ورقة مقدمة من حبيب عيسى إلى المجلس الوطني لإعلان دمشق 

 إعلان دمشق... آراء ومواقف

                                                   

الأخوة والأصدقاء والرفاق تحية، أما بعد:

 

            منذ نصف قرن، على وجه التقريب، كانت أحلامنا، على تنوعها واختلافها، تبدو قابلة للتحقيق، فهناك، من كان يحلم بدولة عربية واحدة تمتد بين المحيط والخليج تحقق التنمية، والتقدم، والديمقراطية، والرخاء.

وهناك، من كان يحلم بأممية عمالية تمتد عبر المحيطات و القارات، تحقق المساواة وتلغي استغلال الإنسان للإنسان،وهناك من كان يحلم بعالم إسلامي، يتحالف بنشر الدين الحنيف، ويطبق تعاليمه، وهناك من كان يحلم بسورية، ذات حدود تختلف عن حدود سايكس بيكو، تحقق ما يسمونه( وحدة الأمة السورية)،وهناك من كان يحلم بليبرالية شبيهة بالعالم الغربي تكون سورية جزءاً منه …. لكن، وباختصار شديد، وبدون الدخول في  التفاصيل،وبعد نصف قرن على تلك الأحلام نجد أنفسنا جميعاً، وعلى اختلاف مشاربنا، والإيديولوجيات التي بنينا عليها، قد غدونا على هامش علاقات طائفية، ومذهبية، و إثنية، طفت على السطح لتحل محل العلاقات، والتنافس السياسي الحضاري، فابتعدنا جميعاً عن تحقيق أهدافنا، وأحلامنا، وغدا الواقع يتجه في الاتجاه  المعاكس  لكل تطور حضاري إنساني …. وإذا كان لهذا الفشل أسبابه الموضوعية، وإذا كان لكل تيار على الساحة السورية تبريرات جاهزة لما حصل، وإذا كان من أيسر الأمور رمي الأسباب، كل على الغير، أو على الآخر، في الداخل، أو في الخارج، فإن من الملح، والواجب، على الجميع إجراء مراجعة موضوعية، وصادقة مع الذات، ومع الآخر، في نفس الوقت , فنحن الآن متساويين في الفشل على الأقل …ولعل هذا الاجتماع  الموقر لهذه النخبة الممتازة من أبناء الوطن، أن يكون معنياً، بوضع الأسس ، وتحديد السبل، للخروج من المأزق , وتحديد الاتجاه إلى مستقبل مختلف .

                 وبما أن الظروف الراهنة ضاغطة على أعصابنا،فإننا سنتجاوز مرحلياً البحث عن أسباب ما جرى وظروفه , إلى البحث تحديداً، في الظروف الراهنة، والموقف الراهن المطلوب منها، للخروج من واقع، نسعى جميعاً للخروج منه بأقل الخسائر الممكنة إلى مستقبل يتيح لكل طرف من الأطراف أن يسعى إلى أهدافه بحرية … ويتجه إلى أحلامه في وطن حر مستقل  عزيز، يفتح صدره رحباً، لأهداف جميع أبنائه وأحلامهم .

بعد أن أسهمت الظروف المريرة التي مرت بالبلاد، والعباد، إلى إلغاء شبه تام للحياة السياسية … وأضحت نسبة عالية، وساحقة، من شعبنا، خارج إطار أي عمل سياسي، أو اجتماعي، أو عام، وانكفأت الغالبية العظمى من شعبنا لمعالجة أزماتها الخاصة، والفردية، التي ازدادت تعقيداً بسبب الفساد، والاستئثار بالسلطة … فاستسلمت، في الغالب، إلى أن الشأن السياسي، والقرار السياسي، والاتجاه السياسي، والموقف السياسي، ليس من شأنها، بل أن تدخلها فيه،أو مجرد التساؤل، لا يجلب عليها إلا المآسي، والقمع المجاني، الذي لا يؤدي إلى نتيجة، بل وأضحت النظرة الاجتماعية، لدى غالبية الرأي العام، للذين يتصدون للشأن العام، نظرة إشفاق، رغم التعاطف معهم، فهم يدفعون الثمن من حرياتهم، ومستقبلهم، ومستقبل عائلاتهم، في مواجهة غير متكافئة، مع أنظمة مدججة، وقادرة،وهذا ناجم عن أن الأحزاب، والقوى السياسية، وكنتيجة طبيعية، للجوء الاضطراري، إلى العمل السري، ابتعدت عن أن تكون أحزاباً جماهيرية،وأبعدت قسرا،أوابتعدت عجزاً، عن أن تكون رافعة للوعي السياسي للجماهير، ومحرضاً لزجها في العمل العام , وهذا يتطلب العودة السريعة لتلك الأحزاب للاضطلاع بدورها التاريخي،بعد مراجعة صادقة،وموضوعية،كي يعود المجتمع إلى إنتاج الرجال العامين، الموثوقين، والفاعلين،والانتقال من مرحلة الفرد الرمز لعموم الوطن، إلى وطن جميع مواطنيه رموز حقيقيين، تعدادهم بعدد مواطني الوطن أجمعين ...!

إن هذا يتطلب،فهماً دقيقاً للمرحلة الراهنة، فالمرحلة، ليست مرحلة للصراع الإيديولوجي،وليست مرحلة صراع بين برامج وأحزاب،فالجميع في ظل الظروف الراهنة، عاجز عن تنفيذ أي بند من برامجه، إنها باختصار شديد، مرحلة التحالف بين جميع قوى المجتمع، وفعالياته لتهيئة المناخ الاجتماعي، والسياسي، والثقافي، والقانوني المتوازن، ليتم التنافس الحر بين جميع البرامج المستندة إلى الإيديولوجيات المختلفة،والمواقف المتباينة المستندة إلى أفكار، وعقائد سياسية،واجتماعية،ودينية،وإثنية،وإلى آخرهم.....، ومن ثم الاحتكام لإرادة الشعب ....هكذا، وفي هذا السياق التاريخي، نفهم إعلان دمشق، على أنه حاضنة لتحالف مرحلي، يهدف إلى إيجاد المناخ المناسب، للتنافس الخلاق بين جميع أبناء الوطن، دون إبعاد، أإقصاء، أو استئصال، من أجل بناء وطن حر، مستقل، ديمقراطي، تتكافأ فيه الفرص بين جميع أبنائه، لا أكثر من ذلك، ولا أقل .

          هكذا نرى أنه لأمر بالغ الأهمية، أن نؤكد على ماهية إعلان دمشق، بدءاً من المبررات التاريخية، وانتهاء بالغايات، والأهداف،وذلك حتى تأتي الإجراءات، و المؤسسات، والأساليب المتبعة في إعلان دمشق،ضمن السياق العام المتسق مع الغايات ،والأهداف .

إن إعلان دمشق، من وجهة نظرنا، اكتسب أهميته التاريخية، ليس من النص الذي عبر عنه، وحسب . وإنما، قبل ذلك، وبعده، من الضرورة التاريخية لميلاد كتلة وطنية حقيقية تشد أوتار النسيج الاجتماعي في وطننا،وتشكل حاضنة حقيقية لمكونات المجتمع كافة، أفقياً، وعمودياً، في وجه الخراب الذي أحدثته عقود من الاستبداد، من جهة،وفي مواجهة الغربان الذين ينعقون مبشرين بخراب أمّرَ، وأدهى، قادم مع الأيام القادمة ...

       ولعله لأمر هام أيضاً،وحتى يكتسب هذا الحديث مصداقيته،أن نعترف بأن إعلان دمشق، وبعد أشهر من إشهاره، مازال وعداً بأن يكون حاضنة لكتلة وطنية حقيقية، ولم يتحول إلى كتلة وطنية بعد،ولعل مجلسكم الموقر،وانعقاده في ظل الظروف، بالغة الصعوبة، والحساسية، هو المعني، بإحداث هذه النقلة التاريخية، من الوعد، إلى الواقع، وإذا كنا الآن، لسنا في وارد التحدث عن الصعوبات، والقمع، الذي أعاق ذلك إلى الآن ، فإنه لأمر بالغ الأهمية، أن نزيل العقبات الذاتية، الكامنة فينا، وفي مكونات القوى المشكلة لإعلان دمشق، قبل الحديث عن مواجهة العقبات والأخطار الناتجة عن الاستبداد، والقمع الضاغط على الإعلان من خارجه . وفي هذا السياق لعله من التكرار، الحديث عن ضعف هيكلية القوى السياسية في البلاد نتيجة عقود الاستبداد المريرة التي التهمت المجتمع، ومكوناته، وأحزابه، ونقاباته، وصحافته، وجمعياته، ونواديه، ومؤسساته التنفيذية، ومؤسساته التشريعية، ومؤسساته القضائية،واستبدلت ذلك كله بمؤسسات شكلا نية، بحيث نرى الدول القائمة على الأرض العربية محكومة حصرا بواحدة من السلطات الثلاث التالية :

1- الاستبداد الصريح .

2- الديمقراطية الشكلانية الزائفة .

3- الاحتلال الخارجي.   

إن هذا الواقع المرير يقتضي البحث في القضايا المطروحة بقدر كبير من الصراحة،والشفافية،ودون مواربة، أمجاملة،فالظروف الموضوعية لم تعد تحتمل القضية الأولى:وتتمثل في أن فشل القوى الوطنية، في الوطن العربي، في تغيير هذا الواقع،الذي يكاد يكون شاذاً في العصر الحديث، لا يقلل بأي حال من الأحوال، من الضالات الهائلة التي قدمتها كوادر تلك القوى، كما أن التجربة المريرة، قد تفرز قوى أكثر صلابة، وأعمق وعياً، للحفاظ على النسيج الاجتماعي،وبالتالي يجب أن لا نقلل من التضحيات العظيمة بدءاً من شهداء الاستبداد، وصولا ًإلى  خريجي المعتقلات، والزنازين، وانتهاء بأولئك الذين ما زالوا وراء القضبان حتى الآن .... فتلك النضالات والتضحيات هي التي تفرش الطريق إلى الحرية ... ،ولكننا بالإشارة إلى الواقع المرير، نعبر عن واقع الحال، وندعو إلى التمرد على اليأس، والإحباط، بتضافر الجهود كافة، من القوى كافة، من الشخصيات كافة، من الأفراد،من الجماعات، من الشلل الصغيرة، إلى الكتل الأكبر حجماً، للخروج من المأزق التاريخي الذي نعاني.

       هنا، بالضبط تكمن الأهمية الحقيقية لإعلان دمشق، الذي نجتمع اليوم في إطار تفعيله، ومؤسسته،وهنا، وفي هذه النقطة بالذات، لابد من مصارحة الأخوة، والرفاق والأصدقاء، والأعزاء، في الأحزاب السياسية المنضوية تحت سقف إعلان دمشق، للتعامل بشكل مختلف مع الإعلان، ومؤسساته،فتلك الأحزاب، بمؤسساتها، وإعلامها، وكوادرها، التي تعبر عن أهدافها، وتطلعاتها، يجمعها تحالف معلن،  وفاعل يسمى التجمع الوطني الديمقراطي، تتبع له، مؤسسات، وله إعلامه، وماكينته السياسية الخاصة، وهي تعبر باقتدار عن هذا التحالف، وبالتالي، فإن هيكلة إعلان دمشق، وفق المؤسسات الحزبية , أو اعتباره ساحة للصراع، والتنافس بين الأحزاب، هو بالإضافة إلى كونه إعدام لإعلان دمشق، فهو تكرار لا ضرورة له،سواء بالنسبة للأحزاب، أو للتجمع الذي يمثل تحالفها . هذا يعني أن مأسسة إعلان دمشق، يجب أن تستند على قاعدة مختلفة للتوسع الأفقي، والعمودي في المجتمع، بهدف إعادة المجتمع إلى الحياة السياسية، والفعل السياسي الإيجابي . لقد جاء إعلان دمشق لتنضوي تحت رايته الأحزاب، والمنشقين عنها، والشخصيات المستقلة، والمجموعات التي نمت على هوامش الأحزاب، وانشقاقاتها، وبالتالي، فإن إعلان دمشق، مّثل وعداً، يقوم بلم الشمل، لكافة فعاليات المجتمع،على تنوعها بمعنى أن يكون إعلان دمشق حاضنة حقيقية، وفاعلة، لقوى التغيير الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، التي غادرت ساحة العمل السياسي، إما بدافع الخوف من القمع، أو بدافع اليأس، والإحباط ،ذلك أن الكلمة الفصل، في نجاح إعلان دمشق، أو فشله، تكمن هنا، في هذه النقطة بالذات،والتي تتمثل بنجاح الدعوة إلى التغيير الشعبي العام، لإنقاذ الوطن، والعودة إلى الطريق الرحب المؤدي إلى الحرية، والتقدم، والديمقراطية.

       إن هذا يتطلب،(ونقول ذلك بكل التصادق، والاحترام، والتقدير للقوى السياسية المنضوية تحت لواء إعلان دمشق)،أن لا تفكر تلك القوى السياسية المنضوية تحت لواء إعلان دمشق، بفرض الوصاية عليه،أو استباحته، كساحة للصراع بين بعضها البعض،وإنما عليها أن تنضوي تحت رايات إعلان دمشق،لا أن ينضوي الإعلان تحت راياتها،أو راية أحدها، فالإعلان جامع لها مع آخرين، وهو عقد أكثر اتساعا،ً وشمولاً من أي حزب بمفرده، ومن أحزاب التجمع مجتمعة،ونحن لا نقول هذا الكلام، من باب التنظير، أو التحدي، وإنما نقوله من باب التعامل الإيجابي مع الواقع،وبعد قراءة بعض الأوراق المقدمة لهيكلة إعلان دمشق،نقول، وبتصارح صادق، يجب أن يكون مفهوما،ً منذ البداية، أن إعلان دمشق، هو مظلة للجميع ...جميعاً،و معاً، ملزمون، وملتزمون، بتنفيذ قرارات مؤسساته، وأن مؤسسات الإعلان ليست صدى،لما يقرره هذا أذواك داخل الإعلان،وأن مؤسسات الإعلان غير ملزمة، بتنفيذ قرارات المنضويين تحت لوائه، وهذا يعني، عملياً، وواقعياً،أن مؤسسات الإعلان، يجب أن تكون ذات شخصية اعتبارية، سيدة لقراراتها،وقراراتها ملزمة لجميع المنضوين تحت لواء إعلان دمشق ،من أول الأحزاب،  إلى آخر الأفراد،وإذا كان من حق الذين يمثلون الأحزاب المنضوية تحت راية الإعلان أن ينقلوا إلى مؤسسات الإعلان رغبات من يمثلون ، لكن، وبعد أن تناقش مؤسسات إعلان دمشق، مجمل الأفكار الواردة إليها ،وتتخذ قراراتها بالتصويت ، وبأكثرية الأصوات حصراً . فإن تلك القرارات تصبح ملزمة لجميع القوى، والأحزاب، والشخصيات، والفعاليات المنضوية، تحت راية إعلان دمشق، سواء التي صوتت مع، أو ضد ، وعلى الذين يمثلون أحزاباً، في مؤسسات الإعلان، أن ينقلوا هذه القرارات إلى أحزابهم التي يمثلونها للانسجام معها  ... فالأجزاء تنسجم مع الكل، وليس العكس ...، والكل هنا، هو إعلان دمشق ، إن هذا بالغ الأهمية للتفعيل الحقيقي لإعلان دمشق ,، وإن هذا يجب أن يدخل في وضع اللوائح التنفيذية، لاختيار أعضاء المؤسسات، في إعلان دمشق، وتحصينهم من أي تعسف ، حتى، من تعسف القوى التي يمثلونها .

القضية الثانية : بالغة الأهمية، وهي ترتبط بما تقدم، وتستند إليه،وهي تتعلق بوضع خطط حقيقية وفق جداول زمنية محددة للانتقال بمؤسسات إعلان دمشق من الوضع الراهن إلى مؤسسات ديمقراطية حقيقية، رغم صعوبة الظروف، وهذا ممكن، بوضع هيكلية مرنة، لامركزية، تبدأ ببناء مؤسسات الإعلان من القاعدة إلى القمة، وليس العكس، وذلك ببناء الوحدات الأساسية في إحياء المدن، والقرى في الأرياف، صعوداً إلى مؤسسات الإعلان العليا، ومن الهام هنا، التأكيد على أن القرارات التنفيذية للتعامل مع الواقع تصدر عن الوحدات الأساسية في القاعدة، وأن المؤسسات العليا تقوم، بشكل أساسي، بدور تنسيقي .  إن هذه المرونة، وتلك اللامركزية، في غاية الأهمية، لتوسيع قاعدة إعلان دمشق، في الاتجاهات كافة .

القضية الثالثة: ,وتتعلق بالفهم العميق لدور إعلان دمشق، الذي يقع على كاهل مجلسكم الموقر تفعيله ، وتحديد المراحل الزمنية اللازمة لذلك ... وفي هذا المجال نريد أن نؤكد، ونطمئن القوى السياسية، والأحزاب المنضوية تحت راية الإعلان، أننا لا ننظر إلى الإعلان على أنه بديل للأحزاب السياسية المنضوية تحت راية الإعلان ، ولا ننتظر منه ذلك، فلا بديل لوجود أحزاب سياسية قوية، و فاعلة، للنهوض بالحياة الديمقراطية في البلاد، وبالتالي فإن الإعلان هو حاضنة لتنمية تلك الأحزاب، وتصليب عودها ، واتساع انتشارها على مساحة الوطن، وبالتالي، فإننا نفهم، أن إعلان دمشق، ذو طبيعة مرحلية، فرضته عقود الاستبداد المريرة التي أضعفت البنى الحزبية ، وأن دور الإعلان، ومؤسساته، هو دور مؤقت، لفترة زمنية محددة، يحافظ خلالها على الترابط الاجتماعي، والسياسي، وحماية النسيج الوطني من الخراب، وبالتالي صياغة عقد اجتماعي مكتوب، وشفهي بين مكونات المجتمع كافة، وصولا ًإلى دستور سليم يحقق الفصل بين السلطات التنفيذية، والتشريعية، والقضائية ، وحماية الحقوق الأساسية ، وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين،عبر صندوق اقتراع سليم ، وحكومة تشكلها الأغلبية التي يختارها الشعب ، وهذا سيؤدي، من حيث النتيجة، إلى بناء حياة سياسية سليمة تقوم على أحزاب ذات بنى سياسية سليمة، تعرف كيف تحكم، وتنفذ برامجها التي اختارها الشعب على أساسها، وإلى أحزاب تعرف كيف تعارض، إذا فرضت عليها الانتخابات أن تكون في صفوف المعارضة، لا أكثر من  ذلك ولا أقل ، باختصار شديد، عندما نصل إلى محطة النظام الديمقراطي، فإن إعلان دمشق سيكون قد أدى دوره، وسيخلي الساحة للأحزاب السياسية، وبرامجها، للتنافس الوطني، والحر، لبناء وطن حر مستقل ، وهكذا، يجب أن يكون حاضراً في الذهن، أن مؤسسات إعلان دمشق، هي مؤسسات، ذات طبيعة مرحلية، تنتهي بقيام نظام حكم ديمقراطي سليم وليتنافس بعدها المتنافسون ، وليتقدم الجميع إلى الشعب، كل ببرنامجه، والشعب هو صاحب القرار الأول، والأخير .

القضية الرابعة : وتتعلق بالمعارضة بالخارج .... وفي هذا المجال نقول: أن عقود الاستبداد، وقمع الحريات في الداخل أدى إلى وجود جماعات، وأفراد، وشخصيات معارضة في الخارج، سواء بالإبعاد ألقسري ، أو الابتعاد الاختياري ، وأن هذه القوى، وتلك الشخصيات تمتلك إمكانيات، ومقدرة على الحركة، تشكل رافداً مهماً لعملية التغيير الديمقراطي المنشودة، وبالتالي، لابد من صياغة أسس، وبناء مؤسسات مرنة، ولامركزية للتعامل، والتنسيق،وذلك لتصب جهود المعارضة في الخارج، في سياق العملية الديمقراطية في الداخل، وهذا يتطلب، أولاً، صياغة عقد معلن، وشفاف، بين جناحي المعارضة ، على أن تنسجم ممارسات، واتصالات تلك القوى، والجماعات في الخارج مع الأهداف المعلنة لعملية التغيير الديمقراطي ، والقضية الأساسية التي يجب إعلانها، والتوافق عليها، دون مواربة، هي أن تلتزم تلك الجماعات والقوى والشخصيات في الخارج مبدأ التغيير الوطني ، أي أن يكون التغيير صناعة سورية وبأجندة سورية، وبعد ذلك، فليجتهد المجتهدون ، فنحن في سورية، وفي الخارج، نرفض أن نكون فقرة في أجندة، أية، دولة أجنبية، أياً كانت، وتحت أي ذريعة كانت ، فالمنطلق، والغاية، هو مصلحة الشعب في سورية ، وحقه في الحياة الحرة الكريمة الديمقراطية .

القضية الخامسة : وتتعلق بالتعامل مع العالم،كدول، وكمؤسسات دولية، وكمجتمعات مدنية ، وفي هذا المجال، لا بد من التأكيد على أن الانعزال عن العالم في هذا العصر هو، وهم، وهراء ، لكن المعيار الذي يجب أن نلتزمه، ونلزم أنفسنا بت، هو، أن تكون لنا برامجنا الوطنية ، وأهدافنا الوطنية، ومنطلق الوطنية، وأن نتعامل مع العالم دولا،ً ومؤسسات دولية، ومجتمعات مدنية، على هذا الأساس ، وإذا كانت العلاقات بين الدول تقوم على التقاء المصالح، فإن مؤسسات إعلان دمشق، ستحدد علاقتها مع العالم، دولا ًومؤسسات دولية، ومجتمعات مدنية، وفق مصلحة الشعب في سورية ، وإذا كنا نرفض الرضوخ للاستبداد القادم من الداخل، فمن باب أولى، أن نعلن، أننا نرفض كافة أشكال الهيمنة، والغزو،القادم من الخارج، تحت أي لبوس كان ... بل أن السعي لقيام نظام ديمقراطي، يؤمن حقوق المواطنة لجميع المواطنين، هو الضمانة الوحيدة لمجتمع قوي قادر على صد الضغوط الخارجية، والصمود في وجه الغزو الخارجي، إذا فكر فيه،أو أقدم عليه، أياً كان،أولائنا من كان، في هذا العالم .

القضية السادسة: وتتعلق بالاختلاف الطبيعي القائم بين مكونات إعلان دمشق , وهذا الاختلاف صحي، وطبيعي، وإيجابي، إذا تم التعامل معه بلغة الحوار، والانفتاح على الرأي الآخر، وتصويب الأخطاء . لكن هذا الاختلاف يمكن أن يتحول إلى خلاف مدمر، إذا تحول إلى عصبيات، ومصالح، ذاتية، ضيقة ، وبالتالي، من المهم جدا،ً أن تدير مكونات إعلان دمشق حوارا جديا بهدف الوصول إلى صياغة محددة، لعقد ملزم، لنا جميعا،ً يضمن تهذيب الخطاب السياسي، وتهذيب لغة الحوار، والدعوة إلى الكلمة السواء، والابتعاد عن كل ما يمت إلى الإقصاء، أو الاستئصال بصلة ، والتأكيد، على أن المرحلة ليست مرحلة صراع على السلطة، وإنما هي مرحلة بناء مناخ ديمقراطي سليم ، ثم التنافس يأتي لاحقاً.... يجب أن نتفهم جميعاً متطلبات السير على الطريق إلى الحرية، فتلك الطريق، رحبة، واسعة، تتسع إلى الجميع، دون استثناء ، وأن التنافس ،والتسابق عليه، مشروع، بل، ومطلوب، ويجب أن يكون متاحاً للجميع ، لكن الصدام بين القوى على تلك الطريق لا يؤذي القوى المتصادمة فقط، وإنما قد يغلق الطريق أمام الآخرين، وبالتالي، فإن من مهمات مجلسكم الموقر، وضع الأسس لمنع الاصطدام المدمرة  بين القوى الساعية إلى الحرية ... فلكل مقدرته ، وكل يسير بالسرعة، التي هي، في حدود طاقته .

أيها الأعزاء :

إن ما تقدم مجرد عناوين، نقدمها إليكم، للتفاعل الخلاق مع الأفكار، والرؤى المقدمة من قبلكم .. علنا نصل معاً إلى صياغة إيجابية لمؤسسة إعلان دمشق،  ليكون الرافعة لمكونات المجتمع، وليكون الحامل الحقيقي، للنهوض، إلى مجتمع حر، وديمقراطي .

  مع تمنياتي،أن تكلل جهودكم بالنجاح، والتوفيق........

دمشق:26\6\2006

  -    ونحن، إذا كنا ننشر هذه الورقة بعد عامين تقريبا من تقديمها إلى المجلس الوطني لإعلان دمشق، نسأل، ماأذا كان أحدا في ذلك المجلس،أو في المجلس الذي تلاه، قد انتبه إلى ماجاء فيها، أو قرأها على الأقل.......!!

 

العدد : 12-13  تاريخ 2008 - 6                    مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية      مجلة غير دورية متخصصة  بالشأن السوري            

 

Damascus Center for Theoretical and Civil Rights Studies

adress: Varbarega   G101 tel&fax : 004619251237 organisationsnummer : 802433-2218
70351  Örebro -  Sweden E-mail :dccls@bredband.net kontomummer : 8452-5 , 903358349-4  - swedbank

الصفحة الرئيسية