الفنان العظيم رسول المهمات الصغيرة

حوار مع الفنان حاتم علي

  أجرى الحوار: ناصر الغزالي

شهدت الصناعة التلفزيونية السورية في العقدين الأخيرين تطورا ملحوظا ونالت شهرة إعلامية واسعة جعل منها محط إعجاب المراقبين الإعلاميين وجمهور المشاهدين العرب على حد سواء. حاتم علي الفنان المخرج هو أحد الرواد الجدد الذين قامت على جهودهم هذه النهضة التلفزيونية إذ أنه أحد الفنانين السوريين الذين تتلمذوا على أيدي بعض أهم الأكاديمين والفنانين والمبدعين السوريين والعالميين ودرسوا نظريات التلقي والتواصل والسرد وعاشوا زمنا في مختبرات التجريب المسرحي. أسرة مقاربات رافقت عن قرب مسيرة حاتم الإبداعية منذ كان طالبا في المعهد العالي للفنون المسرحية وحين أخذ يحصد اهتمام النقاد وجوائزهم في المهرجانات العربية الكبرى. أمد حاتم ورفاقه التلفزيون السوري بزخم إبداعي وارتقوا به باعتباره ممارسة فنية وثقافية تحتمل التجريب والإبداع إلى جانب كونه أداة إعلامية جماهيرية.

تترافق موهبة حاتم الفنية والإخراجية برؤى فكرية وحساسية إنسانية عالية وتمتزج انشغالاته الإبداعية بهمومه الإجتماعية. في هذا الحوار الذي أجراه مدير مقاربات مع حاتم علي، تقتحم مقاربات على حاتم إحدى اعتكافاته الإبداعية وتسرقه من تحليقه بين الأشكال والصور لكي تجره إلى قارعة الحديث عن دور الفنان كمثقف وفاعل في مشهده التاريخي.

* الأستاذ حاتم علي المبدع اثبت قدراته الإبداعية فكان بحق احد الرواد الجدد الذين وضعوا بصمة إبداعية بهرت الكثيرين من العاملين في مجال العمل التلفزيوني من خلال أعماله فأصبح احد الأشخاص المؤثرين في صناعة الرأي العام. أستاذ حاتم هل يشكل ذلك عبئا وهاجسا للبحث عن الأفضل؟ وفي رأيك هل تستطيع الشخصية العامة صناعة الرأي العام؟ وكيف؟

** هذا السؤال يقودنا إلى الحديث عن تأثير الفن على الجمهور. في السنوات الأخيرة أصبح لوسائل الاتصال الحديثة ومنها التلفزيون دور متعاظم باستمرار على حساب الفنون الأخرى وعلى حساب الكتاب والجريدة والأعلام المكتوب وربما أيضا الأدب وخاصة في وطننا العربي. إن تأثيره يفوق تأثير الفنون الأخرى الأكثر جدية كالمسرح والسينما نظرا بطبيعة الحال لسطوة جهاز التلفزيون من جهة ومن جهة أخرى نظرا لتفشي الامية ومحدودية عادة القراءة مما جعل من التلفزيون عنصرا فعالا في تكوين الرأي العام كما جعله أيضا احد الوسائل القتالية لوزارات الإعلام العربية. نحن نعمل في الدراما، وبطبيعة الحال شئنا أم أبينا نحن جزء من هذا الجهاز الإعلامي حتى لو حاولنا إن ننأى بأنفسنا عن الجوقة المنظمة الممنهجة. من ناحية أخرى أنا شخصيا لا أميل للمبالغة في الحديث عن تأثير الفن على الجمهور هذه في رأيي الشخصي واحدة من الكذبات الكبيرة التي صدّرتها الإيديولوجيات محددة وفي زمن محدد. لا يمكن للفن تحرير وطن ولا يمكن أن يحارب بدل الجيوش ولا يمكن أن يخرج الناس إلى مظاهرة في الشارع لكنه بشكل أو بأخر وعلى المدى البعيد يساعد بالتأكيد على تكوين معارف وعلى شحن الجمهور وآرائه بطرق خفية وإكسابه أيضا قيم جمالية، وأنا اعتقد دور الفن ينحصر في هذه المهام الصغيرة. أنا كمخرج حاولت جاهدا أن اعمل في التلفزيون على طريقتي الخاصة، وهذا أمر صعب على ما اعتقد ويبدو احيانا شبه مستحيل لأسباب كثيرة منها طبيعة هذا الجهاز والتي تحدثنا عنها ببعض الإسهاب، هذه الطبيعة التي لا تتيح للعامل فيها مساحة كبيرة من الحرية من الناحيتين الفكرية والفنية. الفكرية قد نتحدث عنها في موقع آخر لكن الفنية تعنيني أكثر لأني اعتقد ان أي رسالة يتضمنها أي عمل فني لابد أن تأتي على حامل فني هو الشكل. يبدو للوهلة الأولي أن جهاز التلفزيون عصي على التجريب بخلاف الفنون الأخرى كفنون المسرح أو السينما لكني حاولت جاهدا تجريب وسائل جديدة نجحت أحيانا، وأحيانا أخرى أثارت بعض تساؤلات وفى أحيان مختلفة لم توصلنا إلى النتيجة المرجوة ولكن يبقى برأيي أن للمحاولة شرف فتح آفاق صغيرة في اتجاه تجريب وسائل سرد جديدة ومختلفة.

 * أنت تصنع الشخصية العامة من خلال اختيار الفنانين هل لديك محددات في اختيار هذه الشخصيات؟ توزيع الأدوار جزء من خطة المخرج، وبالتالي فإن اختيار ممثل ما لا يأتي اعتباطا أو لحسابات خاصة وكما قلت هو جزء من حل الشخصية نفسها. هل يكون في ذهنك مسبقا إيصال الشخصية وتحويلها إلى شخصية عامة وفاعلة؟

** لا، أنا برأيي هذا هدف ابعد من الدراما التي نشتغل عليها. مهماتي أنا كمخرج تنحصر في أن يكون أداء الممثل مناسبا للموقف الدرامي وبطبيعة الحال فان فن التلفزيون عموما لا يتيح للممثل والمخرج أن يبنيا معا علاقة إبداعية حقيقية نتيجة السرعة في العمل وقلة الإمكانيات والوقت، لكن ضمن المتاح أحاول أن أؤكد تحديدا على العنصر التمثيلي لأني اعتقد انه العنصر الجوهري في العمل والعناصر الأخرى يجب أن تكون في خدمة هذا الممثل. همي الأساسي هو تقديم أداء متناغم ومناسب ومنسجم مع الشخصية ومع العصر الذي تعيشه هذه الشخصية. أما بالنسبة لنجاح الممثل فالسؤال هو: هل يقوده هذا لمزيد من النجاحات و يدفع به إلى أن يكون احد الممثلين الأوائل وبالتالي يصبح شخصية فاعلة وعامة؟ فهذا باعتقادي لا يقدمه عمل واحد ولكنه يكون نتيجة لجهد دؤوب من الممثل نفسه سواء أثناء عمله أو قبل ذلك من خلال حسن ودقة اختياراته الفنية والفكرية.

* عبر فترة طويلة عاش مجتمعنا ضمن ما يسمى بالثقافة الشمولية، هذه الثقافة فرضت وظيفتها على الفنان واعتبرت أن موقف الفنان هو الذي يصنع الإبداع فوضعت نفسها فوق المبدع وجندته لايديولوجيتها، أستاذ حاتم علي هل توافقني الرأي في أن عمل المبدع يأخذ أهمية من إبداعه؟ وليس من موقفه؟

** هذه واحدة من مشكلات الثقافة السورية، تنسحب على المسرح والفن التشكيلي والسينما والتلفزيون، وهذه الطريقة في مناقشة العمل الفني سادت لفترات طويلة وكان موقف الفنان الفكري عادة هو الذي يكسب عمله أهمية بغض النظر عن المستوى الفني للعمل نفسه. كان يكفي لمسرحية ما أن تتحدث عن الفقراء والمظلومين وترفع اكبر كم ممكن من الشعارات لتصبح مسرحية جيدة. وإذا عدت إلى ما كتب من نقد فني في السنوات التي نتحدث عنها ستجد أن كل المقالات النقدية تتحدث عن المحتوى الفكري للعمل الفني ثم عندما تصل لمناقشة جوانبه الفنية يختصر الأمر إلى كلمات قليلة جدا، هذه الطريقة في قراءة العمل الفني كرست مجموعة من الأسماء وحولتها إلى أصنام وأيقونات لفترات طويلة وطردت من الجنة عددا من المبدعين أصحاب الهم الفني. أنا شخصيا اعتبر أن أعظم الرسالات لا يمكنها أن تقدم من خلال عمل فني ضعيف المستوى وهذا عادة ما نطلق عليه كمصطلح فني ((تكامل الشكل والمضمون)) وليس هناك بطبيعة الحال شكل فني مهم إلا إذا كان يحمل معنى إنسانيا كبيرا.

* المخيال الجمعي لدى شعوبنا يمتاز ببعد تاريخي تراكمي موغل في التاريخ لفترة طويلة، حضارات مرت وحضارات انهزمت وأخرى انتصرت شكلت لدى شعوبنا ذاكرة مختلفة جزئيا، أنت كمخرج مؤثر أثبت جدارته فعليا على المستوى العربي وليس على المستوى السوري فقط، ألا تجد صعوبة في تغيير مزاج هذه الشعوب. كلمات جديدة تبرز الآن ديمقراطية، مجتمع مدني، حقوق إنسان، كيف يستطيع الأستاذ حاتم أن يخرج هذه المفاهيم ويقترب من الجمهور لأنها أصبحت حقيقة واقعة في مجتمعنا؟

** أولا أخالفك من حيث المبدأ، من حيث أننا شعب لديه تاريخ بما يوحي بان الشعوب الأخرى ليس لديها تاريخ أو ليس لديها هذا الهوس بتاريخها أو أنها لا تعيش هذا التاريخ. لكن ما يميزنا حقيقة عن الشعوب الأخرى أننا نعيش حالة فصام استثنائية بمعنى أنه كان لدينا تاريخ مليء بالانتصارات يوضع عادة مع واقع حاد مليء بالهزائم والانكسارات. ربما هذا ما يجعلنا كعرب نهرب إلى التاريخ على اعتباره الجنة التي طردنا منها. اعتقد أن الآخرين لا يعيشون هذا الفصام وربما يكون حاضرهم لا يختلف كثيرا عن ماضيهم.

 * أنت تعتقد أن بإمكان هذا المخيال لعب دور محدد مع اختلاف النظريات التي تحدد تلك العلاقة وهذا ما يجعلني اسأل ما هو الهدف من الأعمال التاريخية للأستاذ حاتم علي؟

** لفترة طويلة كان الهدف الأساسي من العودة إلى التاريخ هو انتقاء الصفحات المضيئة والمشرقة واستخلاص القيم والعبر وما إلى ذلك من تنظيرات. واعتقد أن هذه الطريقة في تقديس تاريخنا كرست بشكل أو بآخر أفكارا تغذي نزعة الإرهاب لدى الشباب العربي لان هذه الأعمال ساهمت في تكريس فكرة إننا نعيش واقعا مهزوما ومليئا بالانكسارات في مقابل ماض مليء بالانتصارات. أنا اعتقد أن العودة إلى التاريخ وهذا ما حاولت تقديمه في إعمالي لم تكن فقط بهدف تقديم كل ما هو مشرق ولم تكن عودة انتقائية لبعض الفترات التي شهدنا فيها ازدهارا لحضارتنا أو انتصارا على حضارات أخرى، لان تاريخنا في حقيقة الأمر لم يكن دوما هكذا. إضافة إلى أن هذه النظرة تحول العمل الفني إلى عمل دعائي لا أكثر ولا اقل. واعتقد أيضا أن واحدة من أهم مشكلاتنا هي عدم قدرتنا على النظر إلى الماضي بنظرة انتقادية شجاعة وموضوعية لأني اعتقد أن مشكلات الحاضر هي امتداد لمشكلات الماضي. ومن دون هذه النظرة الموضوعية والجريئة التي يمكن أن تصل إلى حد نقد الذات لن نستطيع معالجة المشكلات التي نعيشها. في كثير من الحالات واجهت أسئلة صحافية أو انتقادية على شاكلة لمصلحة من تم هذا العمل؟ أو لمصلحة من فتح هذه الصفحات من التاريخ، أنا اعتقد انها لمصلحتنا أولا وأخيرا وليس هناك ما نخجل منه في تاريخنا، ذلك التاريخ الذي أصبح في ذمة الماضي والنبش فيه ليس أبدا نبشا في القبور بل هو نبش في أوابد تاريخية لاستخراج كنوز مدفونة. وبكل الأحوال هذه النظرة أساسا مستمدة من عدم قدرتنا كمجتمعات على مناقشة الكثير من مشكلاتنا الراهنة بشجاعة لأننا نميل دائما أن نعيش بازدواجية بمعنى أننا نفكر بشيء ولكننا نمارس عكسه وإذا ما تجرأنا على مناقشة بعض التفاصيل الحميمية نبدو كمن ينشر غسيلا وسخا على شرفات المنازل. مثل هذه النظرة التي تصر على إخفاء العيب هي التي قادتنا إلى تراكم هذه العيوب وإلى تحويلها عبر كل هذه السنوات إلى أمراض مزمنة وصلت في بعض الحالات لدرجة أصبح من الصعب الشفاء منها.

* لكن يعتقد كثير منهم أن هذه الاعمال هروب من مواجهة الواقع.

** العمل التاريخي يصبح هروبا عندما يقصر مهماته على تأريخ الماضي، أي عندما يأخذ دور أساتذة الجامعات في كليات التاريخ. ليس هدف العمل الفني فقط أن يعيد سرد الحكاية مرة أخرى ولكن أن يعيد البناء من جديد وفقا لآليات نقاش معاصرة ومختلفة، ولكن أيضا بعيدا عما يسمى مجازا بالإسقاط الذي عادة ما يلوي عنق التاريخ بما يناسب الحاضر أو يلوي عنق الحاضر كي يصبح على مقاس التاريخ.

* التغريبة، مسلسل تلفزيوني إبداعي مبهر تم من خلاله نقل صورة النكبة فقد اقترب من تفاصيلها ونجح بتصويرها كثيرا. أستاذ حاتم أنت عشت الاقتلاع من الأرض أقصد الجولان المحتل، كيف كان وقع هذا العمل عليك وأنت تقوم بنقله وتصوير خاصة وان ذاكرتك محملة بنفس الألم؟ وما هو دورك فعلا حاليا كابن للجولان المحتل في نقل هذه المأساة والآلام وفضح ممارسات أبشع نظام فصل عنصري متبق إلى الآن في العالم؟ على الأقل نصف مليون سوري تركوا هذه الأرض وهناك قسم من أهلنا في الجولان مازالوا في حالة معاناة، ربما من يتابع تفاصيلها عن قرب قلة فقط؟

** التغريبة الفلسطينية بالنسبة لمسيرتي الفنية البسيطة هو عمل استثنائي فانا شخصيا كان لدي حلم أن أقدم عملا عن الموضوع الفلسطيني وكنت أظن أن هذا الشيء صعب جدا من خلال التلفزيون نظرا لأن مناقشة الموضوع الفلسطيني يشبه المشي في حقل ألغام. وجاءت الفرصة مع الدكتور وليد سيف لنعيد تقديم عمل كان قد كتبه وتم إنتاجه منذ سنوات تحت عنوان الدرب الطويل ولكن لم يلق النجاح المطلوب. أنا شخصيا اختصرت نصا طويلا وحولته من 45 حلقة إلى 30 حلقة من خلال ضبط الكثير من المحاور والتركيز على بعضها وتم القفز فوق الكثير من المطبات التي عادة ما يقع بها العمل الفني الذي يتحدث عن القضية الفلسطينية، وهي مطبات اعتقد ان الخطاب العربي عموما لا ينجو منها عادة وهي الخطابية والشعاراتية وتحويل القضية الفلسطينية إلى نقاشات واختلاف في التفاصيل حول مجموعة قرارات مجلس الأمن والجمعية العمومية للأمم المتحدة والخ... إن القضية الفلسطينية هي كل كذلك بالتأكيد. لكنها قبل هذا قضية إنسان، والجوهر الإنساني للقضية الفلسطينية كما اعتقد هو الورقة الرابحة التي تنازلنا عنها فأصبحنا أسوأ المحامين لأكثر القضايا عدالة بينما الآخر استطاع أن يحول الهولوكوست على سبيل المثال من خلال الأعمال الفنية إلى قضية يبتز بها الضمير العالمي لتمرير ممارساته. في التغريبة الفلسطينية محاولة للقبض على الجوهر الإنساني في هذه القضية بعيدا عن التأريخ وبعيدا عن الشعارات السياسية، ومحاولة لإيصال الرسائل بطريق غير مباشر من خلال التركيز على القضية الأساسية وهى القضية الإنسانية. شخصيا أنا لست فقط احد أبناء الجولان المحتل الذين عاشوا تجربة تتقاطع في كثير من تفلصيلها مع تجربة شخصيات المسلسل ولكنني أيضا عشت طفولتي وشبابي في مخيم اليرموك وكنت في عام 1967 بعمر صالح الذي كان يحمله خاله مسعود وكنت أيضا محمولا بالطريقة نفسها على ظهر احد أخوالي. بشكل أو بأخر استطعت أن استحضر الكثير من هذه التفاصيل الواضحة أحيانا والمشوشة في أحيان كثيرة والملتبسة في بعض الأحيان وأوظفها وأعيد تركيبها مستكشفا إياها في أحيان كثيرة من خلال العمل نفسه. وكثيرا ما سئلت نفس السؤال وهو كيف يمكن لمخرج غير فلسطيني أن يقدم عملا عن هذه القضية، وأنا شخصيا كنت أقول أن القضية الفلسطينية هي قضيتنا جميعا كعرب واعتقد أن هذا شعور كل الذين يعملون في الحقل الفني والثقافي عموما. وأنا أيضا رغم إنني سوري الجنسية ولكني فلسطيني الهوى إضافة بطبيعة الحال إلى انه ليس من الضروري أن يكون ابن مكان ما أو ابن مجتمع ما أو قضية ما هو الأكثر قدرة على التعبير عنها أو هو الذي يملك فقط القدرة على التعبير عن هذه القضية. أنا اعتقد انه بالنسبة للأعمال التي ناقشت القضية الفلسطينية وإضافة بالطبع إلى أعمال المخرجين الفلسطينيين، فإن هناك مجموعة من أهم الأعمال قام بها مخرجون غير فلسطينيين كبرهان علوية في كفر قاسم وكتوفيق صالح في رجال تحت الشمس وكوستاف كافس في حنا كاف ويسري نصرالله في باب الشمس وهناك أيضا أسماء كثيرة أخرى.

* هل لديك فكرة لاستلهام النموذج نفسه في عمل عن الجولان المحتل؟

** المسألة تبدأ عادة من السيناريو والكتابة، القضية الكبيرة لا تكفي وحدها كي تصنع عملا فنيا وذلك لأنها تحتاج أيضا إلى معالجة فنية بالقدر نفسه. القضايا الكبرى لا تكفي لصنع عمل ناجح والا فإننا سنعود لنقع في نفس المطب الذي كنت تتحدث عنه في سؤالك السابق. إننا نحتاج أولا إلى نص تلفزيوني متماسك وقوي ومتطور وأنا اعتقد أن هذا النص حتى الآن مازال غير متوافر.

* هل يشكل لك هذا هاجسا؟

** بطبيعة الحال

* وصلنا لبعض القضايا التي ربما تمثل إشكالية في المرحلة الحالية في سورية. سورية حاليا في مرحلة يتحدث فيها الجميع عن الإصلاح، سلطة، معارضة، جماهير، مثقفين، فنانين، فالإصلاح يكون حجمه بحجم العطب والخراب الذي يعاني منه المجتمع. هل ترى أن لدينا فعليا مشروع إصلاح في سورية على كل المستويات؟ إن كانت السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية أو الحقوقية هل هناك فعليا إصلاح من خلال السلطة أو المعارضة؟ هل فعلا السلطة تحمل مشروعا إصلاحيا أم هو فقط عبارة عن ممارسة دعائية؟

 ** أنا شخصيا أعيش داخل سوريا واعتقد أننا بدأنا في السنوات الأخيرة حراكا له تجلياته الواضحة وان كانت لا تزال خجولة في أحيان ومتعثرة في أحيان أخرى وفوضوية في بعض الأحيان الأخرى، لكنها في نهاية الأمر علامات إذا ما قورنت بالسكون والصمت والموات التي كانت تسبقها ولهذا فإنها علامات صحة وكأن الجثة عاودتها الروح فبدأت أطرافها تصدر بعض الحركات والإشارات بعض الجهات في سوريا بدأت من خلال النقاشات المطولة وان كان ببطء بدأت تبلور بعض وجهات النظر وان كانت برأيي لا تزال مختصرة وغير كافية إضافة إلى أنها تحتاج إلى آليات لتطبيقها وهذا تحديدا غير متوفر حتى الان.

* صورت وسائل الإعلام وبعض الشخصيات القيادية مثل الدكتورة بثينة شعبان من بعد المؤتمر العاشر لحزب البعث أن هناك فعلا مشروع إصلاح، هل ظهرت دلالات واضحة على هذا في ساحة الفن بعد ذلك المؤتمر؟

** هذا نوع من المبالغة في التفاؤل تماما تشبه المبالغة في التشاؤم من قبل الفريق الأخر. أنا أميل إلى رؤية بعض الإشارات الجيدة بطبيعة الحال دون أن نغفل أيضا بعض الانتكاسات التي تحدث بين فترة وأخرى، تأمل مشكلة العاملين في الوسط الفني والمثقفين في سوريا، إنهم واقعون بين حجري رحى بين حبهم لبلدهم، بين رغبتهم الحقيقية في تطوير البلد والواقع وبين ترددهم وإحجامهم. في كثير من الأحيان مجموعة الضغوطات الخارجية تبدو في بعض الأحيان غير بريئة وان كانت عبر المنشيتات العريضة تلتقى مع كثير من الطروحات الداخلية. هذا التناقض ربما عاشه بعض المثقفين في البلدان الأخرى لكنه يبدو أكثر حضورا عند المثقف السوري فتراه أكثر حذرا من غيره في هذه المسالة، أنا شخصيا من الذين يطالبون بالإصلاح ومن الذين يعتقدون أن مسيرته بطيئة جدا وتكاد لا تلاحظ أحيانا ربما تتسارع في أحيان أخرى ولكنني أيضا من الذين يحبذون إعطاء الطرف الأخر بعض الوقت الذي يطلبونه ولست من دعاة تقويض البيت على من فيه.

* حرية الفن وحرية الرأي وحرية التعبير جزء لا يتجزأ من حرية المجتمع ووحدته، هذه الحرية تقرب الناس من بعضها وتقرب الآراء، تكشف، تفضح الكثير من السلبيات. لدينا الآن في سورية آفتان يعترف بها الجميع سواء كان من المعارضة أو من السلطة وهما الفساد والمحسوبية، أين دور المخرج حاتم علي في فضح وكشف هاتين الآفتين اللتين تقدران على تدمير أي مجتمع؟

** اعتقد أن الفساد يأتي نتيجة عدم الكفاءة من جهة ومن غياب الرقابة من جهة أخرى وقبل كل ذلك من عدم وجود حرية للصحافة حيث انه عادة تأخذ الصحافة دور الضمير الاجتماعي، نتيجة غياب كل هذه الاقانين والأدوات فانا اعتقد أن الفساد سوف يستمر ويستشرس. كل هذه المسائل اعتقد أنها مرتبطة في نهاية الأمر بمقدار الحرية الممنوحة للمجتمع، مما لا شك فيه أن الوضع الآن أفضل حالا لكن ما زال هناك تناقضات كثيرة يعيشها المجتمع وتعيشها أيضا السلطات التنفيذية والتشريعية في مستوياتها المختلفة والتي تصل أحيانا إلى حد التناقض أنا لدي الآن مسلسل اسمه ((عصي الدمع)) سيعرض قريبا وهو مسلسل معاصر ويناقش الكثير من القضايا المعاصرة منها القضاء والفساد. والقضاء كما اعتقد هو المؤشر على صحة أي مجتمع لأنه إذا فسد القضاء فسد المجتمع بكل أطيافه وبكل أركانه ويناقش أيضا من جهة أخرى الكثير من المسائل الدينية بما فيها قوانين الإرث وتعدد الزوجات والحجاب. مسائل كثيرة ومتنوعة. هذا المسلسل على سبيل المثال لاقى معارضة من الرقابة في التلفزيون العربي السوري وكان من المفترض أن يتم تحويله إلى وزارة الأوقاف لإبداء بعض الآراء فيها والى جهات أخرى كي تناقش بعض جوانبه لكنني على سبيل المثال اجتمعت مع السيد الرئيس نفسه وطلب مني أن أعيد تصوير كل ما حذفته الرقابة متمنيا علي ذلك لأنه يعتقد إننا أحوج ما نكون إلى أن نناقش هذه القضايا وكما قلت فان الآليات غير منسجمة والضوابط غير واضحة والاجتهادات غالبا ما تأتي في خارج سياقها، نحن نحتاج إلى ضوابط لكي تنسجم هذه الطروحات ولكي تتحول إلى قوانين ملموسة .

* هل تعتقد أن قانون الطوارىء في سورية قادر على إحباط هذه القضايا في مسلسلات كهذه؟

** بالتأكيد، اعتقد أنه يشكل واحدة من العقبات التي تواجه المجتمع ككل في تحوله الديمقراطي.

* أتعبتك كثيرا معي ولكن وبما أن المركز مهتم كثيرا بقضية الجولان المحتل ومهتم بملف أسرى الجولان أيضا ماذا يقول حاتم علي ابن الجولان المحتل لأسرى الجولان المحتل ولأهله أيضا هناك.

** هذه الحالة تبدو غريبة فهؤلاء الأهل منسيون والعلاقات تبدو أحيانا منقطعة تماما بين الداخل والخارج إلا من خلال حركة الطلبة الوافدين والذين يدرسون في جامعاتنا ومعاهدنا، أنا شخصيا اعرف أن هناك لجنة خاصة للدفاع عن هؤلاء الأسرى حاولت جاهدا الاتصال بها وان أكون عضوا فيها ولكن لم استطع أن أجد لها عنوانا أو رقم هاتف لأنني شخصيا مهتم بهذا الموضوع ولدي استعداد لأي مساهمة أو أي جهد ممكن. السبب في ذلك انه ليس هناك اهتمام رسمي بالموضوع وربما أيضا اللجنة نفسها ليس لديها القدرة على تحويل قضية هؤلاء إلى قضية رأي عام وهذا أمر مؤسف.