضايا هي مجال توافق، لكن الأوهام غيّبت إمكانية تبلور تيار آخر، هو التيار الوطني الديمقراطي الذي يمثل الطبقات الشعبية (وهو ما كنا قد حاولناه حين تأسيس "التيار الوطني الديمقراطي الاجتماعي)، ولم تحقق الفرز الذي كان ضرورياً لكي يستقيم وضع المعارضة، ولا تغرق في تناحرات مقيتة كما جرى داخل إعلان دمشق. ومن أجل توفير أشكال أخرى للتنسيق فيما بين التيارات. ولكي يبحث هذا التيار عن مرتكزاته بين الطبقات الشعبية التي بدا واضحاً أنها باتت تتململ نتيجة وضعها المعيشي الصعب.
إذن، أقرّ المجلس الوطني لإعلان دمشق وثيقة جديدة، وانتخب قيادة استبعدت قوى أساسية، وتشكل في صيغة هي أقرب إلى الحزب منها إلى الجبهة، ربما كانت تكرار للكتلة الوطنية، التي شكلت في حينها تيار. وإذا كانت الوثيقة قد خضعت للمساومة بين التيارين المشار إليهما، مما أدخل فيها ما لا يُعتبر من سياسات التيار الليبرالي، فقد حرصت على أن تكون "شلبنة" (إعادة صياغة محسنة) للوثيقة الأولى دون أن تحمل من التوضيح الذي صدر بعد ذلك سوى ظلال فقرتين هما: أن عملية التغيير التي يدعو إليها " تحصّن البلاد من خطر العدوان الصهيوني المدعوم من الإدارات الأمريكية والتدخّل العسكري الخارجي وتقف حاجزاً مانعاً أمام مشاريع الهيمنة والاحتلال وسياسات الحصار الاقتصادي وما تفرزه من تأثير على حياة المواطنين ومن توترات وانقسامات خطير"، و" سورية جزء من الوطن العربي". وربما بعض الإشارات إلى الوضع المعيشي في المقدمة دون أن يتحدد هدف يخصها. مما يجعل هذه المساومة غير مفهومة بعد أن أُبعد التيار الذي دفع باتجاه تضمينهما الوثيقة. وبالتالي ربما يكونا دون معنى، سوى ما يدخل في باب "المماحكات".
وإذا كانت هذه الخلافات في المعارضة واضحة منذ زمن، وكانت تفرض تشكيل تحالف آخر، فإن هذه النتيجة تفرض أن تدفع إلى تأسيس هذا التحالف. فقد نشأ وضع جديد في المعارضة يفرض أن يتشكل تحالف يضم القوى والشخصيات التي تسعى لتحقيق التغيير وفق برنامج ينطلق من مصالح الطبقات الشعبية، ويسعى لتأسيس نظام ديمقراطي علماني، ويتأسس على رفض هذه الطبقات للمشروع الإمبريالي الصهيوني ولسيطرة الليبرالية الجديدة، وكذلك على دور سورية في الإطار العربي.

مناقشة لسياسات جديدة - حول تصريحات رياض الترك الأخيرة

حينما تتهم السلطة المعارضين بالعمالة لجهات أجنبية فلأنها تريد تبرير الاعتقالات التي تقوم بها، رغم أنها هي من يسعى بكل السبل للحاق بالسياسات الأميركية. لهذا لاشك في ضرورة إدانة كل الاعتقالات والملاحقات التي حدثت منذ انعقاد المجلس الوطني لإعلان دمشق، وقبل ذلك طبعاً. هذه ملاحظة لكي يكون النقاش التالي واضحاً، ولكي يوضع في سياقه الصحيح، أي لكي لا يحمل الاتهامات كذلك كما نلاحظ ذلك ضد منتقدي الإعلان.
وأوضح مسبقاً بأنه في الصراع السياسي ليس من مكان للاتهام بالخيانة، لأن ذلك يقع خارج السياسة، يقع في دائرة القانون. لهذا يجب أن يجري تناول الخلافات في المعارضة السورية انطلاقاً من السياسي الطبقي (هذا التعبير الذي يستثير أعصاب أصحابنا الشيوعيين السابقين، لكنه أساسي وصحيح)، وإلا أصبح الحوار هو عبارة عن سجال شتائمي لا يؤسس لوعي ، أو لفكر، كما نعيش منذ عقود.
وبالتالي فحين ينتقد الأستاذ رياض الترك الذين يتهمون إعلان دمشق أو بعض أطرافه بالعمالة لأميركا، وهو محق في ذلك،عليه كذلك ألا يتهم أطراف أخرى في المعارضة، لأنها تهاجم أميركا، بأنها تفعل ذلك "خشية من النظام أو خدمة له". فهذه مثل تلك، والذي ينهى عن ممارسة لا يجب أن يمارسها.

ربما لأول مرة يرسم رياض الترك سياسة خارجية واضحة، تعبّر عن إعلان دمشق وعنه. وأقول أنها تعبّر عن إعلان دمشق لأن رياض ذاته يقول "نحن في تجمع إعلان دمشق"، ويكرر كلمة نحن في كل المسائل التي تتعلق بالسياسة. فقط حينما يتحدث عن رياض الترك يقول أنا، وهو الجانب المتعلق بالسؤال حول تغيير موقفه من الاشتراكية. لهذا سوف أعتبر أن ما يقوله باسم نحن، أنها سياسة إعلان دمشق، إضافة إلى أنها سياسته بالطبع. وما يشير إليه بأنا، بأنه يخصه هو كذات.
على مَ تقوم هذه السياسة؟
طبعاً سوف أعتمد على تصريحين لرياض الأولى لوكالة (آكي) الإيطالية مؤرخة في 21/12/2007. والثانية إلى خدمة القدس برس مؤرخة في 24/12/2007، وحاوره فيها عادل الحامدي. في هذين التصريحين استثارة لمسائل عديدة حساسة وهامة، وتوضّح الفروق بين السياسات في إطار المعارضة السورية، بل ربما تضعها في موقعين متعارضين تعارضاً عميقاً.
لن أحلل هنا خطأ (أو عدم خطأ) هذه المواقف، لكن سوف أحددها. حيث أنها تحدد سياسة ومصالح تعبّر عن فئات اجتماعية محددة. والتحديد هنا مهم لأنه تمييز، وبالتالي توضيح للفروق بين السياسات، قبل أن نحدد الاتفاق أو الاختلاف معها. طبعاً سوف يستثار، هنا، الشيوعيين السابقين، لأنني أستخدم مفهومات إعتبروا هم ذاتياً أنها تعبّر عن لغة "خشبية"، فأسقطوها من ذهنهم، وقرروا أن على الآخرين أن يسقطوها. هذه مشكلة هؤلاء السابقين، لكن من حقي أن أدرس المسائل من المنظور الذي أراه صحيحاً. وطبعاً أعرف أن رفض استخدام تلك المفهومات هو –في الغالب- من أجل تغطية السياسات الجديدة، المدرجة تحت عنوان العقلانية ومستجدات العصر، ولمعرفة هؤلاء بأن هذه المفهومات تؤسس لوعي طبيعة هذه السياسات الجديدة. لهذا يصابون بالعُصاب حينما أستخدمها، فليكن.
السياسات العربية والدولية:
يقول رياض في مقابلة مع (آكي) " ونحن في سورية شئنا أم أبينا لا نستطيع الخروج عن الصف العربي والمحيط العربي، وبمعنى آخر، إن التحالفات التي يعقدها النظام السوري مع إيران التي لها مشاكل كبيرة ومتعددة مع المجتمع الدولي، تشكل عبئاً لا يستطيع الشعب السوري أو النظام تحمله، ولا بد لسورية من العودة إلى الصف العربي، والبحث عن سياسة حكيمة قادرة على حل التناقضات بين سورية والمجتمع الدولي". هنا يحدد بأن النظام في سورية يجب أن يتحالف مع "الصف العربي"، أي مع نظم السعودية ومصر والأردن والعراق ...ألخ. وهذا ما يوضحه في مقابلته مع خدمة قدس برس، حيث يشير إلى النظام الذي أقام تحالفاً "مع إيران وأهمل دولاً عربية مثل مصر والأردن والسعودية". هذه مسألة أولى: التحالف مع "الصف العربي"، وبالتالي ليس مع المحيط العربي الذي يشمل الشعب.
ويكمل (مع آكي) "ونريد حلاً لأزماننا في إطار مصالحنا الوطنية والعربية، وحلاً بالحسنى في الإطار الإقليمي والدولي، يستند إلى مبادرة السلام العربية للوصول إلى سلام دائم وشامل وعادل". طبعاً هنا تحددت مصالحنا الوطنية والعربية في مبادرة السلام العربية، وبالتالي فهو ينطلق من وجود الدولة الصهيونية، ويدعو للتفاوض معها من أجل "استعادة الجولان" كما يقول في مقابلة قدس برس، وإقامة الدولة الفلسطينية على أراضي ما قبل 4 حزيران. وبالتالي العيش المشترك مع إسرائيل. أي إتباع سياسات النظم في كل من مصر والسعودية والأردن.
ثم يعتبر بأن النظام "عبء على محيطه العربي والإقليمي في لبنان والعراق وفلسطين"، أي كما يتردد بأن النظام يدعم المقاومة في العراق وفلسطين ولبنان. وبالتالي فهو ضد دعم المقاومة لأن في ذلك عبء على المحيط. طبعاً أوضح قبل أن أتهم مباشرة بأنني مع النظام (وهي تهمة جاهزة طبعاً) أن النظام يلعب بالأوراق ولا يدعم مقاومة، وأنه سبب المشكلة في لبنان، لكنه ليس هو الوحيد الذي يسببها. ولسوف يتوضّح تالياً رأيي بشكل أشمل.
وأيضاً "لا بد من سياسة جديدة لسورية تقوم بجوهرها على الأخذ بعين الاعتبار الوضع الدولي والإقليمي". طبعاً النظام لم يستطع فعل ذلك فسقط في ممارسات زادت من مشكلاته. لكن أنا المعارض هل يجب أن أطبق السياسة التي لم يطبقها النظام؟ وبالتالي بأي معنى يجب أن نأخذ الوضع الدولي والإقليمي بعين الاعتبار؟ أمن أجل مواجهة الأخطار التي يسببها أم من أجل التكيف مع سياساته، مع ميله العام؟
ويختم في مقابلته مع (آكي) بتوجيه نداء "إلى جميع القوى الخيرة ومنظمات المجتمع المدني ومنظمة الأمم المتحدة والجامعة العربية، والدول الحريصة على أن تخرج منطقة الشرق الأوسط من قائمة البؤر المتوترة، العمل على حل التناقضات الداخلية والإقليمية والدولية بالحسنى، وأن تتجه الجهود الدولية لإيجاد حل بعد أنابوليس للقضية الفلسطينية قائم على إقامة الدولة الفلسطينية على أراضي ما قبل 4حزيران ... وإشراك كافة القوى العراقية في رسم مصير بلدهم، ثم العمل على خروج الاحتلال من العراق ..". مَنْ يحل هذه المشاكل، "المجتمع الدولي" أم نحن؟ أليس كل ذلك ركون لدور تلك القوى من أجل أن تحل هي المشاكل؟ وبالتالي أليس حرياً بنا أن نطرح نحن حلاً لهذه المشاكل بدلاً منهم؟ أم أن الأمور لا تسير دون "تدخل دولي"؟ ورياض هنا يدعوها إلى "العمل على" وليس المساعدة في حل، والفرق كبير بين هذه وتلك.
هذه هي السياسة التي يقدمها رياض: التوافق مع سياسات النظم في السعودية والأردن ومصر، وحل الصراع العربي الصهيوني على أساس المبادرة العربية (التي وافق عليها النظام السوري)، وعدم دعم المقاومة في العراق وفلسطين ولبنان، ودعوة "القوى الخيرة" للعمل على حل مشاكلنا.
بوش، الإنسان والإمبريالية الأميركية:
في المقابلة مع (آكي) رسم رياض السياسة، لكنه في المقابلة مع خدمة قدس برس عمّق المسائل، دخل في العمق. وبالتالي فهي تحتاج إلى تحليل، أكثر من السرد والتحديد الذي قمنا به قبلاً. رغم أن هذه المقابلة تحوي تحديداً يوضّح أكثر ما جاء في مقابلة (آكي).
أولاً، يرحب رياض بتصريح لبوش حول الاعتقالات الأخيرة التي قام بها النظام ضد عدد ممن حضر اجتماع المجلس الوطني لإعلان دمشق، ويكمل "بغض النظر عن قائله، إن كان جاداً أو تأثر بهذه الاعتقالات، لأنه قام بعمل إنساني نبيل". ويكرر الشكر أكثر من مرة. لكن هل يمكن أن نفصل بوش "الإنسان" عن بوش المصالح؟ وهل أن إنسانيته هي التي دفعته إلى ذلك أم هي السياسة المتبعة تجاه سورية والمبنية على المصالح، ورؤية السيطرة على المنطقة؟ رياض يحاول أن يوهمنا بأنه يقوم بفصل الإنسان (بوش) عن مصالحه، وبالتالي عن مصالح أميركا. رياض هنا ينطلق من تجريد الإنسان، الإنسان المجرد. الخالص من المصالح والأهداف، والذي تدفعه إنسانيته المجردة إلى (فعل الخير). لكن ليس من إنسان مجرد في الواقع، الإنسان واقعي، وبالتالي فهو محكوم بالمصالح، محكوم بسياسات محددة. ولأن ليس من إنسان مجرد يتحوّل شكر بوش إلى تحديد، حيث "من هنا نفهم معنى التعاون مع أناس يريدون بناء مجتمع ديمقراطي". لهذا يصبح الإنسان المجرد هو إنسان ديمقراطي يمكن التعاون معه.
بوش ليس إنساناً مجرداً، إنه رئيس الولايات المتحدة، وزعيم عصابة المحافظين الجدد، والمنفذ لسياسات الشركات الاحتكارية. وهو يعرف بصفاته هذه، وبالتالي باندفاعه لتنفيذ السياسات التي تبلورت بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، والمعبّرة عن ميل الرأسمال الأميركي للسيطرة على العالم، بالقوة وليس بأية صيغة أخرى. هذا ما يجري في الواقع، ونراه يومياً دون تزويق. يمكن أن يقال أن هذه سياسة صحيحة وخيرة، لكن ليس من الممكن إنكارها. ومعروف أن تحقيق التغيير في سورية مطروح على أجندة إدارته منذ ما قبل الحادي عشر من سبتمبر 2001، ومطروح أنها "الهدف التالي" في قائمة بيرل المشهورة بعد العراق (هي أو إيران كما ورد آنئذ). وهي السياسة التي لم يتراجع عنها بوش رغم الأزمة التي يعانيها في العراق، على العكس فهو مندفع إلى الحرب ضد إيران، ويحشد الجيوش، ويكتل "الصف العربي" في حلف المعتدلين (مع الدولة الصهيونية). هل هذه سياسة سرية؟ أميركا اليوم تمارس السرية في العلن، تقول ما تريد أن تفعله، وهي تقول كل ذلك.
لهذا من الطبيعي أن يركز بوش على سورية الآن، وأن يؤكد بأن صبره قد نفد من النظام. لكن هل أن كل ذلك هو في خدمة الشعب السوري؟ بالطبع أميركا ليست جمعية خيرية كما قال بوش ذاته.
إذن، لماذا هذا الإيهام بأن تصريح بوش هو عمل إنساني نبيل؟ إنه تصريح محسوب ضمن سياسة واضحة، ربما نلمسها في الأيام القادمة. هل يجهل رياض هذه الألف باء؟ أم أنه يعتبر بأنه يمارس التكتيك الأشد ذكاءً، والذي هو أهم من هذه الألف باء؟
يكمل رياض بأن تضامن قوى الخير مع قوى إعلان دمشق يساعدهم على إنجاح مشروعهم، فيسأل المحاور "هل أميركا قوة خير؟"، يجيب رياض "أنت تكون جاحداً إذا جاءك إنسان وساعدك على التخلص مما تعانيه ثم تقول له إذهب عني". ربما كان هذا الجواب هو التفاف على السؤال، لكنه يؤكد القبول بالمساعدة من أميركا، ومن بوش الإنسان. أميركا إذن باتت هي من "قوى الخير"، وهذه مسألة جديرة بالتأمل.
طبعاً يشير رياض إلى الاختلاف مع أميركا، لاشك في ذلك. فهو يرحب بالتصريح "بصرف النظر عن السياسة الأميركية في المنطقة التي جانبت مسألة الديمقراطية" في السبعينات كما يشير في مكان آخر. ويقول بأن كلامه هذا "لا تعني أننا نؤيد سياسات أميركا في الشرق الأوسط، فنحن ندرك أن سياساتها لم تكن في صالح شعوبنا، ولم تكن بوارد الضغط على إسرائيل ومساعدة الفلسطينيين لإقامة دولتهم المستقلة". ويؤكد "نحن نختلف مع أميركا في سياساتها تجاه العراق وأفغانستان، رغم أنهم أزالوا نظاماً سقيماً عن الشعب العراقي". الاختلاف إذن مع سياسات، وبالتالي فالنظر هنا ينطلق من الأرضية ذاتها، كما تفعل النظم في السعودية ومصر والأردن، التي قال قبلاً بالتوافق مع سياساتها.
ثم هل هذه سياسات أم أنها نتاج مصالح؟ هل عدم الضغط على إسرائيل هو سياسة أم نتيجة عمق العلاقة بينهما، هذه العلاقة التي جعلت من الدولة الصهيونية أداة عسكرية للهيمنة على الوطن العربي؟ إذن لماذا تضغط أميركا وهي تسعى لتطوير قوة الدولة الصهيونية، وتكرس توسعيتها؟ طبعاً سيقول "المجددون" هذا كلام "عفا عليه الزمن". ليكن، لكن يجب أن يكون واضحاً أن هذه هي السياسة الممارسة. أن لا يخافوا من سياستهم التي يطرحونها.
السياسة الأميركية تنطلق من مصالح أميركا، وبالتالي فهي تسعى للسيطرة والتوسع والاحتلال. وهنا المسألة ليست مسألة اختلاف بل مسألة تناقض. المختلف في هذه المعادلة هو من يقبل الأرضية المشتركة، أي التكيف مع الهيمنة الرأسمالية، لكنه يرى أن "القسمة" ليست عادلة. لكن الأرضية التي تفرضها الرأسمالية هي في تناقض مع مصالح مجتمعنا.
وهل نسمي الاحتلال "إزالة نظام سقيم"؟ هل يمكن ابتسار المسألة إلى هذا الحد؟ أميركا احتلت العراق، ولم يكن الهدف هو إزالة هذا النظام السقيم، بل من أجل النفط. ولو تكلف رياض عناء قراءة بعض ممن يصدر عن كبار مسؤولي الإدارة الأميركية الحالية المتقاعدين لعرف أن تفكير الإدارة لم يكن منصباً على هذه الزاوية، فقد تحالفت معه سنوات، بل كان من أجل النفط والنهب والسيطرة. لماذا إذن هذه الرقة تجاه السياسة الأميركية؟ وهم؟ قصور وعي؟
وبالتالي يمكن أن نقول بأن الموقف من أميركا ينطلق ليس من تناقض عميق معها، بل من اختلاف في السياسات. طبعاً هذا من حق رياض وإعلان دمشق الذي يتحدث باسمه. ولكن تحديد هذه المسألة مهم في السياسة، لأنها تحدد الموقع الطبقي، أو بشكل أدق الميل الطبقي.
ما هو دور "الخارج"؟ ماذا يُطلب من بوش؟ يقول رياض بعد ترحيبه في تصريح بوش "أتمنى أن تنعكس هذه على سياساته تجاه شعبنا"، ويكمل "من هنا نفهم معنى التعاون مع أناس يريدون بناء مجتمع ديمقراطي"، و"أدعو أن يكون جوهر تدخله في المنطقة مساعدة الحركات الديمقراطية لتصبح قوة داخلية للتغيير الديمقراطي". و"إذا استطعنا أن ننال دعماً سياسياً من المجتمع الدولي ومؤسساته في سياق نضالنا من أجل الديمقراطية فإن هذا سيقوي معنويات مجتمعنا في مواجهة الاستبداد". إذن، المطلوب هو التعاون والمساعدة والدعم من "أناس يريدون بناء مجتمع ديمقراطي" مثل بوش.
واضح من النص بأن التعويل على الخارج في تحقيق التغيير كبير. لا يعني ذلك أن المراهنة تقوم على التدخل العسكري كما حدث في العراق، فالإعلان يرفض ذلك، لكن هناك أساليب أخرى. لكن المهم هنا هو أن هناك تعويل كبير على هذا الخارج، وعلى أميركا. بمعنى أن التغيير لا يتحقق إلا بالاعتماد على الضغط الخارجي (بالأشكال غير العسكرية على الأقل). حتى حينما يجري التطرق إلى المجتمع يجري الربط بين معنوياته في مواجهة الاستبداد والدعم الدولي، وليس نتيجة مفاعيل داخلية بالأساس، عبر الدفع نحو تطوير الحراك المجتمعي. أي ليس هناك مراهنة على الشعب. ولا يعني ذلك أنني أقول بالمراهنة على التغيير من الخارج، فالإعلان يرفض ذلك كما أشرت، لكن المراهنة على الضغط الخارجي هي أساس تحقيق التحويل الداخلي، وليس حركة الشعب، ليس النشاط الجماهيري، والاضرابات والمظاهرات ...ألخ، فهذه كلها غير ممكنة في ظل الاستبداد كما ينطلق رهط الإعلان عموماً، وبالتالي يجب إزالة الاستبداد أولاً، إذن كيف؟ كيف إذا لم يكن الضغط الخارجي؟ فالمعادلة التي تسكن في وعي جزء كبير من المعارضة هي أن الاستبداد يمكن النشاط، وبالتالي يجهض التغيير عبر النشاط الشعبي، إذن يجب أن نتعلق بحبال المراهنة على الضغط التي تفرض على النظام "فسحة ديمقراطية"، أو حتى تغيره. لكن حينها هل سيقوم نظام ديمقراطي يسمح بالحراك الشعبي؟ هنا الخارج يفرض صيغته، ولقد باتت واضحة بعد العراق.
يبرر رياض كل هذا الاعتماد على الدعم والمساعدة بالتالي" فـ "نحن نعتقد أننا في عصر لم نعد نستطيع فيه أن نبتعد عن المجتمع الدولي (متى كان من الممكن أن نبتعد عن المجتمع الدولي؟ -س) وننعزل في جزيرة لا نتعاطى مع مؤثرات الخارج (وهل تطرح المسألة بهذا الشكل؟ -س) فالداخل والخارج مترابطان. هذه حكمة التاريخ. لكن المسألة الأساسية هي أن العلاقة مع الخارج لا بد أن تنطلق من الداخل. ونحن نعتقد أن مصلحة بلادنا في الظروف الحالية أن نتخلص من نظام مستبد فاسد". ويمكن أن أكمل الجملة بالتالي: "من أجل التوافق مع الخارج".
كل هذا اللغط واللغو حول "لم نعد نستطيع أن نبتعد وأن ننعزل" لا معنى له، لأنه ليس من الممكن أصلاً الابتعاد أو الانعزال، فالتأثير قائم في كل الأحوال. لكن المسألة الأساسية هنا هي، هل نتكيف مع الخارج المسيطر، أو نكون ضده؟ أن نندغم في السياسات التي يفرضها أو نواجهها؟ كل هذا اللغو يهدف إلى إخفاء هذا التحديد، أو إعطاء جواب ملتو يقول بالتكيف مع القوى المسيطرة عالمياً (لكي لا ننعزل)، وإلا لم يكن بحاجة إلى كل هذا اللف والدوران. فهذه هي "السياسة العقلانية"، أي أن نقبل بالأمر الواقع، أن نتبع القوى المهيمنة في كل عصر. كان الاتحاد السوفييتي، والآن أميركا. وهذه السياسة التي ينبني عليها كل الهجوم على اللغة الخشبية، والأفكار القديمة ... ألخ من الجمل التي تعدم كل الأفكار السابقة، كل النضال السابق تحت شعارات العقلانية ومستجدات العصر.
لكن بماذا تختلف هذه السياسة عن سياسة النظام؟
ربما يفاجئ هذا السؤال. فالتأكيد على توافقها مع السياسات السائدة يجعلها تبدو مناقضة لسياسة النظام. لكن بعض التدقيق يوصل إلى نتيجة. حيث أن فهم طبيعة الاختلاف بين الدولة الأميركية والنظام يكشف هذا السر. حيث لم يكن النظام في يوم من الأيام خارج "الصف العربي"، ولم يشذ عن النظم العربية في علاقته مع الولايات المتحدة. الذي إختلف هو أن نظرة الدولة الأميركية إلى المنطقة هي التي إختلفت. أو بشكل أدق، أن رؤية هذه الدولة لدوام السيطرة على المنطقة إختلفت. ولهذا طرحت إستراتيجية إعادة صياغة المنطقة. وكانت إعادة الصياغة هذه تفترض شطب النظام العراقي، والسوري والإيراني. والتغيير هنا لم يكن يعني الإتيان بنظم ديمقراطية، بل يعني تفكيك الدول تحت شعار الديمقراطية، القائمة على أسس طائفية وإثنية، والتي تحوّل المجتمعات إلى كتل طائفية متناقضة، عليها أن تتوافق على تقاسم السلطة. وفي إطار فيدرالي يفتح على التقسيم.
فكيف ستقبل السلطة أن تُشطب؟ رغم أن المدقق في تكوين "نخبة" السلطة، أو "الرأسمالية الجديدة" يلحظ ميلها الشديد إلى التكيف مع السياسات الأميركية وليس التناقض معها، وهي تحاول وتكرر المحاولة للتفاهم. لهذا تبدو المشكلة ليس في سياسة النظام التي يمكن أن تتكيف مع السياسة الأميركية فيما لو ضمنت استمراريتها، بل في كيف يمكن التوفيق بين أن يتغير شكل السلطة، من سلطة مركزية استبدادية إلى سلطة هشة واستبدادية كذلك، وشكلية هي تجميع لمافيات طوائف. ولهذا فإن الرأسمالية الجديدة لا تختلف مع كل ما قاله رياض، أليس مفاجئاً ذلك؟
إن النظر انطلاقاً من المصالح يوصل إلى ذلك، لهذا يغطى الصراع مع السلطة بالحديث عن الاستبداد فقط. السلطة ليست مستبدة فقط، ولا فاسدة فحسب، بل إنها تمثل مصالح "رأسمالية جديدة" نهبت الطبقات الشعبية وأفقرتها، خصوصاً منذ بدء سياسة الخصخصة وتعميم اقتصاد السوق، الذي تسارع في السنة الأخيرة بوتيرة عالية.
وإذا حاولنا تحليل التناقض القائم، وقيام "معارضة" وسلطة على ذات الأرضية الطبقية السياسية، سنلمس بأن سيطرة "الرأسمالية الجديدة" على السلطة في شكلها الاستبدادي يجعلها تستأثر هي وحدها بالرأسمال المتراكم، وتستولي عن رأسمال "القطاع العام"، لهذا لا تجد الشرائح الرأسمالية الأخرى (القديمة) مخرجاً إلا بإزالة الشكل الاستبدادي للسلطة، من أجل تحقيق "تكافؤ" في التنافس، وبالتالي تقسيم أفضل للرأسمال المتراكم. لكن هذه الشرائح لا تستطيع الحراك خوفاً على مصالحها، وهذا المطروح هو الذي يعبر عنها بالضبط. لكن ليس كنقيض للرأسمالية الجديدة بل ربما بالتشارك معاً في ظل معادلة مختلفة. إذن، هذا هو الدور الذي يحاوله التيار الليبرالي الذي تبلور في "إعلان دمشق". وهو الذي جعل كثير من مكوناته تعيش لحظات وجد تجاه البرجوازية التقليدية وتنتظر دعمها.
وبالتالي يمكن الاستنتاج بأن كل هذا الصراع سوف يكون من أجل إعادة صياغة العلاقة بين شرائح الرأسمالية الجديدة والقديمة، في ظل سلطة "مرنة"، أو هشة، أو مفككة، على أسس طائفية انطلاقاً من مفهوم "الديمقراطية التوافقية"، ومن الفيدرالية. وهو ما تعمل على أساسه الدولة الأميركية، والتي بدعمها ومساعدتها، وضمانها ترتيب التحالف بين تلك الشرائح، تستطيع أن تفرضه. حيث أن إعادة الصياغة هذه تتحقق في بوتقة التكيف مع "النمط الأميركي".
السياسة العقلانية:
طبعاً يؤكد رياض على أن هذه السياسة هي "سياسة عقلانية". هل هي فعلاً سياسة عقلانية؟ بالتأكيد هي كذلك من منظور رياض والشرائح التي بات يعبّر عنها، كما هي السياسة ذاتها عقلانية للطبقات الحاكمة في مصر والسعودية والأردن ....ألخ، وكل الفئات الحاكمة العربية. فهي تقوم على التكيف مع "المجتمع الدولي"، وهو الاسم المعطى للنظام الإمبريالي المهيمن.
لكنها بالتأكيد ليست سياسة عقلانية لكل الطبقات الشعبية التي باتت تحت خط الفقر بدرجات، وبات بعضها ينشط للدفاع عن وجوده، كما يفعل العمال والفلاحون في مصر، أو تفعل جماهير الفقراء في المغرب والأردن واليمن، وكما بدأ يتبلور في سورية كذلك.
بالنسبة لهؤلاء هذه السياسة هي سياسة كارثية، سوف تزيدهم فقراً وبؤساً من جهة، وهي سياسة تتجاهل الخطر الأميركي الذي تلمسه تلك الطبقات بإحساسها عبر ما ترى في العراق، وتتجاهل (أو لا تريد أن تعرف) أن هذه السياسة تمس بالقضية العربية كلها. إنها السياسة التي تفضي إلى قهر الطبقات الشعبية، وتودي إلى فقرها وإغراقها في الفوضى والقتل والتهجير.
إنها سياسة عقلانية لذاتها، ولكنها ليست عقلانية لتلك الطبقات التي هي وحدها صانعة التغيير.
ولقد هجر كثير من الشيوعيين الحديث عن تلك الطبقات منذ انهيار النظم الاشتراكية، ولم يجدوا سوى هذه "السياسة العقلانية" لكي ينظروا لها ويدافعوا عنها. معتبرين أنهم "تطورا"، "جددوا" فكرهم، رغم أنهم لم يفعلوا سوى تكرار سياسات الرأسمالية التابعة التي ظلت تكررها منذ عقود لأنها في صلب مصالحها. إنهم هنا لا يطورون فكرهم، بل يتحوّلون طبقياً. ولهذا يقدمون "فقراً" رثاً.
عن الماركسية والشيوعية:
يستثار رياض حينما يسأل عن تركه الماركسية والشيوعية، فيستعيد خطابه القديم بكل دقته، وهو خطاب الحركة الشيوعية سنوات الأربعينات والخمسينات إلى أواسط الستينات، والمعبّر عن وعيها آنئذ. ورياض هنا يستعيد حتى الكلمات ذاتها، مثل حياة ديمقراطية سليمة التي كان يكررها الرفيق خالد بكداش، وأيضاً كلمات الاحتلال الأجنبي. لهذا سوف أناقش هنا وعي الحركة الشيوعية عبر الرفيق رياض الترك، لأصل معه إلى أنه لم يتغير، لكن فقط كوعي، والى حدود كسياسات، ولكن في صيغة أكثر رداءة مما كانت آنئذ. إنه حقيقة لم يتغير، لكن الحامل الاجتماعي الذي يعتمد عليه هو الذي تغير نتيجة مصالحه، وبالتالي فقد غير رياض الحامل الدولي تبعاً لارتباط الحامل الاجتماعي المحلي، وأقصد الرأسمالية المحلية، به.

حيث أن الفكرة الجوهرية التي اخترقت هذا العقل هي أن تجاوز الإقطاع (ورياض يشير إلى مواجهة ماركس للإقطاع، رغم أن ماركس واجه الرأسمالية وأسس سياسة بديلة لها، وفقط في ألمانيا كان يواجه الإقطاع. بمعنى أن نظريته إنبنت على مواجهة الرأسمال) يقوم على دور البرجوازية التي هي وحدها التي تحقق الحرية بمعناها العام. والتي كانت تتحدد في نظام ديمقراطي وحياة ديمقراطية سليمة، في ظل سيادة الملكية الخاصة (أي نظام رأسمالي). وهو ما جرى تحديده في المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي السوري اللبناني المنعقد نهاية سنة 1943 وبداية سنة 1944. وهذه هي الروحية العامة لما يطرحه رياض اليوم، لكن بالتوافق مع "المتغيرات العالمية"، هذه المتغيرات التي جعلت الشكل الجديد هو كاريكاتور الشكل القديم. وبالتالي فإذا كان الشكل القديم خاطئاً فإن هذا الشكل هو أكثر من ذلك، هو شكل مدمر. ولقد لا حظنا فيما سبق كيف تبدى ذلك.
المدخل النظري لرياض هو هنا الحرية وماركس. بمعنى أن المفصل الأساسي الذي ينطلق منه هو أن البلد "لا زال بلداً متخلفاً، والاستبداد زادنا تخلفاً، والمستعمرون لا يريدون لنا أن نتقدم ( طبعاً هذا ما كان يقال آنئذ) وجوهر التقدم لا ينطلق إلا من الحرية". وبهذا المعنى هو يفهم الليبرالية كما يشير، وأيضاً يفهم ماركس "الذي كان متمرداً على الإقطاع، كان يطالب بالحرية، لذلك لا بد علينا أن نفهم جوهر مبادئه". الحرية التي تعني أن "تنتظم الحياة على نحو أفضل". هذه الكلمات البسيطة تعبّر عن عمق وعي الحركة الشيوعية منذ نهاية ثلاثينات القرن العشرين إلى أواسط ستيناته، والتي ظل رياض الترك يحملها بعد أن غيّر الآخرون (وليس بالضرورة بالاتجاه الصحيح)، وهي تنطلق من فهم مجرّد للحرية، الحرية المطروحة في مواجهة الإقطاع، والتي كانت البرجوازية الناشئة في أوروبا تعطيها معنى العمومية، وتتقصد التجريد/العمومية فيها، لإخفاء مصالحها الخاصة كطبقة جديدة صاعدة، مثل كلمات المساواة والعدالة، التي ظلت مجردة، وحين مورست أفضت إلى عكسها، وماركس يشرح ذلك بالتفصيل.
لكن ماركس، الذي يستند عليه رياض، بدأ من نقد هذا المفهوم للحرية، نقد الحرية المجردة، وربطها بمصالح الطبقات، وبالتالي لم يرَ حرية عامة دون تحديد طبقي. ولهذا ربطها بمشروع طبقي اقتصادي اجتماعي سياسي. والذي يعود إلى كتاباته الأولى يلحظ هذه المسألة بدقة. فكتابه "حول المسألة اليهودية" يتطرق إلى هذا الموضوع، حيث يرفض الاكتفاء بالتحرر السياسي، لهذا يطالب بالتحرر الإنساني، هذا التعبير الذي أوصله إلى الاشتراكية. لهذا حمل أهداف الديمقراطية لكن في إطار مشروع الطبقة العاملة، وبالتالي تناقض مع الليبرالية هنا، لأنه طرح تجاوز الرأسمالية نحو الاشتراكية، أي طرحها ضمن سلطة طبقة غير الطبقة الرأسمالية.
وبالتالي لا يكفي الحديث عن "الأخذ بيد الطبقات الفقيرة" و"العدالة الاجتماعية" هنا، لأن البرجوازية تطرح ذلك. الأساس هو ما هو مشروع الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء الذي يجب أن يصيغه الماركسيون؟
ولاشك في أن تجريد الحرية الذي كان يطرح آنئذ، والذي لازال رياض يطرحه، يتضمن الليبرالية الاقتصادية وسلطة الرأسمالية مع الحريات العامة. هذا ما كان يقول به خالد بكداش بالضبط.
إن هذا الفهم العمومي لماركس، الذي حوّله في الحقيقة إلى ليبرالي، والمنطلق من أنه كان يطرح الحرية ضد الإقطاع فطلاق طاقات التطور، الذي هو بالضرورة رأسمالي، هو الذي حكم الحركة الشيوعية، ولازال يحكم رياض. لكن ميزة رياض أنه يكيّف هذا الفهم مع "مستجدات العصر" و "المتغيرات العالمية" تحت شعار "السياسة العقلانية". وهذا طبيعي مادام يرسم أفق التطور مرتبطاً بدور الرأسمالية، ولهذا فهو يتوافق مع سياساتها (أو يطرح برنامجها). وهي الآن معنية بأن تكون "برغي" في عجلة الرأسمالية العالمية، لهذا تنشط في القطاع الاقتصادي "المسموح به"، أي في التجارة والخدمات والمال. وبالتالي فهي معنية بالتكيف مع السياسات والمصالح الرأسمالية العامة، لأنها باتت تطابق مصالحها.
وإذا كانت السياسة القديمة للحركة الشيوعية، التي كان يتبناها رياض، مبنية على دعم "الاتحاد السوفييتي الصديق"، وكل القوى الخيرة في العالم، أي قوى السلم والاشتراكية، فإن رياض هنا يتحول إلى "القوى الخيرة" الجديدة، للمساعدة والتعاون من أجل توفير شروط النهضة "لبلداننا كي تلتحق بالركب الحضاري".
وبالتالي فهو كما يقول: "لم أغيّر فكري"، أي أنه لم يغيّر طريقة تفكيره، لازال يفكر في العقل ذاته، لم يجدد ولم يحدّث منظومته الفكرية. بدّل في السياسة فقط. وهذا من طبيعة هذه المنظومة الفكرية التي تنقلب عادة من حد إلى الحد المعاكس، لأنها ترى كل شيء وفق حدين متناقضين، ولا ترى أكثر من ذلك. إنه العقل الأحادي المزروع في وعينا منذ القرون القديمة، والذي لم نستطع التخلص منه. هذا هو العقل "الشيوعي" الذي يجب نقده وتفكيكه من أجل تجاوزه، لكي يكون ممكناً أن تتأسس سياسة تعبّر حقيقة عن الفقراء.

 

العدد : 12-13  تاريخ 2008 - 6                    مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية      مجلة غير دورية متخصصة  بالشأن السوري            

 

Damascus Center for Theoretical and Civil Rights Studies

adress: Varbarega   G101 tel&fax : 004619251237 organisationsnummer : 802433-2218
70351  Örebro -  Sweden E-mail :dccls@bredband.net kontomummer : 8452-5 , 903358349-4  - swedbank

الصفحة الرئيسية