اختبار السياسة في سجالات ما بعد المجلس الوطني - جلال نوفل

 إعلان دمشق... آراء ومواقف

                                                   

(السياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح لدنيوية ودفع المضار)

                                                       ابن خلدون

ربما تكمن الأهمية الرئيسية لإعلان دمشق في جمعه أطرافاً سياسية طالما "تنابزوا بالألقاب" من عرب وكرد, ويمين ويسار...., وربما بذلك افتتحنا في سوريا عصر السياسة المغيبة بقوة القمع وخيبة الأمل؛ فهل يستحق ما حصل في المجلس وما بعده أن ننعي الإعلان؟

جاء "الإعلان" بعد خمس سنوات من وفاة حافظ الأسد رأس السلطة السياسية الاستبدادية في سوريا وخمس سنوات مما سمي سنوات "الإصلاح والتطوير" على يد الرئيس الجديد ونفس طاقم الرئيس السابق تقريباً, وبعد خمس سنوات من رهان واهم على إمكان الخروج من سنوات الاستبداد. عبر "حوار وطني لا يستبعد أحداً" فينجز مصالحة عسف الجلادين مع تسامح الضحايا وننتقل إلى عصر سوريا الديمقراطية.

ولعل انكشاف الوهم في ذاك الرهان عن طريق رفض السلطة لكل دعوات الحوار المنطلقة من صفوف المعارضة داخل وخارج البلد, هو ما دفع المعارضة لتؤسس حقلاً خاصاً لممارسة الشأن العام. ومهما قيل عن مراهنة على خارج أو خوارج في التسريع في إعلان "الإعلان" فإن علة وجوده هو هذا البحث عن حقل لممارسة الشأن العام مع إصرار السلطة على إغلاق مساحات العمل العام أمام ناشطي الشأن العام.

في هذا البحث وذاك التأسيس نجد تفسيراً للسجال والتراشق وعودة التنابز بالألقاب بين أطراف الإعلان والعاملين بالسياسة.

فالسلطة اعتادت على ممارسة "سياسة" الحرب على المجتمع فلا ترى الناس إلا جنوداَ في جيشها أو أعداء لابد من تصفيتهم حال توفر المعلومات الاستخبارية عن تآمرهم على أمن الدولة؛ لذلك لم تر في "الإعلان" إلا خندقاً جديداً لساحة حرب جديدة لا يد من تطهيره.

أما القوى التي نسجت الإعلان فغالبيتها العظمى لما تتخلص, بنىً وذهنيات, من تاريخها "الطليعي" والتناحري/ الإقصائي, وهذا شكل عائقاً لممارسة الشأن العام بما هو شأنها جميعاً, وسيطرت في ممارستها السياسة كهمٍ حزبي نذرت له حياتها وقدمت بعض حياتها على ضريحه. فإذا أضفنا ما يفرضه سلوك السلطة  في حربها على السياسة والسياسيين من انحصار للسياسة بالنخب القديمة و"المحدثة", نتفهم البطء الشديد في تجاوز قوى الإعلان لحوارها النخبوي نحو صياغة شبكة عمل جامعة للمواطنين تنتج إجابات شافية على قضاياهم الحارقة (تدهور شروط عيشهم وكرامتهم, مخاوفهم الوطنية, تخويفهم من التغيير لتبرير خنقهم والنهب الفاحش لهم, والتهميش المتواصل لهم), فأنتجت برنامجاً لنخبة سياسية لا تتناسب عقلانيته مع توحش القهر والتوتر المختزن عند الناس المحرومين من أن يكونوا مواطنين.

فإن أضفنا غياب فعل الناس "العفوي" والمطلبي دفاعاً عن اليومي والحياتي سواء لفعالية آليات القمع والاحتواء أو لغياب الأمل أو/والبرنامج المقنع؛ ربما نشكل  أساساً لفهم ما أعمى أبصار بعض قوى أهل الإعلان عن قيمة الإعلان بما هو مكان مأمول لتنافس نخب سياسية تسعى لبناء وطن ومغادرة منطق وساحات الحرب, لتأسيس  سلم أهلي راسخ, والتشاور في مشاريع ورؤى الإدارة الأسلم للبلد, وربما يفسر أيضاً عدم جاذبية المطروح "للناس" الذين يتوجه لهم أهل الإعلان فعدم التفافهم حوله, بينما تدافع عنه بعض النخب التي لمّا تختار حتى الآن الانضمام له.

أتفهم تماماً سعي الناس للسلامة في ساحة معركة تفرض عليهم قهراً وتوتراً يومياً يحرمهم من نعمة عقلانية أهل الإعلان, كما سعي السلطة لقمع "الإعلان" كونه يفضح الطابع الحربي المافيوي للتعامل مع البلد وأهله ويدعو ويسعى لنقيضه المدني المؤسس على آليات الدولة الحديثة وحقوق لمواطنين. ولكني أستغرب سعار بعض الناشطين والسياسيين السوريين ضد "الإعلان" ودعوة بعضهم لانشقاق المعارضة.

تركز السجال على الليبرالية /الديمقراطية, الوطنية / العلاقة مع الخارج, والخطر الرئيسي الذي يجب أن تتركز حوله الجهود.

رغم أهمية الليبرالية كمكون أساسي في مقاومة أي نظام شمولي وتفهمي مناهضة القوى الشيوعية والقومية لها بما هي صاحبة مشاريع شمولية أو شمولية محدثة, لكنني سأدافع عن الديمقراطي في الإعلان لأن هذا نهجه الأساس.

"يدعو الإعلان جميع القوى والأفراد للالتقاء والحوار والعمل من أجل الهدف الجامع الموحد الذي يتمثل بالانتقال من حالة الاستبداد إلى نظام وطني ديمقراطي".

ويرى "الطريق الآمن لإنقاذ البلاد" هو الحوار الوطني الشامل والمتكافئ الذي يبحث في آليات وبرنامج الانتقال إلى الديمقراطية والعودة إلى سيادة الشعب وتداول السلطة والخطى العملية اللازمة لذلك".

ويؤكد على "علاقة قضية الديمقراطية بشكل وثيق بقضية التنمية" وأن "الديمقراطية هي جوهر هذا النظام الوطني الديمقراطي" و"تستند إلى العدالة الاجتماعية".

ونجاح (التيار الأمريكي المراهن على الخارج ) خلص في بيانه أن عملية التغيير لإقامة النظام الوطني الديمقراطي "تهدف أيضاً لاستعادة الجولان والحفاظ على الاستقلال الوطني وحمايته" و"يحصن البلاد من خطر العدوان الصهيوني المدعوم من الإدارات الأمريكية والتدخل العسكري الخارجي".

ولا يبين لنا الحريصون على وطنية المعارضة بم يختلف فهمهم عن الفهم السلطوي للوطنية, وما الذي يهدد الوطن أكثر من سياسات النظام "التي تفاقم الأخطار الداخلية والخارجية التي باتت تهدد السلامة الوطنية ومستقبل البلاد أكثر من أي وقت مضى".

لابد من استعادة عقلانية النخبة السياسية السورية, بدل نظرات ميدوزا المحجرة للمختلفين الشاخصة من كثير من الأطراف المتراشقة بالتهم, وعدم التغاضي عن الأهمية الجوهرية للإعلان بما هو مجالنا الخاص لممارسة نشاطنا واهتمامنا بالشأن العام, وفسح المجال للنقاش في القضايا المختلف عليها والمفكر فيها والسعي للارتقاء به بمزيد من التدريب على مقتضيات الخيار الديمقراطي, بما فيه من مناورات- ودسائس أحياناً- لنتجاوز شرور تغييب السياسة والعمل المدني· عن بلدنا وتعميم قوى المافيات والمخابرات لعقلية الحرب والاقتتال بين الناس والقوى. فربما لن نصون المستقبل إلا بصيانة عقلانية الفاعلين الاجتماعيين.

 ____________________________________________

· * من أجل صمام أمان مدني لضغط التراشق السياسي

دعوة لمؤتمر تداولي للناشطين في مجال الحقوق المدنية

 

أظهر السجال السياسي الذي تلا انعقاد المجلس الوطني "لإعلان دمشق" درجة مقلقة من نقص الثقة نقص التوافق بين القوى السياسية السورية المعارضة؛ مما يفرض علينا البحث عن آليات معاوضة ترفع درجة الثقة بين المواطنين السوريين. إن غياب مؤسسات المجتمع المدني والمحاربة الأمنية يضعف القاعدة الاجتماعية للعمل الديمقراطي, وربما يكون تحسن العمل المدني في سوريا ركيزة مهمة لعمل سياسي ديمقراطي أرقى.

كما أن هناك أزمة ثقة بين هيئات العمل المدني في سوريا تفرض ضرورة النظر في ما أنجز خلال السنوات الأولى لقرننا الجديد على مستوى العمل المدني. إن حاجة العاملين والناشطين في مجال الحقوق المدنية للتحاور واللقاء  لا تقل عن حاجة الناشطين السياسيين والحزبيين, وأرى في النقاط التالية ما يشير لهذه الحاجة ويستدعي هذه الدعوة:

-          تبدو النزاعات بين الجماعات الناشطة في مجال الحقوق المدنية صراع بقاء لا تنافساً ديمقراطياً لتوسيع هذه الحقوق كل حسب ما يراه مناسباً ومجدياً, مما يشوش الوعي الديمقراطي ويسيء لنبل رسالة الحقوق المدنية والعاملين في حركتها.

-          الحاجة لتطوير مساحة اللقاء والفهم المشترك وصولاً لميثاق شرف مدني يكون إطار سلوك لمختلف الأطراف, و يرسم لمعايير تكون ضمانة متاحة لحرية وحقوق الناس.

-          تشكيل إجماع يؤمن صياغة محلية لصيانة المزيد من الحقوق الأساسية, بالإضافة لصيانة الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والمواطن الأساسية, كي لا نفرط بالحقوق باسم الخصوصية.

-          التأسيس لشبكة سورية لناشطي الحقوق المدنية ترتكز على ضمانات حد أدنى للحقوق المدنية الأساسية,التي ي}منها الإجماع و/أو ميثاق الشرف, وتشرف على إجراءات منسجمة في الدفاع عنها.

-          رفع كفاءة حركة الحقوق لمدنية المحلية في تحسين حالة حقوق الإنسان, ورفع مبادرتها, والارتقاء إلى مستوى نبل رسالة العمل من أجل هذه الحقوق.

-          العمل على تأسيس آليات مؤسساتية يتم اللجوء إليها عند التنازع, ولمراجعة الخطط العملية والأهداف المؤقتة, واللجوء لمعيار الكفاءة في إنجاز الأهداف لتقييم الأداء.

 

العدد : 12-13  تاريخ 2008 - 6                    مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية      مجلة غير دورية متخصصة  بالشأن السوري            

 

Damascus Center for Theoretical and Civil Rights Studies

adress: Varbarega   G101 tel&fax : 004619251237 organisationsnummer : 802433-2218
70351  Örebro -  Sweden E-mail :dccls@bredband.net kontomummer : 8452-5 , 903358349-4  - swedbank

الصفحة الرئيسية