إعداد : حسيبة عبد الرحمن ، خوله دنيا

من داخل إعلان دمشق ...فن الممكن  - أجوبة  محمد محفوض

ملف العدد

 

هذه هي القائمة الكاملة للأسئلة التي قامت مقاربات بتوجيهها، وقد تركنا للمشاركين حرية التصرف بوضع مقدمة أو باختيار أسئلة معينة أو دمج الأسئلة، مع الحفاظ على الترقيم الأساسي:

توجهت مجلة مقاربات بالأسئلة التالية إلى الأستاذ : محمد محفوض

السؤال الأول: ماهي الدوافع السياسية التي تقف وراء وثيقة إعلان دمشق؟

السؤال الثاني: برأيكم هل ارتبط إعلان دمشق بمواقف القوى المتواجدة على الساحة السورية أم بالمستجدات والمتغيرات الإقليمية والدولية، خاصة وانه قد كثر اللغط في حينه عن علاقة ما بين توقيت صدور وثيقة إعلان دمشق وتقرير ميليتس؟

السؤال الثالث: برأيكم لماذا سمي بإعلان دمشق وليس جبهة أو تجمع كما تم الاتفاق عليه مؤخرا، مجلس وطني؟ وهل تسميته "إعلان" تشكل  فرقا من حيث البرنامج وطبيعة القوى عن الصيغ الأخرى؟

السؤال الرابع: هل حقق المجلس الوطني بانعقاده النقلة من مرحلة "إعلان دمشق" إلى مرحلة جبهة عمل وطني؟

السؤال الخامس: ماهي النواظم المحددة للعلاقة بين القوى والشخصيات المنضوية تحت الإعلان في الداخل والخارج؟

السؤال السادس: هل هناك نوع من التنسيق والنقاش بين القوى والشخصيات في الداخل والقوى والشخصيات في الخارج في كل ما يصدر عن إعلان دمشق من مواقف، مثلا: الموقف من جبهة الخلاص وتحركات الحمصي..الخ؟

السؤال السابع: هل انعقاد المجلي الوطني هو بداية مرحلة سياسية جديدة للإعلان ام هو بداية انهيار وتفكيك لقواه؟

السؤال الثامن: أعلنت بعض القوى والشخصيات تجميد عضويتها إثر انعقاد المجلس الوطني، كيف تقرأون هذا التجميد، خاصة مع إعلان قوتين هما الاتحاد الاشتراكي وحزب العمل، عن تجميد عضويتهما في الإعلان مما يعني غياب التيارين القومي والماركسي عن الإعلان الذي كان هدفه تجميع وتمثيل كافة التيارات السياسية؟ وما هي تداعيات هذا التجميد على الإعلان مستقبلا؟

السؤال التاسع: كيف يمكن قراءة قرارات التجميد في ظل الاعتقالات التي طالت شخصيات من الإعلان دمشق؟

السؤال العاشر: كيف تقيمون سياسيا حملة الاعتقالات الأخيرة، وهل هناك رابط مابين الشخصيات التي تم اعتقالها؟

السؤال الحادي عشر: هل تعتقدون بوجود توجه جديد لإعلان دمشق، أدى لتغييب قوى وشخصيات مهمة عن نتائج الانتخابات الأخيرة؟

السؤال الثاني عشر: هناك بعض المزاعم بوجود توجه جديد نحو النيوليبرالية كي يحصل الإعلان على دعم وشرعية خارجية، ما مدى صحة هذه المزاعم؟

السؤال الثالث عشر: هل وجدت معايير محددة تم على أساسها دعوة الشخصيات المستقلة لحضور المجلس الوطني لإعلان دمشق؟ وماهي هذه المعايير في حال وجودها؟

السؤال الرابع عشر: هل وجد خلال انتخابات المجلس الوطني لقيادته، نوع من مراقبة الانتخابات قامت به جهات مستقلة "شخصيات مستقلة او منظمات حقوق إنسان"؟

فأجاب بالتالي :

 

محمد محفوض

تعليق على مدخل الأسئلة :

 في رأيي لم يشهد العمل السياسي المعارض في سوريا حدثاً بأهمية انعقاد المجلس الوطني لإعلان دمشق، منذ تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي في مطلع ثمانينات القرن الماضي حين قدم التجمع رؤيته للخروج من أزمة البلاد بالتغيير الديمقراطي السلمي، محتجا على سياسات  العنف والعنف المضاد،على الطائفية والطائفية المضادة، التي وسمت نهج السلطة، ونهج الإخوان، فبانعقاد المجلس الوطني اجترحت النخب السورية المعارضة محاولة ً نبيلة ً وشجاعة لمواجهة استحقاقاتها- ًٍبالرغم  من مناخات التصعيد الأمني،الذي تقوم به أجهزة السلطة، وبالرغم من إحباط السوريين ويأسهم وانسداد فسحة الأمل في حياتهم – .وبالرغم من بعض الإشارات عن تفاهمات بين السلطة وأمريكا عبر كواليس مؤتمر أنا بوليس، وقد اثبت الإعلان  بانعقاده وبالنتائج التي أسفر عنها أنه خطوة لازمة وغير كافية، تحتاجها المعارضة السورية أو"المعارَضات" إذا شئنا دقة التعبير، فما زال عليها أن تتعمق أكثر في قراءة واقع الأزمة السورية الشاملة، التي تفتك بأقانيم سوريا الثلاثة (السلطة والمعارضة والمجتمع)، ويزيدها تعقيداً تراكب وتداخل الأزمة الداخلية الشاملة مع أوضاع  وأزمات عربية وإقليمية ودولية، هي بدورها ليست أقل تعقيدا، لعلها (المعارضة)  بالعمل الجماعي المنظم  والحوار العقلاني المسؤول  تبتدع أفكارا ًووسائلَ عمل وبرامج استراتيجية واجرائية وعملانية لتفكيك آليات وثقافة التعصب والتسلط والتأخر واللاعقلانية حيثما وجدت وكيفما تجلت  سواء عند السلطة، أو عند المعارضة، أو في المجتمع. ولعل ذلك سيكوّ ن قوة داخلية  ًضاغطة  ًتدفع بالنظام إلى مراجعة وتغيير آلياته وبنيته، وسياساته المدمرة، لسوريا (اقتصادا ًودوراً وهوية  ووحدة وطنية، وأفقا قوميا).

غير أني لا  أوافق على ما أوردته مقدمة  الأسئلة من وصف انعقاد مجلس الاعلان أنه كعودة الروح إلى جسد السياسة، أو كقيام حصان المجتمع من كبوته، لأني أعتقد بوجود فوارق هامة ٍ وجوهرية بين نهوض النخب ومنطقها السياسوي، وبين نهوض المجتمع على قاعدة السياسة المدنية النهضوية الشاملة. وإذا كنت  أعتقد أن إمساك المعارضة  بالرؤية الصائبة في مقاربة حاجات الدولة والمجتمع، وصياغة بر نامجها  السياسي المتوافق مع  تلك الرؤية أمور مهمة ولازمة ولاغنى عنها، فإني أعتقد أيضا  ًأن الاقتراب أكثر من المجتمع، وتوسيع دوائر الحامل الاجتماعي لمشروع التغيير، وتضييق المسافة بين الشعب ونخب العمل السياسي،  له أهمية حاسمة ومقررة كذلك، وهذا بعض  مانفتقر إليه الآن، وهذا مايدعوني إلى الاختلاف مع عبارة " كان كقيام حصان المجتمع من كبوته ".لأن حصان المجتمع ليس في كبوة وحسب ولكنه يغط في سبات  ويأس وخوف عميق.

السؤال الأول:

الدوافع (وسأفهمها بمعنى الأسباب الموجبة )  وراء انعقاد مجلس  الإعلان ووثائقه كثيرة، منها إحساس متعاظم لدى أطراف المعارضة بضرورة الإسراع بالتغيير الديمقراطي( في مواجهة أولملاقاة) 

وضع دولي متعدد ومتناقض الإيحاءات والدلالات والمصالح تتسارع وتائر تأثيره على بلادنا ،كما لمواجهة أزمة داخلية خانقة، تتجلى في شارع شعبي يغرق بالفقر و اللامبالاة واليأس والخوف ويلوذ بأحضان الرؤى والتعبيرات الخرافية والانتظامات الدينية (الطائفية) منذراً باحتمالات خطيرة، كما تتجلى على المستوى السياسي بنظام مافياوي ممعن في القمع واحتكار السلطة والثروة ومحاولة تأبيد آليات التسلط وشخصنة الحكم وتقزيم الشعب والدولة، والعمل الدؤوب لإغلاق أبواب التغيير السياسي، يتجادل مع الأسباب الآنفة رغبة وحاجة المعارضة لبلورة أطرها السياسية، وإصلاح بيتها الداخلي  المتداعي، لعلها تؤهل نفسها لتكون صمام أمان لحماية السلم الأهلي  في مجتمعنا اذا ما هُد د هذا السلم في حال حصول فراغ سلطة ناجم عن موت مفاجئ محتمل للسلطة  الحاكمة في بلادنا،\ إما  بالسكتة القلبية وتصلب الشرايين (النموذج السوفياتي) أو بالوباء الديمقراطي الأمريكي (نموذج عراق البعث وصدام  )،أو بغيرها من الحالات والأسباب، ولتؤهل نفسها لتكون نواة التغيير الديمقراطي المنشود، فضلا ًعن رغبة ملحاحة وربما متعجلة (بمعنى أنها لم تأخذ كفايتها من الدرس والاستعداد والتفاهم الممنهج بين  أطرافها)   لدى بعض قادة الإعلان للرد على أصواتٍ أعلنت موت الإعلان أو عجزه السياسي، لا سيما وهو يدخل عامه الثالث دون  إنجازات تذكر.

                                        

السؤال الثاني:

من العبث أن نتصور في العالم كله وجود داخل لا يؤثر به الخارج،حتى داخل الإمبراطورية الأمريكية (الحاكم العرفي للعالم)، أو داخل الصين المحصنة وراء جدار شيوعيتها، وسورها العظيم، لكني أعتقد أن انعقاد المجلس الوطني جاء نتيجة العاملين معا (الوضع الذاتي للأحزاب، والأوضاع الإقليمية الكثيرة الإيحاءات)، أي اقتضته محاولة المعارضة إثبات مصداقيتها أمام شعبها ومحاولة الخروج من حالة السبات الإجباري  الذي أكرهت على الدخول فيه، وقد كانت المعارضة السورية- منذ ثمانينات القرن الماضي - شجاعة في محاولة انتزاعها للحرية وقدمت التضحيات الكبيرة، قوافلَ من شهداء، وسجناء لعقود من السنين صبروا صبر القديسين، وقاوموا مقاومة الأبطال، مجردين من حقوقهم المدنية، محاصرين في لقمة عيشهم  هم وأسرهم، بالرغم من أن الوضع الدولي لم يكن مواتياً على الإطلاق، فقد كان النظام السوري والأنظمة المشابهة له تعيش وتتعيّش على تناقضات الحرب الباردة وصراع القطبين الجبارين اللذين اقتضت مصالحهما وقتذاك مصادقة أنظمة الاستبداد  بالصمت والتستر على جرائمها في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بما فيها حتى جرائم القتل الجماعي للشعوب، فهل على المعارضة أن تصمت الآن، بعد أن بدأت المناخات الدولية بالتغير ولو جزئيا ً في غير صالح النظام والأنظمة المشابهة؟ مع يقيني العميق أن ما نشهده الآن من تعارضات بين أمريكا والنظام ليست ناجمة عن كون النظام يمارس سياسة وطنية وقومية لصالح الشعب وخبزه وتقدمه وكرامته، كما أنه بذات اللحظة ليس ناجما ً عن ولع أمريكا وأخواتها بحقوق الإنسان وحريات الشعوب وكراماتها، بالعكس فالنظام ينتهج سياسة ظالمة تجاه شعبه، ويدخل في علاقات استخبارية مع أمريكا بخصوص ملفات " الإرهاب " ويذهب بعيدا ًوعميقا ً باقتصاد بلادنا نحو اقتصاد السوق والتكيف الهيكلي والعملي  مع مقتضيات العولمة من موقع منفعل وتابع لليبرالية الجديدة، بقدر ما تسمح له بنيته المتصلبة بالتكيف، وذلك  بتراجعه الاقتصادي الممنهج عن الدور الرعوي للدولة، أما بخصوص الجولان فسلوكه مهادن لإسرائيل مطمئن لها، إلى درجة استحق أكثر من رسالة  تحية واحترام على لسان قادة إسرائيل، ويسعى بكل الوسائل ويترجى الإدارة الأمريكية أن تجربه من جديد، أما الإدارة الأمريكية فلا يعني دخولها في مرحلة إعادة نظر لعلاقاتها مع بعض نظم الاستبداد في العالم على أنه إعادة نظر بالاستبداد ذاته، ومطلوب منها تغيير سياساتها ومنطقها  في فلسطين والعراق ..وغيرها. وبخصوص جنون التسلح وتدمير البيئة غيرها  لتكسب ثقة الديمقراطيين في العالم، وليصدقوا ادعاءاتها عن الديمقراطية. وعلى أي حال لا يجوز تجاهل المناخ الدولي عند أي محلل ٍ أو دارس ٍ أو راسم لخط سياسي، غير أن مخاوفي قوية على المعارضة السورية أن تقرأ المناخات الدولية رغبويا ً و تحت ضغط إحساسها بسرعة الوقت  وإحساسها بضعفها،  أو خوفها من ضياع فرص تلوح في أفق غائم، فتدخل بسياسات تجريبية خلاصية، غير قائمة على الاختبار المتبصر للقوى  الدولية وأهدافها غير المعلنة، ومعرفة أين تقع مصالحنا الوطنية عند تلك القوى، ليقيني أن حمايتنا للمصالح الوطنية لا يتأتى بالشعارات والرغبات، ولكن وفقا لموازين القوى، وتتحدد هذه بدرجة ترابطنا مع الشارع والمجتمع، أعتقد أن من حقنا و واجبنا الاستفادة القصوى من المناخات الدولية لصالح ارساء أسس الدولة المدنية الحديثة، دولة الكل الاجتماعي، دولة الحق والقانون بقدر ما هو مشروع للأشجار المغروسة جذورها  في تربة أرضها أن تستفيد من رياح الكون وأشعة الشمس، حين تكون المعارضة عميقة الجذور في تربتها الشعبية الوطنية وتملك منابر تعبير وإعلام قوية ومستقلة عندئذ لا يمكن  أن تستخدمها قوى  التسلط الداخلي لتأبيد استبدادها بذريعة العدو الخارجي،كما أنه لا يجوز ولا يمكن أن تستخدمها القوى الخارجية حصان طروادة بداعي  تعارضاتها مع النظام  وهي تعارضات أظنها طارئة وغير جوهرية وأظنها قابلة للتسويات المعلنة أو غير المعلنة، وهذه نقطة لا تحسم عمليا إلا بقراءة واعية للعلاقة بين الاقتصاد السياسي لنظم التسلط السياسي والاقتصاد الزبائني المافياوي وبين الاقتصاد السياسي للعولمة المؤمركة . وواقع الصورة الذي أراه حتى الآن أن المعارضة تحاول أن تدير عنفات التغيير الداخلي المعطلة بمفاعيل الاستبداد والتسلط، مستفيدةً من ريح ٍ دولية تبدو في بعض الأحيان مواتية  ولو قليلا ً

السؤال الثالث:

أعتقد أن إطلاق اسم " إعلان دمشق  على مبادرة التأسيس الأولى يحيلنا إلى ا لدلالة الرمزية لمدينة دمشق كعاصمة لسوريا وكرمز لوحدتها، أما كلمة إعلان فقد أرادت أن تعبر كما أعتقد عن كون المبادرة –التي وقع عليها عدد من الأحزاب وعدد محدود من الشخصيات- مبادرة مفتوحة لانضمام أطراف آخرين إليها،يكون من حقهم إعادة النظر بالعناوين والأسماء والمضامين، وربما كان هذا هو الاسم الأنسب لتآلف يختلف أطرافه في الفكر والفلسفة والمرجعيات والتوجهات العامة من ماركسيين وإسلاميين وقوميين عرب وقوميين أكراد و آشوريين، ولكنهم يتفقون حسب ما هو معلن على قاسم مشترك أساسي، هو التغيير السياسي الديمقراطي السلمي التدرجي في مستوى السلطة السياسية، والمحافظة على وحدة سوريا أرضا ً وشعبا ً، وبنفس الوقت  لا تخفي الأطراف المتآلفة أنها ستكون متخالفة في سياساتها تحت فضاء ومظلة الدولة الديمقراطية المنشودة التي ترعى المباراة السياسية بحيادية واستقلال عن الأيديولوجيات المتنافسة، وهذا الشكل من الائتلاف مختلف بالتركيبة والبرنامج  عن التجمع الوطني الديمقراطي مثلا ً بتوليفته العلمانية القومية الديمقراطية، والذي يطرح أطرافه على أنفسهم  مهمات نهضوية تنويرية ووحدوية  عربية لم تستطع أن تستوعب الاتجاهات الإسلامية أو غير العربية.

السؤال الرابع:

أميل إلى اعتبار انعقاد اجتماع إعلان دمشق وما سبقه من مشاورات ومحاورات وتعارف وتفاعل بين أطراف الطيف السياسي المعارض بأحزابه وأفراده وناشطيه خطوة هامة باتجاه إنضاج و بناء جبهة عمل وطني، إذ أن مثل هذه  ا لجبهة لا تنبني بسرعة وسهولة  وقد تشهد اخفاقات وتشظيات كثيرة قبل أن تصل إلي صياغة وبلورة جسم سياسي قادر على حمل وتنفيذ مشروع التغيير وتوفير مستلزمات عمله وأهمها منبر إعلام (مرئي أو مسموع ) يؤمن التواصل والتوصيل والتخاطب مع  الذات ومع الشعب والسلطة والعالم،وأعتقد أنه يتأتى على الجميع أن يبذلوا قصارى جهودهم لإرساء علاقات ثقة وتواثق وتعارف بين بعضهم والبعض الآخر،وأن يكون قبول الاختلاف بالرأي حقيقيا ومعيوشا ً في الممارسة لا في الأقوال والبيانات والخطابات فقط، كما أنه يتوجب مد الجسور باتجاه معارضين( سابقين ولاحقين ومحتملين ) لكنهم منكفئون،  ولم يجدوا لهم مكانا ًفي حافلة المعارضة بعد، لقد تقدم الإعلان خطوتين باتجاه جبهة عمل وطني، ولكنه تراجع خطوة ونصف حين خسر الاتحاد الاشتراكي، وحزب العمل، ولا غنى (في سبيل إنجاح التجربة ) من الدخول في حوارات جادة ومسؤولة تقيّم وتقوّم ما حصل، والقاعدة الذهبية الأهم في هذه المرحلة هو الالتفاف حول برنامج الحد الأدنى، وتأجيل صراعات  الإيديولوجيا فهي ستأتي لاحقا.

 

السؤال الخامس:

أعتقد أن ما  يجب أن ينظم علاقة قوى الداخل بالخارج،هو مركزية الداخل في القرار السياسي، وأن تتناغم حركة الخارج مع إيقاع الداخل ومقتضياته الأمنية والسياسية والحركية،وترفده دون أن تنافسه أو تحرجه. وأن تندرج المبادرات التي يقوم بها الناشطون في الخارج ضمن السقف الذي تتوافق عليه الأطراف المختلفة،للعمل كفريق متفاهم،لا كمجموعات متنافرة:

 

السؤال السادس:

نظريا ًهناك نواظم وهناك ضوابط عامة وعريضة،،لكن عمليا ً وإجرائياً هناك تصرفات وتحركات وتصريحات وإجراءات متنافرة ومتعارضة مع ما هو متفق عليه،لأن روحية العمل المنفرد لا تزال أكثر حضورا ًمن روحية العمل الجماعي، ولن أدخل في تفسير هذا الميل لدى معظم المعارضين في الساحة السورية، لأن ذلك يجب أن يندرج وأن يدرس ضمن عمل فكري أعتبره هاما ً(لكنه مهجور أو مسكوت عنه) هو الحديث عن سوسيولوجيا المعارضة، وسيكولوجية المعارض، التي حولها القمع والسجن والملاحقة والتهميش المزمن  إلى نماذج واقعية تعبر عن شخصية الانسان المقهور  .                  

حين تحالف الإخوان (الطرف الأكثر براغماتية في الإعلان ) مع جبهة الخلاص  دون اتفاق مع الإعلان ودون تأسيس منطق نظري حول كيفية التعامل مع القياديين والمسؤولين الخارجين من السلطة أو عليها، سببوا لغطاً وسوء فهم وقدموا سابقة ضارة بالعمل الجماعي ومصداقيته، وان كانوا قد زعموا في بياناتهم أنهم أعطوا علماً وخبرا عن إجراءاتهم لمعارضة الداخل. لكنهم (الأخوان ) رفضوا أن يتعاملوا مع رفعت أسد  مثلا ً كما تعاملوا مع عبد الحليم خدام، ولم يقدموا تعليلات منطقية ًلنبذ رفعت وجذب خدام، بالرغم من أنهما معاً كانا قطبي استبداد وفساد وان كان رفعت قاتلا بالسلاح فان خدام قاتل بالسياسية والفتاوى،. لقد اضطر إعلان دمشق في الداخل أن يعلن عدم مسؤوليته عن تصريحات مأمون الحمصي وتبرأ من التنسيق معه في هذه التصريحات . كما أن الزيارة (غير المدروسة من ناحية الجدوى السياسية، وغير المتفق عليها بين صفوف المعارضة ) التي بادر إليها  بعض قادة المعارضة للسفارة الأمريكية بمناسبة يوم استقلال أمريكا أثارت بلبلة شديدة وسوء تفاهم ورفض شديد عند بعض أطراف المعارضة، وأطلقت السلطة  ضدها حملة  تخوين وتحريض، وتكفير من خلال  منابرها و بعض مشايخ الجوامع ضد هذه القيادات، وكانت الزوبعة كبيرة وتعمي العيون، وهي مبادرة  لم تطرح على بساط البحث المعرفي والسياسي والإجرائي  كيفية التعاطي مع الدور الأمريكي، وهل  يمكن تجيير مزاعم الإدارة الأمريكية بدعم الديمقراطية لخدمة التغيير الديمقراطي السلمي وكيف؟،  هل نستمر كالسابق باعتبارنا لها فسطاط الشر المطلق .؟ كما يرى فريق من المعارضة، أم يجب اعتبارها راعية الحريات وجالبة الديمقراطيات  كما يرى فريق آخر،أم يجب  التعاطي معها سياسيا ًوتقييم سياساتها ومبادراتها بحدود ما تتقاطع مع مصالحنا الوطنية وبرامج التغيير السلمي.؟

  إن فقر أدبيات المعارضة بالتنظير، وضعف الفكرنة السياسية والحوار الجماعي الممنهج،يفتح الطريق أمام التجريبية والمبادرات الفردية الخاضعة لكل احتمالات الخطأ الشخصي من انفعال و تسرع وسوء تقدير ونفاذ صبر،أو غير ذلك مما يعتري الفرد من هفوات وعيوب، هذه التجريبية قد توقع المعارضة في مطبات ٍ تقصم ظهرها أحيانا ً أكثر من قمع السلطة ذاته . أرى أنه على المعارضة أن تتعلم العمل الجماعي،و أن تطوع الروح الفردية(المستلهمة لشخصية البطل ومثل البطولة والفذاذة والاستثنائية )،وأن تهجر ثقافة التعصب الحزبي والنرجسية الشخصية والحزبية  كمقدمة لازمة لاثبات صدقيتها وفاعليتها في مشروع التغيير الديمقراطي .

السؤال السابع:

أعتقد أن الاحتمالين واردان، و تحقق أي منهما مرهون بما تفعله قوى المعارضة،فيما بينها لفهم الأسباب العميقة الداعية الى انشطارها وتنابذها ومعالجتها ،وسواء استطاع الاعلان أن يرأب صدعه ويتجاوز أزمته الداخلية،ويواجه استحقاقات التغييرالديمقراطي موحدا ً، أم أنه انقسم على نفسه انقساماً (لا انهيارا كما ورد في السؤال ) وصار هناك نواتان أو جسمان للمعارضة، أوأكثر،فإن الاعلان دفع بالمعارضة خطوة باتجاه مواجهة ذاتها ونواقصها، وخطوة باتجاه استحقاق الحرية الذي نستخقه كمعارضة ويستحقه الشعب السوري بأسره. ولذلك أعتقد أن الاعلان لا يزال ذاتيا وموضوعيا قابلا للحياة .

السؤالان الثامن والتاسع: 

أزعم أن هذا التجميد  ما كان ليحصل (بهذا التوقيت على الأقل)، لو أن الحزبين المجمدين لعضويتهما حصلا على تمثيل مناسب لتاريخهما النضالي ووزنهما السياسي، في تلك  اللعبة التي سميت بـ"الانتخابات"، أما لماذا لم ينجح الحزبان فأعتقد أن ذلك يعود جزئيا وجزئياً فقط لطريقتهما في التعاطي مع الناخبين (رسالة الاستاذ فاتح جاموس الى قيادة الاعلان  قبل الانتخابات، واستفزازية أسلوب الاتحاد الاشتراكي مع الناخبين، وارتباك أدائهم وضعف التنسيق  فيما بينهم أثناء وقبل عملية الانتخاب)، وهذه التفاصيل يجب أن يعرضها مسؤولو الإعلام في الإعلان على الجمهور بنشر وقائع ومحضر جلسات المؤتمر، في رأيي أن بعض الناخبين غلّب المشاعر والانفعالات وردات الفعل على الحصافة السياسية، ومتطلبات تمثيل كل الطيف السياسي في  المجلس الوطني ومكتب الأمانة العامة، فحرموا هذين الحزبين من أصواتهما وليضطر الحزبان الى التجميد  ثأراً لذ وات شخصية وحزبية يرى أصحابها أنها لم تقدر حق قدرها، لينفتح باب الاشكالات و التداعيات، أ ما الأسباب الأخرى في عدم نجاح هذين الحزبين فأعتقد أنها تعود إلى إسراف في التخندق السياسي والحزبي والشخصي، مارسته بعض الأطراف في مراحل الاستعداد للمؤتمر، وخلال عمليات ولقاءات تسمية المندوبين، أعطت هذه الجهود أكلها في جلسة الانتخابات، وباعتبار أن التجمع وأحزابه من أركان الإعلان، فقد رحّل أطراف التجمع تناحرانهم  وحساسياتهم الحزبية، والشخصية ،والفكرية إلى المجلس الوطني للإعلان، ذه الإشكالات التي لم تدرس ولم تعالج بروح الجدية والمسؤولية والمكاشفة، ل بإدارة الظهر وترحيل المشاكل، والمهاترات والمزايدات أحيانا ً، بوس اللحى في أحيان أخرى. لم يشكل خروج الاتحاد والإعلان خروجا للتيارين القومي والماركسي هكذا باطلاق كما ورد في السؤال  – بل  إن اتجاهاتٍ ماركسيةً وقومية ًماتزال ممثلة بوضوح، لى جانب الاتجاهات الأخرى حتى بعد تجميد عضوية الاتحاد والعمل.

 غير أني وبصرف النظر عن أسلوب الانتخاب ونتائجه، أعتبر اعتماد مبدأ الانتخاب في هذا الموضع والطريقة التي جرى بها باطلاً فهو لايتناسب مع صيغ الائتلاف والتحالف السياسي، التي  من الأنسب أن تصاغ مجالسها بالتوافق على نظام الحصص (الكوتا )، وهذا مبدأ ديمقراطي في مثل هذه الحالات، خلافا لرؤية سائدة تختزل الديمقراطية بعملية الانتخاب، لا سيما أننا أمام  تآلف يتوافق أطرافه على برنامج الحد الأدنى ، وتوجد حساسيات شخصية وتاريخية بين بعض أطرافه، ويعاني من ضعف في درجة التواثق الشخصي والحزبي، ولهذه الأسباب يجب أن يصاغ نظام داخلي ولائحة عمل تنظيمية لاتمكّن أي فريق من تغييب أو اقصاء أي فريق آخر في أي مستوى من مستويات التمثيل، لكن حتى لو قبلنا بمبدأ الانتخاب في هذا الموقع وهذه الحالة، الا أن  مخالفات جسيمة قد ارتكبت أثناء الانتخاب منها مثلاً:

أ-   نسبة جيدة من المندوبين الى المؤتمر أو الاجتماع معينون تعيينا من قبل بعض قيادات الاعلان بوصفهم" شخصيات وطنية " غير حزبية وكان ممكنا ألا ينجح بعضهم بالوصول الى عضوية المؤتمر في انتخابات المحافظات، ونظرا ً لكونهم غير منتخبين من قبل غيرهم لا يجوز أن يعطوا حق انتخاب غيرهم.

ب - أعطي الأكراد والآشوريون( حصة) دون إخضاع حصتهم للانتخاب، وكان منطقيا ً في هذه الحالة ألا يعطى مندوبوهم حق انتخاب غيرهم، وكان  المطلوب الارتكاز الى معيارية منطقية وعادلة وتطبق على الجميع.                                                    

ت- أعتقد بضرورة صياغة آلية تنظيمية مرنة لا تضع الأفراد المستقلين (غير الحزبيين) في علاقة مواجهة ووتضاد مع الأحزاب كما حصل، بل في علاقة تكامل وتعاون، وبحيث لا يطغى فريق على فريق، وذلك بدراسة علاقة مرنة لنسب تمثيل المستقلين ونسب تمثيل الأحزاب بشكل يقربنا قدر الامكان من صحة تمثيل الطيف السياسي العام وفاعليته. أما الصيغة التي اعتمدت فقد ضخمت وزن الأفراد المستقلين على حساب الأحزاب فزادت بذلك للطنبور نغما ً.

       ث- بالرغم من قناعتي أن المواطنين  غير العرب في سوريا يخضعون لمظالم اضافية  فوق التي  يخضع لها المواطنون السوريون العرب، فإني في غاية التخوف  من مبدأ حساب  الحصص اثنيا، لأن ذلك قد يكون  مقدمة وسابقة لمحاصصات مذهبية أو مناطقية في ظرف ٍما، وأعتقد أننا يجب أن نتوجه  بكل تعبيراتنا نحو ارساء صيغة  للديمقراطية في بلادنا لا تعرّفنا بدلالة دياناتنا وطوائفنا ومناطقنا وقومياتنا، بل بدلالة المواطنة وحقوق المواطن الفرد.

ج – تخطو المعارضة السورية خطواتها الأولى على طريق العمل العلني والجماعي، وبالتالي لابد من  حصول عثرات وأخطاء، والمطلوب من الجميع تفهم أخطاء بعضهم، وعدم الانخراط في تناحرات مجانية. لقد رد الحزبان على خطأ اقصائهما "بخطيئة " التجميد الذي ربما تحول انسحابا أو تخندقا ومجابهة، تضيّع الجهود بصراعاتٍ ومشاحناتٍ جانبية، وكان حريا بهما أن يقبلا النتائج كونهما قبلا بمبدأ الانتخاب ولائحته الداخلية وساهما عبر مندوبيهما في صياغتها، وكون هذه النتائج قابلة للإصلاح خلال الأربعة أشهر التالية، موعد انعقاد الاجتماع التالي، وكون هذين الحزبين بوزنهما وتاريخهما في المعارضة السورية غير قابلين للتغييب والتهميش والشطب، لكن وبكل أسف  فقد رُفعت الخلافاتُ الفردية والسياسية إلي خانة الصراع الأيديولوجي، وتناطح المبادئ والشعارات العريضة، وكأن الدخول في ائتلاف سياسي على برنامج حد أدنى لا يفرض مبدئيا وعقلانيا واجرائيا تجميد المسايفات الايديولوجية، ألم يكتشف المتحاربون بسيوف الايديولوجيا خلافاتهم واختلافاتهم إلا بعد صد ور نتائج تلك الانتخابات؟ لتعلو أصوات التخوين المتبادل وتسيطر على مساحات التحاور وتضيقها، ولترتسم ملامح فسطاطين أو أكثر ضمن المعارضة، فسطاط ينعت الآخر بالليبرالية الجديدة والارتهان لأمريكا، وفسطاط  ينعت الآخر بالعمالة للنظام والمخابرات، وكأننا نستنسخ الصورة اللبنانية وأفقها المسدود القاتم .

 إن المعارضين السوريين ليسوا متساوين في درجة تضررهم من سياسات النظام، أو تعارضهم معها. فالبعض ذاق مرارة السجون والتعذيب والمظالم  أكثر من الآخرين مما يجعله أكثر تعجلا للتغيير وربما- ودون قصد ودراسة- استبطنته ميول ثأرية ضد النظام، كما أن البعض جاء إلى المعارضة حديثا وربما كان قبلها في برلمان السلطة، فضلا عن وجود معارضين يتقاطعون مع النظام إلى درجة ما في فهم المسألة القومية وتغليبها مؤقتا على الشأن الداخلي، والبعض يجد  مصالحه الاقتصادية متحققة على نحو ما مع النظام  بينما ينسحق فريق آخر تحت وطأة الغلاء والإفقار المتسارع لأعداد كبيرة من أبناء سوريا، ولابد من أن أخذ هذه التباينات بالحسبان ليجري العمل والبرمجة بحدود ما تسمح  به التقاطعات والتوافقات الاجتماعية والسياسية لأطياف المعارضة. وأرى أن لابد لنا من إدراك أولوية خلق مناخ حريات فردية وسياسية  في بلادنا، لنواجه استحقاق الحياة بوصفنا مواطنين أحرارا، لا قطيعا من "الرعايا" والعبيد، هذا المناخ لا غنى عنه، ليلتقي البشر بإنسانيتهم المهدورة على يد نظام التسلط، وفي هذا المناخ فقط وتحت فضائه يتمكن القومي من خدمة مشروعه القومي، ويتمكن الطبقي من خدمة رؤيته الطبقية والعمل ضد الإمبريالية من خلال رموزها وتعيُّناتها ومرتكزاتها على أرض وطنه، وتحضرني حادثتان معبرتان في هذا السياق ، الأولى، حين اعتصم مجموعة من الماركسيين –الموالين  للسلطة - في إحدى المحافظات، تحت لافتة مقاطعة البضائع الأمريكية، احتجاجاً على دعم أمريكا المطلق  لإسرائيل أثناء عدوانها العنصري على مخيم جنين، فتم اعتقالهم لفترة قصيرة وإهانتهم، وقال لهم الضابط الذي اعتقلهم (لو أنكم خرجتم إلى الشارع-دون إذن منا- فإننا سنعتقلكم حتى ولو كنتم  تهتفون "بالروح بالدم نفديك يابشار")، أما الحادثة الثانية فشاهدتها في مدينة حمص، حين منعت السلطة لقاءً للجنة نصرة العراق في مزرعة أحد نشطاء اللجنة، وفرقت الحضور من سوريين وعراقيين وفلسطينيين وناشطين وكتاب، و كلهم يريد أن يعبر عن رفضه للاحتلال الأمريكي للعراق وكلهم يطالب بوحدة العراق، بل بوحدة الأمة، ومع ذلك طردوا من المكان شر طردة، ولم تفلح معهم  محاولة الأستاذ رجاء الناصر وبلاغته القومية ووعوده الأكيدة بأن أحدا لن يتحدث عن الشأن الداخلي كلمة واحدة، فكيف ستنصرون العراق وفلسطين ودارفور وعربستان واسكندرون  يا أخوتي وأنتم أعجز من مجرد اللقاء والتشاور ضد أمريكا وضد إسرائيل وباسم " لجنة نصرة العراق" التي تأسست بعلم السلطة وتحت إشرافها؟ أمن المنطق أن ننصر الحق والحرية في كل أصقاع المعمورة ونتهرب من نصرة حقوقنا وحرياتنا هنا في بلادنا؟ اذا لم نتعاون جميعا للوصول إلى اعتبار شرط حرية المواطنين شرطا مقدسا، وخطا أحمر، محميا بالدستور والقوانين والرأي العام قولا وفعلا، وإذا لم نصل إلى مستوى أخلاقي ومعرفي ومدني للوقوف ضد الاعتقال السياسي حتى لخصومنا الفكريين والسياسيين، واعتباره جريمةً وإرهاب دولة ضد أصحاب الرأي والضمير، فلن يكون صراخ القوميين إلا حرثا بالبحر، ولن يكون صراع اليساريين  ضد الإمبريالية إلا محاربة دونكيشوتية مضحكة ً لطواحين الهواء . فهل سنتوجه جميعا إلى طرح الأسئلة الصحيحة ووضعها في سياقاتها الصحيحة، لئلا نظل نكرر ببلادة مضحكة ذلك الجدل البيزنطي القديم: أيهما أولا البيضة أم الدجاجة ؟ أيهما أولا تحرير الأرض أم تحرير الإنسان، أيهما أولا دحر التسلط والاستبداد والنهب الداخلي أم دحر الإمبريالية والصهيونية العالمية  ؟ ولا مجال للفصاحة والفهلوية فشرط الحرية الفردية المحمية بدستور وقوانين مدنية حديثة، في دولة حق وقانون، هو الممر الإلزامي وأول الطريق نحو التنمية و الوحدة و التحرير و مقاومة الإمبريالية والصهيونية.. والشيطان. وهذا بديهي كبداهة الجواب على سؤال أيهما نضع  أولا العربة أم الحصان؟ . ومنطقي كإجابة عنتره" العبد" حين احتاجت سلطة القبيلة الظالمة  إلى بأسه: " العبد لا يحسن الكر " نعم ومجتمعات العبيد لا تحمي أوطانا، ولا تردع احتلالا.

السؤال العاشر:

هذه الاعتقالات تستحق أن توصف بأنها إرهاب سلطة ضد بعض تعبيرات المجتمع السلمية ، وهي اعتقالات سياسية بامتياز، ولكن  السلطة كيفتها كاتهام  بجرائم جنائية مستخدمة القضاء المدني وسيلة بديلة عن القضاء الاستثنائي، حاشدة كل المكنة الإعلامية التي تُسيّر بأمرة الأجهزة من مثقفي سلطة ومشايخ مخابرات لتنفيذ حملة تشهير وتخوين وتكفير وتحريض ضد الإعلان وناشطيه، إن ضخامة الحملة والإجراءات الأمنية لا تتناسب مع اجتماع مدني سلمي غير عنفي غير طائفي غير انقلابي  هادئ انعقد في البيوت لا في الشارع يطالب بالتغيير السياسي السلمي التدرجي الآمن، ويرفض أي دعوة لإسقاط السلطة بالقوة، ولا يرتهن لإرادة الخارج .إن هذه المبالغة بردود الأفعال الأمنية تعكس قلق السلطة ومخاوفها المتعددة من استحقاقات الداخل وتحديات الخارج الذي طالما مدها سابقا  بالعناية والرعاية والتغطية ووعدها بطول العمر، وهي تراقب تغير سياساته تجاهها بغاية الخوف والقلق، خشية أن تصل علاقته المتوترة معها إلى ما وصلت إليه علاقتها بـ"عراق صدام والبعث" .ونتيجة ذلك تتصرف كما لو أن لديها رهاب وسواسي من تكرار تجربة "المعارضة العراقية مع الإدارة الأمريكية" . لم تقبل السلطة الحاكمة بإصدار قانون أحزاب يتيح قدرا من التعبير السياسي والحريات للمجتمع والمعارضة ، فيصبح العمل السياسي العلني عامل استقرار وأمان اجتماعي وسياسي، وعامل تخفيف للاحتقانات الكثيرة التي يزخر بها المجتمع السوري، والمهيأة لأن تنفجر كارثيا لأن التضييق على الديمقراطيين ومنع المجتمع عن السياسة  أطلق كل أشكال التعبير والانتظام المذهبي و الطائفي و العائلي و العشائري وقلص الشعور الوطني، وإذا لم تبادر السلطة إلى استيعاب الأزمات المجتمعية بحلول سياسية عاقلة، لا بحلول أمنية أثبتت أنها  مدمرة للجميع  .أهم أسس الحل في بلادنا تكمن في أن تعي  السلطة أنها لا يمكن أن تتسلط إلى الأبد، وأنها ككل سلطة في التاريخ لها أجل، وأن تعترف أنها سلطة تمثل جزأً من المجتمع  ولا تمثله كله، وأن بإمكانها أن تحكم إلى أمد لا إلى الأبد، وإذا لم يؤمن  العاقلون في الحكم بهذه الأفكار ويؤمّنوا مسارات سياسية آمنة تساعد على الانتقال التدريجي من نظام التسلط إلى نظام ديمقراطي، فسيدفعون ببلادنا إما  إلى جحيم  التناحرات الداخلية، أو إلى زلازل القوى الخارجية وآلياتها المجنونة .أما عن الرابط بين الشخصيات التي تم اعتقالها فهم ليسوا من طرف أيديولوجي واحد، وربما يجمعهم أنهم ناشطون متميزون بأدائهم ومتحمسون لقضية التغيير، لكن السلطة التي لم تعد قادرة  لأسباب كثيرة على اعتقال المئات كما كانت تفعل، أصبحت تعتقل انتقائيا ووفقا لحساباتها  الأمنية، لتبعث برسائل تخويف إلى من لم تعتقلهم وإلى المجتمع ، وكان ذلك واضحا في اعتقالات ربيع دمشق واعتقالات إعلان دمشق- بيروت، وأخيرا اعتقالات المجلس الوطني لإعلان دمشق .

 

 

السؤال الحادي عشر:

كما أسلفت في الجواب عن سؤال سابق أن إعلان دمشق رحّل إلى داخله كل الحساسيات الحزبية والشخصية التي استطاعت أن تجهض التجمع في السنوات الأخيرة من عمره، فضلا عما أضافه انخراط اتجاهات فكرية متصارعة ( بعض الماركسيين ضد الليبراليين، وبعض القوميين العرب ضد القوميين الأكراد  والا شوريين)، في مناخات فقيرة بالفكر السياسي الجد لي والتواثق الصادق اللذان  يستطيعان-لو وجدا - حل التناقضات الفرعية وصب مياهها في طاحونة التغيير الوطني الديمقراطي  السلمي التدرجي الآمن الذي يحل مشكلة الأقليات القومية مع بقية المشاكل السياسية في إطار دولة الحق والقانون والمواطنة، وأعتقد أن  حركة المعارضة تفتقر إلى شخصية أو شخصيات  قيادية  جامعة ومستقطبة متفاهمة ومتوا ثقة تد وٍّر الزوايا وتقرّب وجهات النظر، فهذه المشاكل قديمة، ولا أعتقد بوجود توجه جديد في إعلان دمشق كان وراء إقصاء بعض الأطراف، ولكنّ نتائج الانتخابات في الإعلان كانت مناسبة لإظهار  المستور، وفرصة لحضورٍ ثقيل  للمسكوت عنه  في مسائل الفكر والعمل  السياسي في سوريا. الأمر الذي يطرح مجددا أهمية انجاز البوصلة الفكرية  للعمل السياسي بكل اتجاهاته، لتلافي مخاطر العمل  التجريبي الصرف والعمل بلا رؤية متكاملة. فقد بات واضحا للعيان أن  كل الاتجاهات الفكرية والفلسفية تقرأ العصر الحديث من دفاترها القديمة الدفاترالتي عفا على كثير منها الزمان  .

 

السؤال الثاني عشر:

الاتجاه الليبرالي في الاعلان واحد من الاتجاهات المنضوية تحت سقفه، وليس أهمها ولا أكثرها وزنا ولا أكثرها فاعلية أوتماسكا، والليبرالية التي يروج لها دعاتها في بلادنا  هي النسخة الكلاسيكية من الليبرالية، تلك التي كانت الى جانب شقيقتها الماركسية من أهم وأرقى الفلسفات والاتجاهات الانسانية النبيلة التي أفرزتها الرأسمالية في طورها المبكر الذي كان تقدميا، والليبراليون السوريون  يستحضرون بطريقة شعاراتية  وشاعرية  ومعتقدية- حتى تاريخه- القيم الليبرالية الأصيلة، حرية الفرد، العقلانية، الديمقراطية، الدولة المدنية الحديثة بسلطاتها الثلاثة المستقلة عن بعضها  ودورها التدخلي الموجِّه، والانتصار للعقل ضد الخرافة، وللحرية ضد الاستبداد، مع الدولة الديمقراطية ضد الدولة التسلطية . ولم يروجوا  لقيم الليبرالية الجد يد ة، ( أيديولوجيا السوق الإمبريالية العولمية المؤمركة وشركانها العابرة للقارات )، الذاهبة إلى تحطيم الدولة "ممثلة الكل  الاجتماعي ". هذا إذا نظرنا إلى الليبراليين السوريين  من ناحية أفكارهم العامة  .أما إذا نظرنا إليهم من زاوية  تصنيفهم الطبقي والثروات التي يملكونها لوجدنا معظمهم أقرب إلي الفقر  والحاجة والتهميش الطبقي، كونهم مساجين سياسيين سابقين مجردين من حقوقهم المدنية، وهؤلاء جاءوا إلي" المعتقدية" الليبرالية من مواقع  "المعتقدية" الماركسية والشيوعية، أما الرأسماليون منهم فأغلبيتهم رأسماليون منتجون ترسملوا عبر العمل المنتج، لا عبر النهب الطفيلي، وتمفصلات مصالحهم بهذا المعنى ليست على انسجام وتوافق مع الليبرالية الجديدة، و لو تأملنا مسيرة رياض سيف المكافح الذي تحول إلى رأسمالي من خلال العمل الصناعي المنتج ولم يغتن من النهب الطفيلي، وهو يندفع إلى العمل العام اندفاعة بروليتاري لا يملك إلا قيوده ليخسرها، لوجدنا أنه ليس نموذجا مناسبا لتمثيل الليبرالية الجديدة الموسومة في بعض خطاباتنا بالتوحش، إنه مختلف عن مالكي مال آخرين يراكمون ثرواتهم من خلال شراكاتهم مع رموز السلطة، وبتحالفهم هذا وشراكتهم تلك، يتعيشون على الفساد ويهدرون مصالح وثروات سوريا الوطن والشعب، ليزيدوا أرصد تهم في بنوك ومصارف العواصم الأمبريالية بحماية السرية المصرفية، حيث تخدم تلك الأموال وتعمل وتبني وتقوي اقتصادات قوى النهب الإمبريالي وبسبب" وطنيتهم االزائدة" يحصلون مع عائلاتهم على الجنسية من تلك العواصم  .فيرحلون إليها حين تنتهي أدوارهم في" الثورة"والنهب.  إنها  عملية تواطؤٍ واضحة بين لصوص الداخل وشركائهم وراء البحار، عملية شراكة وتكامل بين فظائع الاستبداد وجرائم الاحتلال . فهل يخطئ المراقب النزيه أين تتموضع مرتكزات" الليبرالية الجديدة  المتوحشة" في بلادنا وعيا ومصالح وعلاقات ورموزاً ؟ . .

أما أن يكون هناك توجه نحو الليبرالية الجديدة من قبل الإعلان للحصول على دعم وشرعية خارجية فهذا لا يخرج عن محاولات التشهير والتشويه والتجريح، لكن  المناخ الدولي يبدو الآن أميل لتفهم مطالب التغيير الديمقراطي في العالم إلى درجة تحددها المصالح والحسابات، وهو لم يعد في صالح أنظمة التسلط بذات الدرجة االتي كان عليها قبل/ 11 / أيلول وقبل ا نهيار الاتحاد السوفياتي . ولم يعد هذا المناخ الدولي يمنح تلك الأنظمة  سماحية مطلقة ً باستباحة شعوبها كالتي كان يمنحها لها  سابقا، ولا أ ظن أنه كان ممكنا مثلا للنظام السوري أو العراقي أو التشيلي  أو الليبي ... أن يرتكبوا كل جرائم القرن الماضي بهذه البساطة، لولا المناخ الدولي المتواطئ معهم يومذاك، نعم تهب رياح دولية في غير صالح النظام  وأمثاله، وهي لا تهب من أجلنا ولا تستعجل لنجدتنا، ولا تهب لأن أمريكا تحولت إلى ملاك حارس للديمقراطية أو جمعية خيرية لحقوق الإنسان، لكن هناك مرحلة انتقالية في علاقة أنظمة الاستبداد مع مراكز الهيمنة والاحتلال، ومن حق الشعوب المكتوية بنيران هذا الحلف التاريخي البغيض، أن تحاول-خلال هذا الوقت المستقطع من تناقضات الحليفين - الاستفادة من تناقضاتهما الطارئة لصالح طموحها المشروع بالتحرر من مظالمهما معا .  

 

السؤال الثالث عشر:

تفاهمت القيادة السابقة للإعلان  وتوافقت على حقها بدعوة شخصيات وطنية غير حزبية كمندوبين إلى ا لمجلس (لا يمرون عبر موافقة هيئات الإعلان في المحافظات )، ونظراً لسيطرة  العقلية المحاسيبية غالبا على عقلية قيادات المعارضة فأنا أميل إلى الاعتقاد بأن القرب الشخصي من هذا القيادي أو ذاك كان أكثر المعايير حضورا في انتقاء المندوبين المستقلين  دون أن يعني هذا الرأي التقليل من شأن أي واحد منهم، وفي هذه الحالة فقد استطاع القياد يون الأكثر نشاطا وحركة  وعملا أن يحشدوا مستقلين أقرب إلى تفكيرهم ومواقفهم ومزاجهم . الأمر الذي سيكون عاملا مقررا في النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات . وهذا ما يؤكد على ضرورة اعتماد مبدأ الحصص الحزبية  في انتقاء المندوبين، لئلا يسعى حزب ما للتعامل مع المستقلين كعدة انتخابية احتياطية في عملية التنافس على السلطة الداخلية للمعارض .

السؤال الرابع عشر:

لا معلومة لدي عن هذا التفصيل ، فقد حرمتني بعض الظروف الخاصة- آسفا ً - من شرف المشاركة وحضور هذا اللقاء المهم في حياة بلادنا  .

- ناشط سياسي وعضو منتدى الأتاسي للحوار الوطني

 

العدد : 12-13  تاريخ 2008 - 6                    مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية      مجلة غير دورية متخصصة  بالشأن السوري            

 

Damascus Center for Theoretical and Civil Rights Studies

adress: Varbarega   G101 tel&fax : 004619251237 organisationsnummer : 802433-2218
70351  Örebro -  Sweden E-mail :dccls@bredband.net kontomummer : 8452-5 , 903358349-4  - swedbank

الصفحة الرئيسية