الـــــدومــــــــــــــــــري

رقم 1+115 تاريخ 28/7/2003

الذي منع من التوزيع وألغي ترخيص "الدومري" بسببه

الناشـــر : علـي فـرزات

رئيس التحرير : حكـم البـابا

مدير التحرير : محمـد منـصور

 

 

 

 

مــواد العــدد كــامـلـةً حسـب تسـلسـل ورودهـا فيــه:

الصفحة 1 : الأولى

عدد الإيـمان بـالاصـلاح

·                    رسـالة إلى سـيد يهمه أمرنا : هل الدولة هي الحكومة ؟

·                    يوسف العظمة في ذكرى ميسلون : البحث في ظلام الذاكرة

·                    حوار الطرشان بين الصحفيين السوريين ومؤسـساتهم

·                    نحن ننفرد بنشر سيناريو الحلقة الممنوعة من برنامج ملفات حارة

·                    ممـدوح عـدوان يـكـتـب ســيرة الـمـمنـوع

·                    ملف محاكمات زيزون : 147 عاماً أحكاماً و74 مليار ليرة غرامات

  أقرباء المســؤولين أبرياء وغيرهم مدان

·                    عشرة أسباب تدل على أن السوريين شـعب سـعيد !!

·                    الحسـابات الشـخصية ضيعت الرياضة الســـورية

 

إلى قارئ "الدومري"

     كان خيار "الدومري" منذ لحظة التفكير بإصدارها هو الانحياز للناس لتكون صوتهم ومرآتهم وجزءا  من رغبتهم في مستقبل آمن ومشرق, لأنها بدونهم لا معنى لوجودها كله, ورغم أن هذا الخيار تعثر أو عثر عبر مسيرة "الدومري" إلا أن النية الحقيقة في كونها صوت الناسلم تغب عن ذهن العاملين فيها, وإن تقدمت عليها أحيانا  أولويات أقل أهمية.

    و"الدومري" الجديدة التي تبدأ هذ العدد مع قارئها بعد توقف قسري تقرؤون تفاصيلة في مكان آخر من العدد, ترجو وتعمل على أن لا تحيد عن سبب إصدارها مرة أخرى, وهي أن تكون صوت الناس وصورة المجتمع بهمومه وآماله, برغبته الجدية في القضاء على الفساد, وجديته في تحقيق الإصلاح الذي دعا إليه السيد رئيس الجمهورية د. بشار الأسد, وطالب أن يكون كل مواطن مسؤولا  حتى ولو لم يكن في موقع مسؤوليه, ولذلك فإن "الدومري" تعتبر أن سقف حريتها يحدده مصلحة الوطن الحقيقية, لا مصلحة أصحاب المصالح الذي ذكرهم رئيس الجمهورية, والذين يرفعون سقف مصالحهم لتكبر عن سقف مصلحة الوطن, ويضيقون على أي صوت أو رأي أو كلمة تمس مصالحهم.

     وترجو "الدومري" أن تتحول صفحاتها إلى منتدى حوار وطني لا يغيب رأيا , ومساحة مكاشفة ومصارحة تقود إلى خير الأمة كلها, في ظرف يهددنا جميعا , وأن تصبح صوت كل الآراء والأفراد والجهات شرط أن تتحدد بسقف الوطن, وهو سقف عال جدا , وليس منخفضا  كما يحب تصويره أصحاب المصالح الخاصة.

 ونحن على أمل بأن السيد رئيس الجمهورية سيكون معنا لأن وجودنا رهن بمشروع الإصلاح الذي طرحة والذي يضمن لأمنا سورية المنعة والازدهار.

 

(الدومري)

--------------------------------

الصفحة 2 : هموم

 

بالأرقام والتواريخ:

لماذا غابت "الدومري" عن قارئها!؟!

عن أسرة الدومري

المحامي أنور البني

 

    منذ صدور جريدة الدومري شكلت حالة جديدة أولى في الصحافة السورية بعد أربعين عاما  من صحافة الصوت الواحد واللون الواحد والخبر الواحد.

    وقد أحدثت صدمة كبيرة لوزارة الاعلام بمدى تقبل الجمهور لها وأرقام التوزيع والشكل وطبيعة تناول الخبر ونوع الخبر الذي تعالجه.

    وابتدأت حرب حقيقية ضد صحيفة الدومري وشددت الرقابة بشكل كبير عليها لوأد هذا الوليد الذي شكل صيحة أولى في إعلام حقيقي.

    وكانت أولى تجليات هذه الحرب حذف صفحتين كاملتين من الصحيفة كانت تناقش أداء الحكومة فوزعت الصحيفة بصفحتين بيضائتين تحملان رسمان للفنان علي فرزات يعبران عن آلام الكتابة وقهر القمع.

    واستمرت الحملة بالزام الصحيفة بالتوزيع عبر المؤسسة العامة لتوزيع المطبوعات فقط التي ألزمت الدومري بتخفيض أعداد طباعتها وحصرت كمية التوزيع بـ /41000/ نسخة بعدما كانت الصحيفة توزع /50000/ نسخة وكانت المؤسسة تتأخر بالتوزيع أو لا توزع الكمية كاملة ولم تتوقف عند هذا الحد بل ألزمت الصحيفة بالخضوع للرقابة المسبقة قبل الطباعة ومارست كل أنواع الضغوط المتاحة عبر وزارة الاعلام والرقابة والمؤسسة العامة لتوزيع المطبوعات والمؤسسة العربية للاعلان ومنعت الدوائر الرسمية من الاعلان أو الاشتراك بالدومري وضغطت على المحررين والكتاب الذين يعملون بها بحرمانهم من العمل في الجرائد الرسمية أو توقيفهم عن العمل ومنعهم من الكتابة بها.

    كانت حربا  أستخدمت بها كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة من قبل وزارة الاعلام والأجهزة والمؤسسات المسؤولة.

    وعند بدء الحرب على العراق وقيام جريدتي الوطن الكويتية وأخبار العرب الاماراتية بإعادة نشر بعض الرسومات للفنان علي فرزات والتي سبق أن رسمها أثناء حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت) والتي عب ر فيها عن موقفه وموقف صحيفته بالانحياز إلى جانب الفئات الشعبية المسحوقة ورفضه للقمع والديكتاتورية تحت أي شعار أو غطاء وجدت وزارة الاعلام ومن معها الفرصة سانحة برأيهم للانقضاض على الصحيفة ومحاولة استغلال الاستياء الشعبي من قيام الولايات المتحدة وبريطانيا بغزو العراق للانقضاض على الصحيفة ومالكها وتصفية ثأر قديم يؤرق صحفهم.

فأوعز لجريدة تشرين بشن الهجوم على الدومري ممثلة بصاحبها الفنان علي فرزات ونفذت الأوامر بصدور صفحتين كاملتين على عددين متتاليين بتاريخ 31/3 و1/4/2003 بالتشهير بالفنان علي فرزات والتشكيك بمواقفه الوطنية واتهامه بالعمالة المأجورة للدينار والدولار في سابقة لم تشهد لها مثيل الصحافة السورية تجاه أي شخص مما عب ر عن مدى ما تحمله وزارة الاعلام ومن معها - للأسف - تجاه الفنان علي فرزات وقام الفنان فرزات باصدار بيان بتاريخ 1/4/3002 فسر  فيه سبب هذا الهجوم والدافع إليه وأكد على موقفه الواضح والمستمر طيلة حياته بالوقوف إلى جانب الطرق الأضعف والذي يدفع الثمن دائما  وهو جم,ع الناس وهمومهم وانجازه لهذا الجانب دائما  مهما كان الطرف الذي يقف ضده وعندما رفضت وسائل الاعلام نشر بيانه قام بمحاولة نشره عبر صحيفته الدومري فوجئ بالرقابة تشطب ما شائت من بيانه ومن رسائل التأييد والدعم التي وصلت إيه فصدرت طبعة العدد /104/ تملأها المساحات البيضاء التي كذبت وبشكل فاضح وصارخ ما أشيع عن مساحة الحرية التي منحت للصحافة والتفني بإيجابيات قانون المطبوعات الجديد (باليل ياليل) وصرت الأوامر الوزارية للمطابع بعدم الطباعة لصحيفة الدومري إلا بموافقة مسبقة خطية ولكل عدد على حدة مخالفة بذلك قانون المطبوعات نفسه الذي وضعوه وفصلوه على مقاسهم. ورفضت هذه المطابع الطباعة للدومري.

     وهذا ما فعلته جريدة تشرين فرفضت نشر رد قانوني تسلمته حسب قانون المطبوعات لنشره ردا  على ما جاء بها وهذا حق نص عليه قانون المطبوعات ولكن الصحيفة رفضت ضاربة القانون بعرض الحائط (والي ا عجبو يدمر راسو بالحيط) فلجأ الصحيفة إلى القضاء وتقدمت بدعوتين إحداها ضد محررة تشرين التي تبنت الصفحة بالعدد الأول وضد المدير العام لصحيفة تشرين الذي تبنى الخبر في العدد الثاني من تشرين بتهمة الذم والقدم والافتراء حسب قانون المطبوعات كما تقدمت بدعوى لالزام الصحيفة بنشر الرد على ما جاء بها وما زالت الدعوتين في مهب القضاء لم تستقرا على شاطئ بعد.

    واضطرت الدومري تحت وابل هذه القذائف الموجهة والمبيتة للطباعة في مكاتبها وتوزيع أعدادها على المشتركين وكانت تبلغ وزارة الاعلام وتسلمهم نسخا  عن الأعداد المطبوعة والموزعة.

    وفوجئت الدومري بتاريخ   21/  5  /2003 تبلغها إنذارا  من وزير الاعلام يعلمها بأنه يعتبرها متوقفة عن الصدور وأنه (وحسب قانون المطبوعات) سيضطر إلى سحب الترخيص إذا لم تصدر أعدادها وتسمها إلى المؤسسة العربية لتوزيع المطبوعات وتقدمنا إلى وزير الإعلام بر د نبين فيه أننا لم نخالف قانون المطبوعات وإنما الوزارة هي التي خالفته وإننا نطبع الأعداد ونوزعها بأرقام أكبر بكثير مما نص عليه قانون المطبوعات (كانت الدومري تطبع في مكاتبها خلال هذه الفترة 1500 عدد توزعهم على المشتركين السنويين بينما ينص قانون المطبوعات أن لا تقل عدد الطبع عن (500) نسخة.

    وإننا لم نتوقف عن الطباعة حسب القانون وإننا نسم للوزارة النسخ المطلوبة قانونا  بعد الطباعة وحسب نص القانون.

    كما بينا للوزارة مخالفتها القانون بكافة الاجراءات التي قامت بها تجاه الدومري وتقدمنا بدعوى أمام القضاء (الهم لا أسألك رده بل اللطف فيه) الاداري (مجلس الدولة) لالغاء مفعول هذا الكتاب لعدم قانونيته وعدم شرعيته.

ومع وصول الرد للوزارة ورغم تبلغها الدعوى بإلغاء القرار إلا أنها استمرت بغي ها وخلالها ,مخالفتها للقانون فوجهت إنذارها النهائي للجريدة بتاريخ 14/7/2003 تعطيها الفرصة الأخيرة قبل سحب الرخصة.

    ورغم ردنا على كتابها الأخير وإظهار العيوب القانونية التي متسابقة وانعدامه إلا أن قرارا  اتخذ في الجريدة فساهم فيه الجميع بمالهم ووقتهم وجهدهم وتفانيهم وهو اللجوء إلى قضائنا وقدرنا الحقيقي خوض المعركة تحت سقف القانون الذي نحترمه ويحترمه الوطن.

 
عن الزير والبير وأشياء اخرى
سلمى  كركوتلي
 

   رغم ما بدى من ارتياح لدى كثير من الزملاء اثر ندوة الصحفيين التي عقدت في المركز الثقافي في المزة وبعد ان اتفق على وضع توصيات لتحسين وتطوير الاعلام لم استطع ان اتغلب شعوري باليأس وتلك الدودة التي تنهش صدري وتقول لي ما في امل ..

    فما زال علينا ان ننتظر توصيات، ومازال هناك كثير من الاخذ والرد الذي علينا ان نتبادله ، ومازال علينا والعالم يضطرب وبلادنا تهدد وحياتنا على وشك ان تصبح في مهب الريح بل هي كذلك فعلا ، مازال علينا ان نناقش ما اذا كان الابيض ابيض فعلا او انه يتراءى الينا، ومازال امامنا الكثير لنقنع اصحاب القرار بان الكلام اذا ان لم يصدر عنه اجراءات جدية يشبه طحن الماء الذي لا ينتج الا الماء ..

تصوروا اننا حوالي ثلاثين عاما من الاستقرار المزعوم نتحاور حول حرية التعبير وحول هامش الحرية المطلوب .. وحول ضرورة وجود صحافة وصحف تعبر فعلا عن الرأي العام ومشاكل الوطن الحقيقية..

   وعلينا الخضوع لامتحانات تعجيزية تثبت لاولي الامر بأننا مجتمع تجاوز سن الرشد واصبح مؤهلا ليناقش همومه وليقرر مصيره الذي يكاد زمام امنه يفلت من الايدي ..

   سنوات طويلة والاجهزة وازلام الاجهزة مشغولة في تصنيف كل ما لا ينضبط في مسيرة الرياء العام وبفرز الناس بين موال وصديق او معارض وعدو .. وقد بذات جهودا وصرفت اموالا واضاعت وقتا كبيرا  من اجل الانتصار على خصم في حلبة هي المصارع الوحيد فيها .. لقد تعاملت معنا دوما على اننا الخصم ..والمضحك اننا  صدقنا  بأننا نحن الخطر الذي يهدد  الوطن.. صمتنا وقبلنا بأن نتمدد مسحقوقين تحت بساطيرها ملويي العنق ، مضحين بكرامتنا ،متحملين كل المآسي التي  طالت حياة كثيرين منا احيانا، داعين لله نصرها على كل عدو يهدد الوطن ، لأن الوطن غال .. ثم فجأة انقلب العالم فازاح غلالة الاكاذيب التي اعمت عيوننا وقلوبنا . وبين يوم وليلة وضحاها اضحت السنة التنين تحيط بنا وتهدد حدودنا من كل الجهات واصبح الوطن الغالي قطة مرتعبة تبحث عن جحر تختبئ به ..وبان اننا لسنا الخطر الاعظم وانما القوى العظمى التي استفادت من غيابنا باتت تعتبرنا حجتها  لكي تطبق انيابها على ما تبقى لنا من وجود ..

    واعتقد كما يعتقد كثيرون بأن لنا جميعا حق الخوف والشك بعد ما جرى في العراق ..وبأننا لنا حق المجاهرة بمخاوفنا وافكارنا .

    اعرف بان هذا الكلام يتجاوز خطوطا حمراء لا اعرف من وضعها .. واعرف بان هناك من سيقرأ هذه الكلام ويضع خطوطا حمراء حوله وحولي .. وربما تجاوز الامر ذلك الى اجراءات اخرى بحجة التطاول على كيان غير مرئي يعرف مصلحة البلد اكثر مني ويعرف ما لااعرفه .. لكني اسأل  هل بقي ما لا اعرفه وهل بقي ما هو غير معلن ويعرفه الجميع وهل بقي من اسرار امام كل وسائل الاعلام التي تقتحم بيوتنا ومكاتبنا وحتى احلامنا  ؟..

    لدى البعض امل .. وكم اتمنى ان اجرب هذا الشعور اخيرا ..لكني اعتقد لكي يكون للامل مكان بيننا لابد من ان نتخطى مرحلة محاولة الكلام واختبار بعضنا البعض الى مرحلة الفعل والاجراءات حتى لا نغرق في وعاء " اللت " وندور في حلقة مفرغة كالعادة .. وهاذا يعيدني الى ندوة  " الواقع والتطلعات " التي اقامها اتحادنا المبجل اتحاد الصحفيين  والتي اختار لها عنوانا منمقا اراد له ان لا يوحي بالمأزق الكبير الذي تعيشه الصحافة في بلدنا، وفي نفس الوقت يمكن له ان يوحي بان هناك اتحاد صحفيين فطن ينظر الى المستقبل ويستشرف ضرورات التطوير لاعلام موجود اساسا ..وهو يريد من خلال اجتماع يتيم ان يخرج الزير من البير ..

    انما أي زير فارغ هذا اذا لم يسبق التوصيات التي لا اعرف من سيصوغها عقد لقاءات موسعة للصحفيين العاملين في مؤسسات الدولة .. وهم حتى الان الاعضاء المعترف بهم في الاتحاد .. واي توصيات ستخرج اذا لم تتم دعوة الصحفيين من غير العاملين في مؤسسات الدولة للاطلاع على مشاكل وهموم الصحافة غير الرسمية؟؟ ..واي توصيات ستخرج اذا كان سيوصي بها مجلس اتحاد اعضاءه بما فيهم رئيس الاتحاد جزءا من مشكلة الصحفيين والصحافة في بلدنا !!!.. واني اتساءل هنا هل يجروء ان يوصي من سيضع التوصيات التي ستصدر عن اتحاد الصحفيين الحالي بعقد مؤتمر استثنائي لمناقشة واقع الاتحاد ومشاكله وبحل مجلس الاتحاد واجراء انتخابات حرة دون وصاية الاجهزة ودون قائمة الجبهة المضللة ؟..

   وهل سيوصي بضرورة تنفيذ قرارات الدولة التي اتخذت بالسماح بالصحف والمجلات الخاصة مع حق الجميع بالعمل في هذا المجال وليس فقط اولاد المسؤولين واصحاب الحظوة والمأمونين من وجهة نظر البعض ؟؟.. ثم اخيرا وليس آخرا هل يجرؤ من سيوصي بتصدير توصية جدية تطالب باعادة النظر بقانون المطبوعات الذي اذا لم يتم تغييره لا يمكن لأي حوار حول الصحافة وحرية الرأي ان يكون له أي معنى..

    لأكون متفاءلة واقول انه من الممكن  ان تصدر كل تلك التوصيات .. ومن الممكن ان يتجاوز اولي الامرمن نقابيينا المناضلين انفسهم ويعملونها .. لكن هل يكفي هذا ؟؟ كيف يمكن للتوصيات ان تصبح اجراءات .. وكيف يكمن ان نخرج جميعا بحلول حقيقة ..؟؟

     للاسف سنعود من حيث بدأنا فمازال الامر بيدي الوصي الذي سيسمح او لا يسمح بأي اجراءات ومازال هناك الجهات التي توافق او لا توافق ومازال هناك التعليمات الشفهية التي لايتحمل مسؤليتها احد تتحكم بأي خطوة نريد ان نخطوها .. اتركوهم او امنعوهم.. افعلوا او لا تفعلوا.. معنا او ضدنا..وهكذا نعود للبداية .. هل فهمتم لماذا اشعر وتشعرون انه لاجدوى .. يا جماعة ما في امل..

----------------------------

الصفحة 3 : يفتح بالذات

خطاب إلى السيد وزيـر الاعلام السوري بـصـفـتـه لا بشخصـه

تـفـاصـيـل صـغـيـرة فـي الـلـوحـة الـكـبـيـرة

مــن الـصـحافـي حكم الـبابـا بـصـفـتـه وشـخـصـه

 

السيد وزير الاعلام

    بداية أحب أن أوضح لكم أن هذا الخطاب الذي أوجهه إليكم بصفتكم وزيرا للاعلام ،يصح توجيهه إلى أي شخص يتولى هذا المنصب ،لأن السياسة العامة لوزير الاعلام كما عهدناها - في التعامل مع الاعلام والصحفيين في سورية واحدة في الجوهر ،وإن كانت تختلف في التفاصيل .. وهو إلى ذلك ليس شخصيا وخاصا وإن كان يمتلئ بالحوادث الشخصية التي عشتها ،ولا أزال أعيشها شخصيا في عملي كصحفي سوري .. وهو أيضا عام - وإن بدا غير ذلك للذين يريدون تحويل المعاناة العامة إلى نزاع شخصي للتقليل من أهميته - لأن بامكان غيري من الصحفيين السوريين أن يوجهه إليكم بحرفه ونصه مع استبدال الحوادث التي عشتها وأرويها بحوادث عاشها زملائي ،دون أن يؤثر ذلك على مضمون الخطاب أو يغيّر من معاناة الصحفي السوري في اعلامه الذي تتولون مسؤوليته .. وأخيرا أود التنويه بأن وجود أي اسم من مسؤولي الاعلام في خطابي هدفه توثيق الحدث والتأكيد على أن من قام به ليس الملائكة أو الشياطين أو الأشباح ،بل أشخاص محددي الوجوه ،ولايعود إلى رغبة ثأرية أو تشهيرية كما سيحب البعض تصويره للتشويش على ماجرى ويجري ..

السسيد وزير الاعلام

   ربما وصل إلى سمعك بأننا كصحفيين سوريين تفاءلنا بعد تسميتكم وزيرا للاعلام ،وهذا التفاؤل يعود لأسباب عديدة ،أولها :لأن الوضع العام للاعلام والاعلاميين في سورية مرّ ،وثانيها :لأن أي تغيير يحمل أملا ما بسبب الوضع المتردي عادة ،وثالثها : - وهذه خاصة بك - لأنك أتيت من الدبلوماسية وعشت في العالم الليبرالي وقرأت الصحافة المهنية وتعرفت على الصحفي الحر ،مما قد يعني بالنسبة لنا عقلية جديدة تدخل لادارة الاعلام السوري ،لكنك للأسف بددت هذا التفاؤل في أول لقاء جمعنا بك في جريدة تشرين ،وحاولنا تكذيب آذاننا مما سمعناه منك ،وإقناع عقولنا وأنفسنا بأن الانطباع الأول عن الشخص ربما يكون انفعاليا ولايشي بجوهر الشخص ،لكن أكثر من ثلاث سنوات عشناها معك كوزير للاعلام جعلتنا نتأكد بأن انطباعنا الأول كان صائبا ،ودفعتنا لنتحسر كصحفيين سوريين على سلفكم على الرغم مما عشناه في عهده من مرارة ،ولم تستطع أن تطور الأداء الاعلامي السوري بما يتناسب مع دعوات الاصلاح ،بل ربما ساهمت بشكل مباشر في الاساءة اعلاميا لصورة النظام السياسي عبر تصريحات اعلامية واجراءات أقل مايقال فيها أنها لاتصدر عن دبلوماسي ، ولذلك نعيش اليوم كصحفيين - ونحن نسمع عن أنباء تغيير وزاري تجمع المصادر والاشاعات والتسريبات أنه سيطال الاعلام - الحالة التي عشناها في الأيام الأخيرة لسلفكم في وزارة الاعلام والتي تتلخص في ثلاث جمل : وافع مرّ ، وأمل بالتغيير ، ورغبة في أن يكون القادم إلى الوزارة أكثر تفهما للمهنة الصحفية وللصحفيين وهذا ماسيعني بالتأكيد أكثر خدمة للنظام السياسي في سورية ،لابمعنى كم أفواه الصحفيين ليصمتوا عن الفساد ، بل اطلاق ألسنتهم لمراقبته وهذه أكثر وأجل خدمة تقدم لدعوات الاصلاح . وحتى لايكون خطابي عموميا سألجا في السطور القادمة إلى تقديم كشف حساب للأحداث التي عانيتها شخصيا خلال الثلاث سنوات الأخيرة  ، والأحداث التي عاناها زملائي وعايشتها وأمتلك أدلتها ، وسأبدأ منذ البداية ..

  السـيد وزير الاعلام

    قبل توليكم وزارة الاعلام كانت الحالة الاعلامية تكاد تكون كارثية ،مؤسسات صحفية أطلق يد مدرائها فيها وكأنها اقطاعيات خاصة  ( ولماذا أكتب كأنها ؟ هي مزارعهم واقطاعياتهم في الواقع ) ،المهم أن لايرتكبوا أي خطأ سياسي ،أما فيما عدا ذلك فكل الأمور مسموحة ،وللمفارقة كانت أكثر الأمور سماحا في جريدة تشرين التي أعمل في قسمها الثقافي هي المنع ، فرئيس القسم الثقافي يرفق في العادة قصاصة بمقال المحرر ( غالبا ماأكون أنا ذاك المحرر ) إلى أمين التحرير يرجوه فيه التوجيه بشأن المقال المرفق ،ويعني طلب التوجيه في أي مادة عادة طلب منع المادة لكن على طريقة بيد غيري لابيدي ،  وأمين التحرير يرفق قصاصة بنفس المقال إلى المدير العام السيد محمد خير الوادي يقترح عدم نشر المقال المرفق أو حذف فقرات منه في أحسن الأحوال ، ممايضطرني عندما أكون كاتب المقال إلى مجادلة المدير العام وغالبا ماأنجح في نشره ، دون أن يجر نشره أي ذيول أو تبعات ، لكن القصاصات تستمر يوما بعد يوم ومساحة الحرية تضيق ، فما كان مسموحا الكتابة عنه البارحة يصبح ممنوعا اليوم ، ورقم توزيع الجريدة ينزل يوما بعد يوم ، والقارئ يفقد الثقة فيها أكثر مع كل صباح جديد ، ولايبقى مستمرا وثابتا وراسخا سوى المسؤولين الاعلاميين المزمنين ، الذين يزدادون تضييقا على الحريات لأن ذلك باعتقادهم يجعلهم يثبتون على كراسيهم ، بينما مع الوقت ييأس الصحفي من الاشتباك في جدال جديد حول كل مقال يود نشره ويفضل الصمت مثلما فعلت أنا على رفع ضغطه وسكريه مع كل مقال يكتبه .

    و الصحفيين متساوون في الواجبات لا في الحقوق ، فعليهم تقديم حجم العمل الشهري المكون من أربع مقالات ، ويقاس المقال بعدد الكلمات لا بالمستوى والأهمية وخدمة القارئ ورد الفعل ، وعليهم ختم بطاقة الدوام اليومي أما مهمات السفر لحضور الأنشطة والمهرجانات فقد كانت على الدوام محصورة بالبعض دون الآخرين ، بالمحظيين والمدعومين وأصحاب الهواتف المجهولة والمنافقين والمتزلفين وسماسرة البزنس ومؤدي الخدمات الخاصة ، لا بالصحفيين لأن صاحب الاقطاعية الذي يسمى المدير العام بيده كل شيء ، لارقيب عليه ، ولامن يحاسبه ، ولاتوجد جهة يشتكي إليها الصحفي ، وحتى إن وجدت فهي قاصرة أو متواطئة أو مشاركة ، فرغم عملي في جريدة تشرين لمدة 17 عاما لم أحظ إلا بمهمة واحدة عام 1997 لحضور فعاليات مهرجان الاسكندرية السينمائي لمدة عشرة أيام ، بينما لم تحظ زميلتي في القسم السيدة عفراء ميهوب بعد 27 سنة صحافة إلا بسفرة لمدة ثلاث ساعات إلى عمان في افتتاح خط جديد لشركة الطيران السورية ، في حين حظي آخرون أقل خدمة في بلاط الصحافة ( ولن أقول خبرة ) بمهمات عديدة إلى خارج البلاد ، هذا إذا لم أتحدث عن السفرة الواجبة سنويا لأحد محرري القسم الثقافي ، وكل ذلك لأن القاعدة الذهبية التي كانت وأظنها لاتزال سارية المفعول ومتبعة في الصحف السورية هي أن أهمية الصحفي  تأتي من صاحب الاتصال الأهم الذي يوصي به عند المدير أو الوزير .

     وتفاقمت هذه الحالة لتصل إلى حد استطاعت فيه سكرتيرة المدير العام  أن تتحكم بالمؤسسة كاملة ،وكان الحصول على رضاها أمنية لصحفيي المؤسسة ،أما من تغضب عليهم فهؤلاء يحرمون من نعمة مناقشة مشاكلهم مع مديرهم العام الذي لن يستقبلهم بناء على أوامرها ،فحين كنت أود مناقشته في أمر ما كان يطلب مني على الهاتف أن أعود مساء إلى الجريدة لمقابلته ، لأن المرور إلى مكتبه صباحا يعني المرور من خلال فلتر السكرتيرة التي لاتداوم مساء ، وقد ينفى صحفي بسببها ونزولا عند رغبتها إلى قسم الأرشيف عقوبة كما حدث معي بين تاريخي 3/7 و 16/10/1999 وسجلته بتفاصيله في كتاب موجود لدى اتحاد الصحفيين برقم 734/و ، وتاريخ 9/9/1999 مع علمي بأن الاتحاد لن يقوم بأي اجراء كون المدير العام الذي أشتكيه عضو في المكتب التنفيذي الذي أشكو إليه ، ووصل الأمر بسطوة السكرتيرة إلى حد تعيين أخاها أمينا للتحرير في مجلة سياسية أسبوعية كانت تصدر عن المؤسسة  .  

    قد يعتبر البعض أن ماأورده مجرد تفاصيل يومية صغيرة لاينبغي علي أن أضخمها لتطغى على مأساة الصحافة السورية ككل ، لكن هذه التفاصيل بالاضافة إلى كونها تشكل اللوحة العامة والأرضية التي كنا نتحرك عليها وينبغي علينا العمل في داخلها لنصنع صحافة ، تجعلني أشعر بالغصة والأسى واليأس كصحفي وأحس أنني مواطن درجة ثانية في عملي ، وأن غيري يسلبني حقي الذي منحه لي الدستور من جهة ، ومستوى عملي من جهة أخرى .

السـيد وزير الاعلام

    عندما قررت زيارة جريدة تشرين في الفترة الأولى لتسلمك وزارة الاعلام ،أبقى المدير العام خبر زيارتك سرا إلا على المنتمين إلى شلته ومحظييه ، لكن الظروف شاءت أن يصلني الخبر ، وفعلا حضرت ذلك الاجتماع بعد أن كتبت خطابا إليك وحملته معي ، وحاول المدير العام الذي فوجئ بوجودي في الاجتماع محاصرتي كي لاأقول ماأريد قوله ،حين حدد دوري في الكلام في آخر القائمة رغم أنني أول من طلب الكلام ، أملا منه في أن تنتهي زيارتك المحددة الزمن قبل أن يصلني الدور لأتكلم ، لكن الحاحي عليك بطلب الحديث منحني فرصة القول ، وقلت كل شيء ضمن الوقت المتاح ، وسلمت مدير مكتبك السيد محمد الناصوري آنذاك الخطاب الذي أحمله بناء على طلبك ، والذي لم يصل إليك كما عرفت فيما بعد منك شخصيا ، لكني أعترف أنني لم أنتبه إلى خطابك الذي كان يشي بفهمك للاعلام والطريقة التي ستدير بها المؤسسات التي نعمل بها (كنت ترد على كل من يطالبك بمزيد من الحرية في الكتابة في موضوع ما بقولك : تعالوا إلي وسأعلمكم كيف يكتب هذا الموضوع ) والتي أقل مايقال فيها أنها لاتختلف عن طريقة أسلافك الذين مروا على الوزارة رغم اختلاف الزمن والظرف وخطاب الاصلاح الذي كان عنوان المرحلة التي تسلمت بها إعلام البلد . وبعد أيام من زيارتك دعوتني للقائك في مكتبك ونعتني بالثائر الأحمر ، وفي نهاية ساعة جمعتني بك تحدثت فيها أنا لمدة 15 دقيقة شارحا مشاكلنا كصحفيين في الاعلام عموما وفي جريدة تشرين خصوصا ، بينما استأثرت أنت بالحديث في باقي زمن اللقاء  ،سألتك ماإذا كنا سنحظى قبل انتقالنا إلى الحياة الأخرى بالعمل في جو إعلامي نظيف ومهني في سورية ، فأجبت : نعم وقريبا جدا .

   .. والآن وقد مضت أكثر من ثلاث سنوات على توليك وزارة الاعلام سأحاول أن أقدم عرضا موجزا لما تحقق من من الوعد القريب جدا الذي قطعته لي .. تبدل المدير العام بآخر قادم من خارج المهنة الصحفية ، وكوفئ المدير المبعد عن الجريدة  بترقيته إلى منصب سفير ، واستمرت مفاصل النشر السالفة الذكر في أماكنها بعد أن غيرت ولاءها من المدير العام السابق إلى المدير العام اللاحق ، لابل رقي بعضها من أمين التحرير إلى مدير تحرير ، ولازالت تدير الاعلام والجريدة بنفس العقلية السابقة ، لا بل أظن بطريقة أكثر انغلاقا ، وبقي الاصلاح شعارا يكتب عنه ولايمارس ، وضاقت مساحة الحرية المتاحة ، فـ(ديمقراطية) المدير العام السابق النسبية التي اكتسبها من التعامل الطويل مع المهنة الصحفية والصحفيين ، صارت حلما مع المدير العام الجديد الذي أعطى أذنه لمفاصل النشر في تقييم الصحفيين وتصنيفهم بين خانتي المشاغبين والموالين من جهة ، وللذين دفعوا به إلى منصبه الجديد من جهة أخرى . ولم يتغير في الجريدة إلا أمران : شخص المدير العام ، والرقابة التي زادت بعد أن تحول الاعلام من اعلام دولة مع مراعاة للحكومة ، إلى إعلام حكومة بالكامل ، أما ماعدا ذلك فقد بقي كما هو المرضي عنهم والمغضوب عليهم ، ومن حسن حظي أنني أنتمي إلى الفئة الثانية في مثل هذا الاعلام .

    وبدأت تنفيذ وعودك حول اعلام مهني بإصدار التعميم رقم 167 تاريخ 14/10/2000 القاضي بمنع نشر أي اعلان أو تقديم أي برنامج أو حوار يتعلق بعمل وزارة الثقافة إلا إذا اقترن بموافقة وزيرة الثقافة ، مما يعني أن وزيرة الثقافة ستشرف على مانكتبه أو نعده ، فقررنا مجموعة من الصحفيين أن نعد عريضة إلى اتحاد الصحفيين نطالب فيها بوقف هذا التعدي السافر على الحرية الصحفية ، ووصلك خبر العريضة عن طريق زميلة صحفية ( كوفأت فيما بعد بتعيينها أمينة تحرير لمجلة تشرين الأسبوعي ، ومؤخرا بتسليمها إدارة مكتب سانا في المغرب ) فأنهيت في نفس اليوم تكليفنا بالسفر إلى حلب الذي كان مقررا لتغطية فعاليات مهرجان الأغنية السورية السابع ، وإصدار نشرة المهرجان المكلفين باعدادها بعد أن أعددنا نشرة دورة المهرجان السادس  .

    وبعد أقل من خمسة أشهر مضت على الحادثة السابقة بقيت لمدة شهر كامل في حالة استدعاء لأحد أجهزة الأمن بعد نشري مقالا عن وضع الصحافة السورية في جريدة النهار اللبنانية بتاريخ 20/2/2001 ، وقدمت لك كتابا أطلب تدخلك كوزير للاعلام الذي أعمل فيه سجل في وزارتكم برقم 808 وتاريخ 10/3/2001 ، لكن الجواب كان الصمت المطبق ، كماهو حال الكتاب الذي قدمته لاتحاد الصحفيين برقم 187/و وتاريخ 10/3/2001 ، وكما هو حال الكتاب الذي قدمته لجريدة تشرين برقم 14 وتاريخ 10/3/2001.

     ولم يمض العام 2001 على خير ، فقد نقلت تعسفيا بناء على أوامرك إلى مكتب جريدة تشرين في حلب بتاريخ 10/9/2001 بعد توقيعي على بيان يطالب بالحرية للأستاذ رياض الترك ، واضطررت لطلب اجازة بلا راتب لمدة شهرين بعد التحاقي بالعمل في حلب ، ولم أعد إلى دمشق إلا بعد موافقتك على الكتاب السري والخاص رقم 1000/8/ت وتاريخ 24/10/2001 الذي وجهه مدير عام جريدة تشرين إليك ويسألك في إعادتي بعد تنفيذ العقوبة .

    ومؤخرا في شهر تموز 2003 أصدرت مع زملاء لي ملفا عن الاعلام السوري في مجلة المحاور اللبنانية ، وسمح بتداول عدد المجلة في سورية ، لكنك في اجتماع حزبي وردا على أسئلة بعض رفاقك حول الملف نعت ماكتب فيه بالافتراء ، ونلت من كتابه رغم أنهم من خيرة الصحفيين السوريين ، دون أن يخطر لك أننا قد نكون على حق ولو بنسبة واحد في المائه ،ودون أن يخطر لك أن تدعونا وتستمع إلى همومنا ، التي اضطررنا لمناقشتها في مجلة لبنانية بعد أن سدت في وجوهنا أبواب اعلامنا .

    هذا إذا لم أتحدث عن المقالات التي رفضت لي والمرفقة بقصاصات من نفس النوع الذي كانت ترفق بها مقالاتي قبل توليك وزارة الاعلام ، انما هذه المرة مكتوبة من قبل المدير العام لجريدة تشرين شخصيا ، ولامن ألجأ إليه هذه المرة ، مما دفعني للتوقف عن الكتابة احتراما لنفسي ومهنتي ، بينما تزدهر على صفحات الجريدة التي أعمل بها مقالات بدون معنى ولافائدة ولا قضية ، وإذا لم أتحدث أيضا عن الدعوات التي وصلتني لحضور المهرجانات السينمائية ورفضت من قبل الادارة التي كانت ترسل فاكسات لنفس المهرجانات تطلب منهم دعوة محررين محظيين لديها ، والسفرة السنوية التي لم تتوقف لمن سبق وذكرته ، وإذا لم أتحدث أيضا وأيضا عما يلقاه الاعلام السوري الذي تتولى وزارته من نقد محليا وعربيا ، من أهل المهنة وجمهورها ، مما يمسني شخصيا ويجعلني متهما كواحد من العاملين في الصحافة السورية ، بحيث لاأستطيع أن أفخر بمهنتي أمام القراء داخل بلدي وزملائي من الصحفيين العرب .

السيد وزير الاعلام

     أرجو أن لاتعتبر هذا الخطاب شكوى شخصية وإن بدا كذلك ظاهريا ، لأن غيري من الصحفيين السوريين يملكون قصصا مشابهة ، ومعاناة مماثلة ، وكلها تفاصيل صغيرة هامة وهامة جدا كونها تشكل اللوحة الكبيرة للاعلام السوري ، وأرجو أن تحاول الاستعانة بخبراء اعلاميين مهنيين ومؤهلين يحترمون رأيهم ومهنتهم ليقدموا لك القول الحق في صحافة بلدنا ، وأن تقرأ أرقام توزيع صحفنا بالمقارنة مع الصحف التي تستهويك قراءتها ، وأن تسعى لتفعيل عملية الاصلاح في الاعلام نفسه بدلا من ترديد شعاراته وكتابة الدراسات عنه ، وأن نتوقف جميعا عن الاختباء خلف أصابعنا بحجة أننا كسوريين أصحاب وضع خاص ولذلك نحن محكومون بأن نبقى في ظل إعلام كئيب ، لاينفع الجهة التي تنتجه كما تظن أنت كوزير للاعلام ، بل على العكس يضرها ويشوه صورتها ، وأكبر دليل على ذلك ماكتب ويكتب عن هذا الاعلام عربيا .

    في التهاية علي أن أقول لك بأن هناك شعور يخالجني بأني سأضطر إلى كتابة خطاب آخر بعد عدة سنوات إلى وزير اعلام ما قد تكون أنت أو يكون غيرك ، أو أرسل نفس هذا الخطاب إليه لأطالب ماأطالب به اليوم مع زيادة في كمية تجارب المعاناة الشخصية ، التي هي عامة بقدر ماهي شخصية ، دون أن أمني نفسي بالعمل في إعلام صحي ومهني ونظيف ، لأن اليأس الذي أصلتمونا إليه قد عشش داخل نفوسنا ، وأنهى أي أمل لدينا أو خاطر أمل قد يمر في رؤوسنا .

-----------------------------------

الصفحة 4 : المنتدى

كل عضة بغصة

ممدوح عدوان

     اشتغلت في الصحافة السورية (جريدة الثورة تحديداً) منذ عام 1964. وفي عام 1997 لم يبق بي حيل على المناكفة فقدمت استقالتي (التي قبلت خلال دقيقة واحدة. بفضل محبة وزير الإعلام والمدير العام للجريدة).

     وقد منّ الله عليّ (وخفف عني الأعباء) بقلة الانسجام بيني وبين رؤساء التحرير ووزراء الإعلام. فكانت هناك أوامر مكتوبة وأخرى غير مكتوبة بمنعي من الكتابة بين حين وآخر.

وكان المنع أمراً محتملاً، لأنه ما من أحد منا، كان يعول على سعة انتشار صحفنا ليحقق من ورائها مجداً.

     ولكن المشكلة الحقيقية هي في السماح بالسفر. فمن المعروف أن الموظف عندنا، لكي يغادر القطر، يجب أن ينال موافقة وزيره. ولما كان وزيري لا يطيق كتابتي، فمن المتوقع ألا يوافق على سفري إلى الفعاليات التي كنت أدعى إليها (علماً أن المرضي عنه يسافر وبأخذ مهمة وإذن سفر).

    وكلما مرت الأيام ازدادت معرفة الناس بي، وتقديرهم لي، خارج البلاد. فتزداد الدعوات. ويزداد المنع. ويزداد حسد بعض الزملاء.

    ومع ذلك سافرت إلى عدد لا بأس به من النشاطات والمؤتمرات. ولكن، كما قلت في البداية، لم يبق لدي حيل. فقدمت استقالتي لأكتب على جواز سفري عبارة "متقاعد".

ولكنني أحتفظ في ذاكرتي ببعض القصص التي تصلح لتقديمها للقراء الأعزاء.

    منها مثلاً، وأنا مبعد عن الجريدة، (ولكنني أتقاضى راتبي منها)، احتجت ذات يوم إلى بيان بالراتب لمعاملة ما. ورحب بي الزملاء القدامى، وعملوا المعاملة (وهل هناك ما هو أسهل من بيان بالراتب؟!) إلى أن وصل البيان إلى السيد المدير العام، فحلف بدينه وبراس سكينه أنه لن يوقع على هذا البيان. وأثار الأمر استغراب جريدتنا. وهو فعلاً يقبض راتبه من عندنا. ولكن المدير العام العميد رفض. وختم القول: ماني موقع له. وخله يبلط البحر!

    ولما لم يكن هناك بحر في دمشق مزقت المعاملة وغضضت النظر عن الموضوع. ولا حاجة لأن أقول إن المعاملة كانت ذات أهمية بالنسبة لي.

    ومن مآثر هذا المدير معي أنني في مؤتمر للصحافيين تورطت وتحدثت. وقلت ما ملخصه إن الموقف السياسي السوري موقف محترم. والقيادة السورية تحظى باحترام حقيقي. ولكن إعلامنا مقصر في تسويق هذا الموقف. لأنه إعلام لا يصل حتى إلى المواطن السوري، وبعد كلامي تتالى المتحدثون.

    وحين جاء دور السيد المدير العام للكلام لم يجد ما يعلق عليه إلا كلامي. فكان أن فهمه على الشكل التالي: ممدوح عدوان حاقد على المسيرة وقائدها. ولكنه لا يجرؤ على قول ما يريد بشكل واضح. فيحول نقده اللئيم على الإعلام. وأنا أطالب بوضع حد له.

    ولما كان المخبرون في مؤتمراتنا أكثر عدداً من المؤتمرين (وبينهم عدد لا بأس به من المؤتمرين أنفسهم) فقد انهالوا علي بالأسئلة: ماذا قلت؟ وماذا تقصد؟ ولماذا لم توضح كلامك؟

.. وانتهت على خير بعد أن أوشكت على .. !

    وقبل هذا المدير كانت لي قصص أخرى مع مدراء سابقين. ومن بينهم مدير عام أمر بمنع نشر اسمي حتى في خبر داخل "جريدته" وأنا محرر فيها. (وحجته، بعد أن أزيح من منصبه، أنه فعل ذلك بناء على توجيهات الوزير).

وصادف أن أقيمت في دمشق أمسية شعرية استثنائية. إذ انتقى مسؤولو منظمة التحرير خمسة من الشعراء المشاركين في مهرجان "الشقيف" إقامة أمسية في دمشق (عام 1981).

   وكانت أمسية رائعة. شارك فيها كل من محمود درويش أمل دنقل وسعدي يوسف وأحمد دحبور والعبد الفقير أنا، وكان الزحام في مسرح الحمراء أكبر من أن يوصف.

   وانتهت الأمسية. وكان حضوري فيها لافتاً للنظر. وفي اليوم التالي نشرت صحفنا خبراً عن الأمسية على أنها ضمت أربعة شعراء، وحذف اسمي نهائياً من الخبر.

ولم أعلق على الموضوع إلا بالقول إن الجمهور الذي حضر الأمسية أكبر من جمهور هذه الصحف مجتمعة.

    وسبق لي أن تعرضت أنا وبعض الزملاء في الجريدة لعقوبة، من المدير العام، رأينا أنها ظالمة. ولم يفدنا احتجاج ولا شكوى. فقررنا رفع شكوانا إلى نقابة الصحفيين. وإلا لم النقابة؟

وبشكل ما تجاهلنا حقيقة مضحكة مبكية، وهي أن المجلس التنفيذي للنقابة يضم رؤساء تحرير صحفنا برئاسة السيد الوزير.

    وكانت نتيجة شكوانا أن اكتشف أعضاء المجلس أن هذا شغب. وأن المحرض على هذا الشغب هو ممدوح عدوان. فاتخذوا قراراً بمنعي من دخول جريدتي. ووضع السيد المدير العام شرطة عسكرية لتمنعني شخصياً من دخول الجريدة. وحين جئت، ولم يسمح لي بالدخول، طلبت الإذن بالدخول لأخذ أغراضي الشخصية فلم يوافقوا.

   وخرج أحد الزملاء من الداخل ليقول لي: احتل فلان مكتبك. ماذا فعلت؟ قلت له: لم أفعل شيئاً إلا أنني صدقت أن لدينا نقابات يمكننا أن نتوجه إليها بالشكوى حين يصيبنا الظلم من رؤسائنا. لم أكن أعرف أن ربك هو حاكمك.

 

لا تصنع العجة دون تكسير البيض !!

عادل محمود

 

   قال محمد حسنين هيكل لوزير الإعلام المرحوم أحمد اسكندر أحمد: أنت من صحافة الحزب, وأنا من حزب الصحافة.

    الفرق واضح. وخاصة أن المرحوم أحمد كان وزير دعاية أكثر مما كان وزير إعلام. ففي القاموس الإعلام هو الإخبار وجعل المجهول معلوما . أما الدعاية فهي فن بيع ما لا يباع، وكما يقول فيلسوف دعاية أمريكي موضحا  الغرض من تزويغ البصر: ،سيدتي أنا لا أبيعك حذاء  جيدا  بل .... ساقين جميلتين !

    ولست بصدد تذكير المنسيات في الرحلة متقلبة الثبات للإعلام السوري، فقد كانت عسيرة تلك الرحلة ما دامت كل هذه الأموال تهدر على جرائد ومجلات وإذاعة وتلفزيون دون الوصول إلى الاستمتاع ،بالطريق إلى قرطبة، وقرطبة هنا رمزيا  هي غاية الجمال أي: الهدف الذي ينبغي الوصول إليه. وهو إقامة جسر معرفة وتعارف بين صحيفة الصباح ومواطن على أهبة القهوة، ليرى ما الذي أشرق اليوم جديدا  في بلده.

- في حادثة فريدة المعنى نجد مثالا  لما يمكن لصحافة ذات حربة طويلة (بالسين المسننة وسوف المخيفة) أن تفعل.

- في أوائل الثمانينيات جرى تحويل أوتوستراد المزة أمام منزل مسؤول كبير وبناء حائط اسمنتي مرتفع أمامه، بغرض تجنب السيارات المفخخة التابعة للذراع المسلح للإخوان المسلمين. ولكن عددا  من السيارات السريعة ليلا  وقعت في التحويلة على الاوتوستراد وقتل عدد من ركابها وأطلق الرصاص على بعض السيارات التي لم تستطع الامتثال الفوري لأوامر الوقوف.

كتبت النيوزويك الأمريكية ريبورتاجا  عن الجدران الأمنية, والتحويلات الأمنية, والحراسات الأمنية وكانت كولابات الحراسة قد انتشرت بين البيوت وعلى مداخل العديد من البنايات. وضربت أمثلة منها تحويل أوتوستراد المزة. فكلفت  السفارة السورية في واشنطن بتكذيب الأخبار وخاصة ما يتعلق بالاوتوستراد واقترحت استضافة فريق من النيوزويك في دمشق وتمويل رحلة التحقق من الافتراءات.ومن البديهي أن يكون القرار هو إزالة الحاجز والتحويلة الطرقية فورا  ليأتي مصورو المجلة ويقعوا في شر أكاذيبهم.

وهكذا... ارتاح كيلو متراج السيارات من التصفير السريع الخطر. ومن الوقوع في فك الخطأ المميت. وشكرنا النيوزويك على ؛التدخل في الشؤون الداخلية« وإن كان غرضها ليس نزيها  من وجهة نظر جريدة الوطن !!

    لو أن لدينا صحافة شجاعة, ولو أن لدينا صحفيين لا يسألون عن أحد إلا تحت طائلة القانون لكان ممكنا  إقامة مرصد, شبيه بالمراصد العسكرية, يتجسس (نعم يتجسس) على مفاتيح اللصوص, وهم يكسرون باب العفة التي أصبحت أشبه بندبة في جسد الأخلاق السورية. ولكان ممكنا  نشر لائحة بأسماء طلاب الحقوق مثلا  - الذين دفعوا لأستاذهم مبالغ للنجاح في مادته وهو.. وزير عدل. ولكان ممكنا  الإطاحة بمن ساهم في تجفيف نهر الخابور لأنه باع تراخيص حفر آبار على طريقة (بين بئر وبئر يوجد بئر). ولكان ممكنا  تصوير قاض, بديجتال صغير, وهو يقبض رشوة من محام لكي يكون ممكنا  ذهاب ساكو وفانتزييتي"1" الى الكرسي الكهربائي، ولكان ممكنا  أن تقيم خصيتا أحد المعذبين في الأقبية دعوى عطل وضرر لذة الحياة الدنيا, نطفة نطفة, ولكان ممكنا  الحديث المبكر عن الولد الذي حمل ختم أبيه رئيس الوزراء ليطجه على أوراق رسمية مقابل أوراق نقدية. ولكان ممكنا  توفير بنزين سورية الحديثة المهدور على طرق التعازي والأفراح والصيفية وتهريب بضائع بيروت إلى بوتيكات دمشق. ولكان ممكنا  إضافة أشكوك إلى الصحافة  على عبارة "أشكوك إلى الله".

الصحافة سلطة. ولكنها مندوبة أكبر رئيس تحرير في البلد وهو "الشعب" وليست مطية يركبها أي تلفون يهدد بالويل والبثور.

الصحافة ورق, كما هو لصر  الفلافل, هو للهو والتمتع والتلذذ بالخبر الصادق والتعليق الحاذق, والتسلية بالمعرفة, وإضاءة عتم الحفر التي يسقط فيها أحيانا  رجل, وأحيانا  امرأة, وأحيانا  طفل, وأحيانا .. وطن !!

ولكن هل من الممكن إقامة مرصدعلى أرض غير محررة ؟

إن الخائفين من الصحافة وسلطتها هم من يتباهون الآن وطوال الوقت بالشر وفروعه كلها.

- إنهم هؤلاء الذين ألفوا قاعدة الحاكم لا يسأل عما يفعل ويسأل الناس عما.. لا يفعلون .

- إنهم هؤلاء الذين يقولون لمواطن اشتبك معهم صدفة "لو تعرف من أنا.. يا كر".

- إنهم هؤلاء الذين جعلوا الصحفي يرتجف خوفا  من الطرد ومن الحجز ومن البهدلة ومن حصته المقررة في ركن آمن.

- إنهم هؤلاء الذين يتمسخرون على كلينتون, كرئيس جبان, لأنه قال عن الصحفيين: لا تدخل معركة مع ناس يشترون الحبر بالبرميل .

للدومري الجديدة هذا الكلام.

الدومري التي أسعدت سبعين ألف سوري لحظة صدورها. ثم فجأة, تهاوت على الرصيف بلطمة إعلان, ولبطة مسؤول, وتقاعس حقيقة.

وللدومري وغيرها من الصحافة الخائفة: إذا كان للصحافة أن تعيش فعليها الخيار:

 فإما حياة تسر الصديق

وإما ممات يغيظ العدا

الصحافة ما نقصد. وليس حائط المبكى !!

"1" مناضلان عماليان أمريكيان ثبتت براءتهما بعد موتهما كهربة .

----------------------------

الصفحة 5 : المنتدى

خواطر وملاحظات في ختام حياة مهنية

ابراهيم ياخور

 

نص المداخلة التي ألقيت في الندوة التي عقدها اتحاد الصحفيين فـي المـركز الـثقافي العربي في المزة

بـعنـوان ( الاعـلام الســـوري : الـواقـع والتـطـلعـات )بـتـاريخ 23/7/2003

 

موشك أنا هذه الأيام على التقاعد، في ختام سبع وثلاثين سنة قضيتها في "الصحافة السورية".

     لن أقول قضيتها في "مهنة المتاعب"، كما يروق للصحفيين أن يطلقوا على عملهم في كل مكان. لأن قضاء العمر في الصحافة السورية شيء أكثر من مجرد التعرض للمتاعب . إنه شيء أكثر بكثير .. حالةٌ تشبه حوار طرشان . سوءُ فهم دائم، ما زال يحكم بعذاب أليم على كل من يتعامل مع المهنة أبعد من كونها وظيفةً مسكينة، أي "من كل عقله"، كعمل إبداعي مسؤول !  

    لذا أختصر: أنا إبراهيم ياخور أتقاعد اليوم من العمل في "الصحافة السورية"، وكفى .. أغادر مهنةً عِشتُ فيها حتى آخرَ لحظة أجملَ حالاتِ عِشقٍ غريب، وأفظعَ حالات المقت الشديد . لم أمارسها خارج سورية، لكني شهدتها كيف تمارس في الخارج، وحسدت الذين يمارسونها في ظروف أفضل . فأنا في الحقيقة لم أمقت مهنتي يوماً . كرهت الذين أشاعوا فيها السطحية والسخف، كي أكرهَها وأصبحَ أهلاً لخيانتها، لا سمح الله ! وفعلوا ذلك بي مئات المرات . ولو أنهم لم يفعلوا ذلك إلا بي لغفرت لهم حتى النهاية، لكنهم فعلوه بكل من أحب المهنة بصدق وإخلاص . لذا أبدأ من الآخر، وأقتصر على القليل البليغ .

* لو لم يكن موعد تقاعدي التقى بمحض مصادفة موعد انعقاد هذه الندوة، وتقاطعت رغبةُ اتحادِنا العتيد في تقديم شهادةِ صحفيٍّ مستقل، مع رغبتي الحانقة في الأنين قبل أن ألوذ بالصمت، لغادرتُ الصحافةَ السورية بالطريقة المضحكة التي بُلِّغت بها تقاعدي: قبل شهرين، فتحت باب غرفتي في التلفزيون ودخلت باندفاع،  فدِستُ ورقةً بيضاء أدخلها مراسلٌ من تحت الباب، وختمتها خطأً بطين حذائي . تلك كانت اللائحة "التحذيرية" بإحالتي وعدد من العاملين إلى التقاعد . تملكني للتو شعور غريب بأن حياتي المهنية الطويلة تشبه حال هذه الورقة .. حزينةٌ، متسخة . لا أعفي نفسي مما أصابها كليّاً، لكني أدرك غباءَ وتخلفَ الطريقة التي أُديرت بها، ما جعل كثيراً من محطاتها الهامة تغدو هامشية !   

     عملت منذ منتصف الستينات في جريدة أسبوعية، ومجلة أسبوعية، وجريدتين يوميتين، وإذاعة دمشق العريقة، وفي التلفزيون العربي السوري، خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة . أي عملت في أربعة أخماس الإعلام السوري، معظم الوقت !

    عملت مع أكثر من ثلاثين مدير عام ورئيس تحرير، غادر معظمهم المهنة سعيداً إلى وظيفة أفضل، لأن الصحافة لم تكن تعني لديه في حينه سوى الوظيفةِ الأفضل . ولم أعنِ، أنا المحررَ محبَّ المهنة، لأي منهم شيئاً يزيد عن قرد بنفسجي للعرض . وسأوضح لاحقاً ما أعني بالقرد البنفسجي !

* في مسألة التمييز والتحامل .

   مورس تمييز دائم ضد الصحفيين غير المقربين من إدارات المؤسسات الإعلامية، وكان لي شرف الانتماء إلى هذه الفئة النكدة، وما أزال .

من هم غيرُ المقربين ؟

     إنهم أولاً غيرُ الحزبيين عموماً . وبعضُ البعثيين حسني التربية أو ديمقراطيي الثقافة . وكل من يأبى ممارسة الدسيسة على زملائه تقرُّباً من الإدارة . وأصحابُ الموقف النقدي من الحكومة وسياساتها الثقافية، الاقتصادية .. الخ . أما المقربون فهم عكسُ أولئك، وبالطبع بينهم إنتهازيون غير حزبيين، إضافة إلى فئة من الفطور تؤدي للإدارات خدماتٍ شخصيةً غيرَ نزيهة، ولا حاجة هنا للتفصيل .

     في رأي أن الانحياز أضرّ كثيراً بالمقربين من الناحية المهنية والسلوكية، وبسمعتهم السياسية، لأن الانحياز حتى في تربيتنا لأولادنا مفسد لأخلاق المحظيين .  في جريدة البعث مثلا، ظل أفضل الصحفيين وأكثرهم موهبة واجتهاداً طوال سنين وسنين من غير الحزبيين، لأن نقيصة التساهل مع الحزبيين في التعيين والتشغيل والترقية الوظيفية والمكافأة أضعفت حوافزهم، ونظامهم المناعي . وكلما انتبه المسؤولون عن الجريدة إلى هذه الحقيقة شعروا محقّين بالغيظ، وردوا عليها بإحدى طريقتين خاطئتين: إما أنهم يضغطون على غير الحزبيين كي يدخلوا الحزب، "لأنه من غير المنطقي أن يعمل في جريدة الحزب محررون غير حزبيين"، على حد ادعائهم !  أو عملوا على إزعاج غير الحزبيين، أو حتى إبعادَهم عن الجريدة، وإنْ إلى وزارة الصحة أو التموين، كما جرى لي مع مجموعة من أفضل من عمل في الجريدة في بحر السبعينات، مثل الدكتور رزق الله هيلان، الروائي فيصل حوراني، الباحث برهان غليون، وفيما بعد الناقد عمار ألكسان وغيرِهم .

    أُبعدتُ أنا إلى وزارة الصحة بنصف الراتب . والسبب ؟ أنني أصريت في دورتين إنتخابيتين لنقابة الصحافة على ترشيح نفسي مقابل لائحة الحزبيين، لكي تجري انتخابات ونحسّ بها، رغم أنني كنت أعرف أن الفشل المحتم مصيري . كنت أعتقد أنه من مصلحة الحزبيين أنفسهم أيضاً أن ينجحوا في انتخابات، بدل التزكية . لكنهم اعتبروا خطوتي اعتداءً على هيبتهم الحزبية . ورغم أن الضغط اتخذ غالباً شكلا مسالماً، إلا أنني حُرمت من بعض استحقاقاتي المشروعة، حتى نُقلت أخيراً إلى وزارة الصحة تعسفاً، وشُغِّلت موظفاً في الديوان، في مرحلة كنت بدأت أكتشف نفسي كمحررِ تحقيقات، وأنجح بين حين وآخر في بلوغ الضفاف الفسيحة لهذا الجنس الصحفي، الذي لم يكن شاع كثيراً في صحافتنا يومئذ، لأنه لم يكن يُشجَّع . وهو لم يشجع لأنه الصيغة الصحفية التي تسعى، في طموحها البعيد، إلى بلوغ الحقيقة !

    مضى على هذه الحادثة قرابة ثلاثين سنة . مؤخراً زميل صاحب خبرة كبيرة وموهية، يعمل في جريدة البعث منذ رُبعِ قرن، أخبرني أن رئيس التحرير استدعاه منذ عام تقريباً وقال له: كيف يعقل أنك غير حزبي حتى الآن ؟ قال الزميل: لا أعرف، هكذا حصل . أنا على أية حال أحب الجريدة، وأحب العمل فيها . لكن الجواب لم يكن كافياً لرئيس التحرير الجديد، فأقاله من رئاسة القسم الذي كان يديره بكفاءة عالية، وعين مكانه محرراً آخر، ربما يريد أن يخدمه في الأصل !

    ماذا يعني أن تسأل بدهشة صحفياً يعمل منذ ثلاثين سنة في الصحافة السورية، بكل ظروفها التي نعرفها جميعاً، وبعد أربعين سنة من تسلم حزب البعث إدارة البلاد، لماذا لم يصبح حزبياً! ولأنه كذلك، مع قبوله التام بالعمل في الظروف التي فصّلها له الحزب، يعاقب !

    لشُدَّ ما أشتهي فهمَ الملابسات الذهنية والنفسية، التي ولدت فيها هذه الطريقة في فهم الآخر، والتعامل معه . أنا لم أعتبر نفسي يوماً خَصماً لحزب البعث العربي الاشتراكي، ولم أجد نفسي غريباً عن منطلقاته النظرية، مع ذلك امتنعت في ثلاث مناسبات عن الاستجابة للدعوة إلى دخول الحزب، رغم الخسارة الواضحة . ربما لأن طريقة الدعوة كان فيها كل مرة شيء ما، يجعلني أحس بالتطاول على حريتي الشخصية !

* في مسألة حرية التعبير .

    أخبرنا الدكتور صابر فلحوط مرة، مُنذُ رُبعِ قرن، وأفترض أنه كان أميناً في قوله، إن الرئيس الراحل حافظ الأسد عُرِض عليه، في سياق تحريض على الصحافة التي كانت تشاغب قليلاً يومئذ، كراسٌ دعائي عراقي معادٍ لسورية عنوانه " من فمهم ندينهم "، قوامه قصاصات من صحف سورية في السبعينات تكشف مشكلات اقتصادية واجتماعية . فقال لمحرضيه: بالعكس. أقترح أن تطبعوا الكراس وتوزعوه، هو شهادة لصالحنا. والمغزى واضح . الرئيس الراحل ذاته كان استهل عهده في مطلع السبعينات بمقولات وُضِع بعضها شعاراً دائماً أعلى صفحات الصحف، من مثل "لا رقابة على الفكر إلا رقابة الضمير .. الخ" .

    ورغم أن تحسنا محدوداً طرأ على هامش حرية التعبير، في النشر الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، إلا أن الهامش ظل بالغ الضيق في النشر السياسي . وحتى المجالات التي عرفت حريةُ التعبير عن مشكلاتها بعض التحسن في بحر السبعينات ومطلع الثمانينات، كان التضييق يعود ليشتدَ عليها كلما تحولت المشكلة إلى أزمة. ومع اشتداد الأزمات المعيشية لغالبية الناس في النصف الثاني من الثمانينات، رغم أن الدخل القومي عرف تحسناً طوال عقد سابق، برزت بصورة واضحة نزعةُ التضييق الشديد على حرية التعبير عن المشكلات . والسبب على الأرجح: أن خللاً كبيراً راح يتعاظم ويظهر في توزيع الثروة بين شرائح الناس، نتيجة استفحال الفساد الإداري . وفي ظني أن التضييق على حرية التعبير كان أصبح ضرورةَ أمانٍ للحكومة، التي أشرفت على توسيع وتركيز النهب العام في تلك الحقبة، الممتدة حتى أواخر التسعينات . وإلا كيف يفسر تعيينُ المحافظ الذي تهجم على الإعلام المحلي في مؤتمر المحافظين أواخر الثمانينات، وشكك حتى بوطنية بعض الصحفيين، وزيراً لإعلام تلك الحقبة ؟! وظل الرجل يزاول وظيفته طوال ثلاثة عشر عاماً بذهن مترع بالشكوك والتحفظات، ليس حيال نمط من الصحفيين كما فعل في مؤتمر المحافظين، بل حيال نمط من الإعلام، هو إعلام المواجهة مع الفساد، وإنْ بصورة محدودة .

   أي باختصار، تحفَّظ بصورة دائمة على "حرية التعبير" !  والدليل الآخر على أن هذا التضييق على حرية التعبير كان نهجاً للحكومة كلها، كضرورة أمانٍ لممارسة الفساد بارتياح تام، أن رئيس تلك الحكومة الذي جاءها من رئاسة مجلس الشعب، شجع طوال فترتي رئاسته لمجلس الشعب صحفيين مشاغبين على انتقاد عمل الحكومة السابقة،(التي عمّرت هي الأخرى نيفاً وعقداً من الزمن!)، حتى أنه كان يُشرك كلَّ صحفي فتح ملفاً انتقادياً في عضوية لجنة المجلس المكلفة بالتحقيق في الملف . ثم يدعوه لحضور جلسة مناقشة التقرير.

    فما أن أصبح رئيساً للحكومة حتى وضع جُبنتَه على خبز وزير الإعلام الجديد، المتحفظ أصلاً على الإعلام . ولم تمضِ سنتان حتى قضيا على آخر الأحفاد في سلالة برنامج  انتقادي وحيد، عُرف على الشاشة السورية الصغيرة منذ مطلع السبعينات . فألغي "البرنامج المفتوح" عام 1990 . وكان هذا من نسل برنامج "استديو واحد" المُلغى، ابنِ "مرصد التلفزيون" المُلغى، ابنِ "مجلة الشعب" لمحمود الخاني، ابنِ "رأي الشعب" لعادل خياطة .

    ومؤخراً أوقف بصورة متعسفة وغيرِ مبررة برنامج "ملفات حارة" الذي أعددته لقناة البرنامج العام في التلفزيون خلال عامي 2001 و 2002، وسعيت فيه إلى استثمار صيغة التحقيق التلفزيوني المشبّع، لمعالجة نماذج من المشكلات تصب في تيار إصلاح الحياة العامة في البلد. ورغم الافتقار إلى استطلاع ميداني للآراء يبرهن على نجاح البرنامج، ظهرت بصورة متعاظمة إشارات ميدانية على نجاح البرنامج في استقطاب جمهرة واسعة من المشاهدين المحليين، في وقت تعاني شاشتنا الصغيرة، باعتراف الجميع، من هجرة الجمهور على نطاق واسع !

    في خبرة هذا البرنامج، الذي عمل معي على إعداده نخبة من أفضل الصحفيين التلفزيونيين الشباب، ما يثير قلقاً جدياً على قناعاتهم حيال المهنة، جراء المرارات التي ذقناها طوال فترة العمل .

     واسمحوا لي أن أقتطف بعض الملامح ذات دلالة من تلك الخبرة:

1- الحجب المستمر لأبسط المعلومات، في جميع الإدارات الحكومية .. التجربة مع محافظة دمشق .

2- الطرد على أبواب الوزارات والمحافظة، مثال محافظة دمشق ووزارة المالية، وصولاً إلى مصادرة الكاميرا مرتين من قبل الشرطة، في وقت كانت فيه كاميرا فضائيات عربية تصور وتبث !

3- الافتراء من قبل الوزير على أفراد مجموعة العمل، والتهجم على البرنامج في مناسبات عديدة .

4- تهديدي باتهامي بأنني من جماعة المجتمع المدني، إن أنا أصررت على متابعة التحقيق في موضوع اقتصادي معين .. وصولا إلى منع الحلقة الأخيرة من البرنامج، بالرغم من ....)

    على أية حال هذا التطاول على حرية التعبير في أهم الوظائف الإعلامية بصورة مطلقة في كل مكان، أي  إعلام التصدي لأخطاء الإدارة وفسادها، هو خط قديم في توجهات وزارة الإعلام العتيدة .

    وللتعويض عما يفقده الإعلام جراء غياب هذه الوظيفة راحت الوزارة منذ مطلع التسعينات تنشِّط الحديثَ عن الدراما التلفزيونية السورية، وتدعم إنتاجَها باعتبارها الخيار الإعلامي البديل.

    ولكي لا أقع في إشكال مفتعل، أوضح فوراً أنني لا أستنكر دعم الدراما التلفزيونية بل أؤيده، وإن ربما كنت أتمنى لو أن الدراما التي حظيت بالدعم والترويج هي المسرح والسينما أولاً. وهنا بيت القصيد، ذلك أن دعم الدراما التلفزيونية جاء في الأساس من زاوية فهم معين لأولويات الوظائف الإعلامية، وليس من باب النهوض بمهمة ثقافية هي تطوير نوع فني بذاته. فالإعلام من وجهة نظر وزير الإعلام الذي افتتح دعم الدراما التلفزيونية، هو وسيلة ترويح عن نفس الجمهور، وترويج دعائي لمقولات فكرية وتاريخية وسياسية يعتقد أنها تخدم النظام السياسي. وقد فعل ذلك بنشاط وسخاء بدعوى مواجهة الخطاب الثقافي المضاد لخطابنا، المضمن في الدرامات التلفزيونية العربية الأخرى، خاصة المصرية .

    والمشكلة التي حصدها إعلامنا من نجاح خطة الوزير إياه في تطوير الدراما التلفزيونية المحلية، وتحول نجاحها إلى خطاب ممجوج يمضغه معدو البرامج الثقافية وبرامج المنوعات في التلفزيون السوري بتلذذ غريب، في كل رمضان منذ عشر سنوات .. المشكلة مع هذا النجاح أنه أشاع فوضى في الأولويات الإعلامية فعلا .  حتى أصبح معظم معدي البرامج والمذيعين الشباب في تلفزيوننا المحلي، يعتقدون اليوم أن التغطية الإعلامية لموضوع الدراما التلفزيونية ومناسباتها، أقدس وأجمل المهمات الإعلامية، ويتطاحنون عليها ! وهذا ينطبق على المهرجانات البهيجة (الأغنية، البادية، المحبة ..الخ)، التي أرسى الوزير إياه تقاليد صارخة لتغطيتها الإعلامية . حتى بلغ الأمر بفنان مخضرم يرأس أحد المهرجانات، أن احتج على مصارحة زميل له رئيسَ الجمهورية، بما تعرض له مؤخراً برنامج تلفزيوني انتقادي من تضييق ومنع ! واعتبرَ الأمرَ أتفه من أن يثار مع رئيس البلاد . وفي معرض احتجاجه استشهد بمصورة أجنبية كانت تحضّر لأخذ لقطة في فيلم سياحي عن مدينة بصرى، فقامت بتنظيف مجال اللقطة من القاذورات . بينما يتعمد على حد قوله- بعضُ الصحفيين المحليين تصويرَ القاذورات !

    في رأيي يعبر موقفُ هذا الفنان وفهمُه للإعلام عن مشكلة بالغة الخطورة، فيما انتهى إليه مفهوم كثير من فعاليات النظام الثقافية والسياسية عن الإعلام ودوره في المجتمع والدولة. ليس من زاوية حرية التعبير، أو السطحية والعمق، والمعرفة والجهل، بل من زاوية المصلحة في التطوير أو الوقوف في وجهه . لأن فناناً مخضرماً، رئيساً لمنظمة شعبية، شغل وظائف حكومية رئيسية، ويعتبر من الطليعة المثقفة في المشهد العام، لا يعقل أن تفوته التناقضاتُ المضحكة في مثاله عن السائحة الأجنبية ولقطتها النظيفة . وليس من تفسير لتورطه في هذا المثال غير أنه، إما أصبحت مصلحتُه السياسية تجعله يرى المواطنين سياحاً في وطنهم، أو أنه أصبح، هو ومن يفكر مثلَه، سياحاً عرضيين في الوطن !

     المفارقة الأخرى في الأمر أن الوظيفة الجوهرية للفلسفة والفن، منذ اليونان القديمة وما قبل، كانت البحثَ عن الحقيقة وإظهارَها، دون شروط، ومواجهة رجل السياسة إذا شاء تنكبَّها. واليوم لم يعد فنان معاصر عندنا يجد غضاضة، في حث صاحب القرار السياسي على التفكير باتجاه مضاد للحقيقة ! بالرغم من أن صاحب القرار السياسي كان سبقه في مطالبة نفسه ومطالبة الناس بالشفافية ! كيف أمكن أن يصل الأمر هذا الحد ؟

     لا جواب غير أن من يفعلون ذلك وهم يعرفون الحقيقة، فنانون كانوا أم وزراء أم سياسيون، هم أشخاص متحالفون فكرياً، ولن أقول متورطون، مع آلية الفساد والخطأ والتستر على الخطأ، في العمل الحكومي !

وقد أصبحوا عقبة في وجه أي تطوير لممارسة الشفافية، في إطار الدولة والمجتمع . إنني لا أقصد في الاستنتاج الأخير فناناً أو وزيراً بعينه، بل أشير إلى سعة المساحة التي صارت تحتلها اليوم عقليةُ التعتيم والنفاق في حياتنا العامة . بحجة الحفاظ على سمعة الاقتصاد والسياحة تارة، أو بدعوى الضرورة الأمنية على المكشوف، تارة أخرى . فهل حقاً يشكل توسيعُ هامشِ الحريات، ولاسيما حريةَ التعبير والإعلام في البلد، تهديداً أمنيا للنظام السياسي ؟

    المعضلة في الأسئلة المتعلقة بحرية الإعلام المحلي، تستدعي في الوقت الراهن أجوبة شديدة الاختلاف عما كانت تستدعيه قبل عشر سنوات . والسبب واضح جداً: المساحة التي يقصّر إعلامنا المحلي في تغطيتها اليوم، حتى بالنسبة للقضايا البالغة المحلية، سيشغلها عوضاً عنه إعلام بديل من خارج البلاد، تخترق عينه كل الحجب داخل البلاد . والنتيجة أن ثقة الجمهور المحلي، ثقة المواطنين، خسرها إعلام البلاد وكسبها طرداً إعلام خارجي، صار هو المصدر اليومي للأخبار والأفكار، حتى بالنسبة للعامة من الناس .

* في مسألة الخوف، وفساد الضمير ..

    لجأت إدارات الدولة والقطاع العام إلى شراء ضمائر العديدين من صحفيي المحليات، بعد أن عجزت عن إرهاب النخبة الصغيرة من مغامري المهنة ومشاغبيها . فالرشوة بدت أسهل أسلوب مع معظم الصحفيين لسببين: أوضاعهم المعيشية الصعبة . وتدهور منظومة المناعة الذاتية لديهم . وهذا العامل الثاني يتقاطع بدقة مع مجيء إدارات صحفية متهافتة وغير كفؤة مطلع الثمانينات . تممت ما عجزت عنه إدارات الدولة والقطاع العام، في عملية الترويض بالترهيب والترغيب . فمارست مع محرريها نوعاً من الرشوة أسوأ وأشد تدميراً للمهنة، لأنها في الموقع الأشد تأثيراً على المصير المهني والمعاشي للصحفي . هي تستطيع أن تكافئه بأجر إضافي، وأن ترقيه أو تبعده، وأن توفده في مهمات ودورات خارج البلاد ..الخ  . وهي أيضاً تستطيع أن تهينَه وتهين مادتَه الصحفية، أي أن تدمر جهده وتدفعه إلى اليأس .

     أحد المدراء العامين في جريدة تشرين بدأ مطلع الثمانينات بتطبيق إجرائين في إدارة التحرير، كان لهما من وجهة نظري أسوأ أثر على نوعية العمل الصحفي حتى اليوم . هما إلزام المحررين بالقدوم إلى الجريدة والخروج منها في ساعة محددة ببطاقة دوام مثل عمال المعامل . والإجراء الثاني كان تطبيق حجم العمل بمواد صحفية مُعيَّرة بعدد الأسطر ! الذين تمردوا على الإجرائين كانوا قلائل . كنت أحدَهم، وقد غفر لي أنني وإن كنت أقصّر آخر كل شهر عن بلوغ عدد الأسطر المطلوب، كانت تحقيقاتي تجلب للجريدة بعض المتاعب، لكنها تجعل لها هيبة في نظر الحكومة . فكان       رئيس التحرير يستدعيني بين وقت وآخر ليعرضني كقرد بنفسجي غريب، على وزير أو مدير يزوره، ويقول وهو يربت على كتفي أو يشير نحوي بإعجاب: أحسن كاتب تحقيق صحفي في البلد ! وحدث أن عدت مرة من هذا التشريف إلى طاولتي لأجد عليها إنذاراً ببلوغ ديني للجريدة عشرين تحقيقاً، نتيجة تقصيري في حجم العمل الشهري . فهربت إلى التلفزيون !

      بينما كان موظفُ ديوان، نقله المدير العام إلى التحرير بعد أن ساعده في الانتخابات الحزبية، يفتقر إلى الموهبة والثقافة تماماً، يبلغُ سقفَ المكافأة الإضافية كل شهر، نتيجة معايير العمل الكمية المتبعة . لأنه ببساطة يجلب من المكاتب الصحفية في الوزارات ما يسمى تقارير الإنجاز الحكومي، يفرط أوراقها ويوزعها على حلقات للنشر!

      في حادثة أخرى قدم شخص نكرة للمدير العام إياه خدمة حزبية مماثلة فعينه فجأة رئيساً لقسم التحقيقات، الذي كنت أسسته عند صدور الجريدة قبل بضع سنوات، وحُوِّلت فيه إلى محرر ممنوع من الكتابة طوال أشهر، بسبب تحقيقات مشاغبة نوقش آخرها في مجلس الشعب، وأثار استياء اللواء رئيس مكتب الأمن القومي يومئذٍ، فأوعز ... الخ ! هذا الشخص الذي لم يكن أحد قرأ له شيئا على الإطلاق، عُين رئيساً لقسم التحقيقات الذي يعتبر أهم قسم في أية جريدة حتى في الصحافة الأمريكية . وكان علي أن أتحمل جَهلَه وسوءَ فهمه ودسائسَه بضع سنوات، لم تكن أسوأ سنواتِ عمري المهني لأنني كنت في الحقيقة أجريت أكثر من دورة تدريبية على تحمل الغباء والسماجة . كانت أولاها دورتي في جريدة البعث مطلع السبعينات، عندما سُحب مني قسمُ التحقيقات وسُلِّم لمعلم مدرسة بعثي، استدعاه من حمص ابنُ عمه الضابط الكبير في أمن الدولة، كي يأتي على عجل ويراقب "أولئك المشبوهين المندسين في جريدة الحزب" ! 

    أكثر ما عذبني في هذا الرجل شيئان: أولهما عينان "مبحلقتان" مترعتان بالشك، كأنه يسير في الظلام، يسددهما علينا بصورة دائمة . ربما لأن ابنَ عمه، الذي لم يطل مقامه في أمن الدولة لحسن الحظ، أدخل في روعه أنه مكلف بمراقبة وكر للجواسيس ! وثاني ما أقض مضجعي منه عادةٌ ذميمة مقززة، فهو لا يكل عن تنظيف أنفه ومسح نفاياته بالطاولة والجدار . مع ذلك كلما دخل احدنا عليه توقف عن مُتعتِه الشاذة ومد يده للمصافحة . فيما بعد أصبح سكرتيراً للتحرير بجانب زميلنا الظريف الرقيق الموهوب محمود كامل، رحمه الله . واليوم أسائل نفسي: لماذا تحملت المنع من الكتابة، والإبعاد عن الصحافة، والإقالة من رئاسة أقسام تحقيقات، كنت دون ادعاء أعتبر نفسي جديراً بها ؟ اليوم أقول: ربما لأنني صحفي أحببت المهنة، ولم تكن لي خياراتٌ كثيرة، وأيضاً لأنه ليس في المنع والإبعاد أية إهانة، فهو نوعاً ما قدر سياسي في الجوهر . ولكن ما لا أسامح نفسي عليه، هو تحملي مصافحةِ ذلك الدخيل المتخلف على المهنة، دون أن أمتنع أو أعترض مرة واحدة على الأقل . ولا أجد لتحملي ذاك تفسيراً غير الخوف ربما ! فهل خوفي من ابن عمه وكلِّ زملاءِ ابن عمه في المهنة حتى اليوم، شيءٌ مهين ؟

      ربما . إنه على كل حال شعور لا يمكن أن يتساوى مع الجرأة .  ولكي لا أمعن في التحامل على نفسي أقول، وأُشهد الله على ما أقول، إن قلبي لم يرتعش يوماً في حضرة مدير أو وزير أو قرش ذهبي كبير، لكنه ارتعش فعلاً، وأثر ارتعاشُه على حرية عقلي أمام رجل أمنٍ صغير ! 

(وأعتذر عن السجع)

    باختصار، لا يمكن للعقل أن يعمل بطاقته كلِّها، وللروح أن تنهض بقامتها كلِّها، وللإعلام أن يتطور ويتطور بلا ضفاف، ما لم نُحرَّر حقاًّ، أو نتعلم كيف نحرر أنفسنا من كل خوف . فما من خوف أسوأ من الخوف الأسود، الذي يشيعه الاستبداد . ولعل استبدادَ صغار المسؤولين، لا سيما الأغبياء منهم الطماعين اللاهثين خلف غرائزهم، أسوأ أنواع الاستبداد . وقى الله الصحفيين السوريين الشباب، اليوم وفي الأيام القادمة، من شرِّ هؤلاء الخطرين على حياة الإعلام، أيِّ إعلام، وعلى الحرية والنزاهة .

-----------------------------

الصفحات 6/7 : الحدث

في ندوة أقامها اتحاد الصحفيين قزّمها الاعلام الرسمي

ومنـع بـث تقريـر عـنها في الاعـلام العـربي :

صحفيون يشكون .. اتحاد يسمع .. وزارة ترى .. والنتيجة :حوار طرشان

أسامة يونس

حسين العودات : قانون السلطان عبد الحميد للصحافة أكثر حرية من قانون المطبوعات الجديد !

ابراهيم ياخور استبداد صغار المسؤولين هو أسوأ أنواع الاستبداد !

فايز الصايغ : لماذا التركيز على السلبيات ونسيان الايجابيات ؟

 

هل اتحاد الصحفيين مؤهل فعلاً لقيادة حتى حوار حول واقع الإعلام السوري؟

لعله أبرز الأسئلة التي أسفرت عنها ندوة حول الإعلام السوري عقدها اتحاد الصحفيين مؤخراً في المركز الثقافي بالمزة.

ندوة لم يحضرها أي من رؤساء التحرير، بل لم يحضرها كثير من المحررين، وبدا منظر المقاعد الفارغة خير معبر عن: واقع الإعلام ذاته، ومدى الثقة التي يمنحها الصحفيون لاتحادهم في قدرته على طرح مشاكلهم الحقيقية.

"كلنا بعثيون حتى يثبت العكس" عبارة ستدخل تاريخ الاتحاد من أوسع أبوابه الضيقة…لم تكن مجرد زلة لسان من عضو في المكتب التنفيذي للاتحاد، كانت مؤشراً على الطريقة التي أدار بها الاتحاد كل مناقشة حول واقع الإعلام.

ضيف الندوة، رفيق خوري، لم يحضر.

قدم الباحث حسين العودات ورقة: الإعلام السوري بين الماضي والحاضر، والإعلامي إبراهيم ياخور قدّم خلاصة عن تجربته الشخصية (منشورة في مكان آخر من هذا العدد).

استمرت الندوة من الثانية عشرة حتى الثالثة والربع، ولم يستطع الحاضرون أن يصمدوا أكثر من ثلاث ساعات ونيف، لمناقشة إعلام صمد عقوداً ونيف.

 

ماذا ينتظر الصحفيون السوريون، هل ينتظرون مثلاً:

"القرار رقم…

المادة 1ـ يمنح الصحفيون الحرية.

المادة 2ـ ينشر هذا القرار ويعد نافذاً من تاريخ إصداره"

أعتقد أن اتحاد الصحفيين أراد إقناعنا أن القضية يمكن أن تكون بهذه البساطة، عندما حاول "صنع" شيء ما، أي شيء، بعد الانتقادات التي وجهها صحفيون لاتحادهم وللإعلام السوري في الندوة، إذ لم يجد أعضاء المكتب التنفيذي ما يمكن أن يفعلوه سوى الموافقة على اقتراح إدراج مداخلة الباحث حسين العودات في جدول أعمال اجتماعه القادم ليدرسها، ويقدم اقتراحات.

لتأكيد ذلك، أذكر ما قاله العودات حرفياً في الندوة: "لا يمكن لأي إعلام محروم من حريته، ومقيد بقانون مطبوعات جائر أن يعمل… يعني كمن يضحك على نفسه"

فإذا علمنا أن اتحاد الصحفيين لم يُستشر إطلاقاً بمناقشة ولو فكرة واحدة من القانون الذي صار يعرف بأنه قانون عقوبات، وليس قانون مطبوعات، ورغم ذلك يصرّح رئيس الاتحاد لصحيفة محلية حين سئل عن أهم إنجازات العام 2001 بأن هذا القانون هو أهم الإنجازات.

بناء على ذلك وانسجاماً مع ما طرحه الباحث، يمكن القول إن الاتحاد "كان يضحك على نفسه وعلينا" حين أوصى بعرض المحاضرة في جدول الأعمال، علماً أن الباحث سبق أن قدم أكثر من دراسة، ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي "نصرخ فيها دون أن يسمع أحد". كأنهم فجأة اكتشفوا العودات، وغيره من الباحثين الذين واظبوا على الدراسة والتحليل طوال العقود الماضية.

الحكومة اغتصبت الإعلام

قدّم العودات تحليلاً تاريخياً للإعلام السوري، ليركز على ما دعاه الحزم الأساسية لمشاكل الإعلام الراهنة:

1ـ مسألة الحريات:

الصحافة السورية معطلة عن دورها الحقيقي، بسبب انعدام الحرية والمتمثل أخيراً بقانون مطبوعات جائر.

قوانين المطبوعات في كل البلاد العربية تتراجع، وفي بلدنا وضع قانون أكثر تشدداً من سابقه.

قانون عام 1876، زمن السلطان عبد الحميد، أكثر استيعاباً للمشكلة الصحفية من القانون الحالي ـ والكلام        دوماً للعودات ـ إذ كان يشترط على طالب الترخيص أن يُعلم السلطات، فقط: علم وخبر. الآن شروط… وموافقات، ويحق لرئيس مجلس الوزراء أن يرفض منح الترخيص دون أن يذكر الأسباب، ولا يحق لطالب الترخيص رفع دعوى، كما لا يحق له معاودة المحاولة إلا بعد عام.

2ـ تعدد أصحاب القرار

يفترض أن تكون الدولة، وليست الحكومة، هي مالكة الإعلام، كي يمثل الجميع، لكن الذي حصل أن الحكومة "تسلبطت" على الإعلام، وحوُلته إلى إعلام حكومي، لا يستطيع انتقاد الحكومة، وفي ظل توسع عمل الحكومة في بلد كبلدنا، كان هذا يعني إلغاء دور الإعلام في 80% من قضايا المجتمع.

هذا اغتصاب، الحكومة اغتصبت الإعلام.

من نتائج ذلك أن الحكومة وكل أجهزتها أصبحت صاحبة قرار في الإعلام: رئيس الحكومة ووزرائها، وزارة الإعلام، أجهزة الأمن، وصار يمكن لأي جهة أن تتدخل حتى في أصغر الأمور، وتحول الإعلام إلى مديرية تتبع وزارة الإعلام.

ومن النتائج: يصبح الولاء هو العامل الأساسي ليست الكفاءة، وينعدم دور أهمية المهنة.

أيضاً: السلطوية، لا يوجد في العالم محرر "يرعبه" رئيس التحرير، عندنا يجب أن يشعر بالرعب، وإلا خان المهنة.

في ظروف كهذه تنعدم المبادرة، وتتخلف المهنة.

3ـ مسألة المؤسسات الإعلامية ذاتها.. ظروفها وآلية عملها:

أنظمة متخلفة، هيكلية خاطئة، تبعية لوزارة الإعلام، رواتب هزيلة، تجهيزات هرمة، قوانين عمرها عشرات السنين، التدريب غير موجود…

ايجابيات الاعلام السوري

هناك فكرة سائدة عن الإعلام السوري تؤكد أنه عديم الفاعلية والتأثير، وأنا واحد من المخطئين الذين يعتقدون أنه كذلك، لكن وقائع كثيرة، آخرها ما جاء في الندوة من مداخلات بعض الحضور، تؤكد أن هذا الإعلام كان بارعاً في نجاحات كثيرة، فقد استطاع أن يؤسس لطريقة في الخطاب تجعل الخروج عنها، ومنها، مستحيلاً، فأنت لا تستطيع أن تنتقد هذا الإعلام إلا باستخدام آليات خطابه ذاتها.

كذلك نجح هذا الإعلام في جعل المواطن (حتى الذي لا يقرأ الصحف، أو يشاهد التلفزيون) يشكك ليس فقط بمصداقية، بل بوطنية من "يحاول" أن يقول أي شيء مختلف، والموقف العام من قناة الجزيرة مثلاً يمكن فهمه في ذات السياق.

لا يوجد أفكار خاطئة، هناك دوماً أشخاص "ملغومون". والمفارقة الطريفة في سورية أن الجميع تقريباً يتهمون الجميع تقريباً بالعلاقة الخفية مع الأمن.

والدلائل:

ـ "لازم نحكي بالإيجابيات شوي حتى نعمّقها، وما في مانع نحكي بالسلبيات حتى نتلافاها" والكلام لعضو في المكتب التنفيذي في اتحاد "يفترض" أنه يمثل الصحفيين. وكانت تنتقد الصحفي إبراهيم ياخور، لأنه لم يتحدث إلا عن السلبيات. 

ولاحظوا: أربعون عاماً وهذا الإعلام يحكي بالإيجابيات، ويعمّقها، ولا يمانع أن نحكي بالسلبيات، وبقي يعمّق، ويعمّق حتى وصلنا وإياه إلى الطبقة الأخيرة في الهاوية.

ـ د. فايز الصايغ، عضو المكتب التنفيذي، مدير عام وكالة سانا للأنباء، وبعدها مدير عام هيئة الإذاعة والتلفزيون سابقاً، "عتب" على ياخور لأنه لم يتعرض للإيجابيات، مؤكداً أن واحداً منها هو أن ياخور مثلاً أحد نتاجات هذا الإعلام. بعبارة أخرى: "هذا الإعلام هو الذي صنعك يا جاحد" والملاحظ أن هذه العبارة تستخدم كثيراً، رغم أن أحداً لم يخطر في باله أننا نستطيع أن نعدد الصحفيين المبدعين على أصابع اليدين، بينما يلزمنا حواسب ذات سعات عالية "لنؤرشف" أسماء: الدخلاء، وأنصاف الموهوبين، وكتبة التقارير…

ـ أحد الصحفيين سأل ياخور بالطريقة التالية:

المستجوِب: هل صحيح أنك عملت في المكتب الصحفي لمؤسسة الإسكان؟

ياخور: نعم.

المستجوِب: ولماذا لم تذكر هذه المعلومة في ورقتك؟!

اللاجدوى

في أكثر من مداخلة، وردت عبارات "اللاجدوى"، فنحن نناقش منذ سنوات في القضايا ذاتها، ولا جديد.

·        ديانا جبور، شبهت الندوة ـ وغيرها ـ بالمونولوج الداخلي، الذي لا يرقى إلى حالة الحوار: "نحن نعمل ضمن إطار رد الفعل، وليس ضمن إطار رؤية منهجية لوضع استراتيجية مستقبلية، إذ نعقد الندوات كلما تعرض الإعلام للانتقاد في الصحافة الخارجية. تجربتنا ليست وردية، ولدينا الكثير كي نلطم بسببه"

·        محمد منصور، قال: القضايا واضحة نناقشها منذ سنوات، دون أن نرى نتائج، ندوات، وندوات ثم يتم مكافأة الفاشلين…. ومن ينتقد يعاقب دون تدخل الاتحاد الذي لا يقيم كرامة لأعضائه، واختتم: "بصراحة نحنا جايين نفش خلقنا ونحط على عينكم"

·        حكم البابا، ذكّر رئيس اتحاد الصحفيين بأنه كال المدائح لقانون المطبوعات في وسائل الإعلام، كما ذكر إجراءات اتخذت ضد صحفيين والاتحاد كان متفرجاً، واختتم بالنظر إلى لافتة قماشية تقول: "الصحفيون ضمير الجماهير، وحملة القلم المسؤول.." ليعلّق: "يا أخي والله نحن لسنا ضمير الجماهير"

ككل الندوات التي يدعو إليها اتحاد الصحفيين، كانت الندوة التي عقدت مؤخراً في المركز الثقافي بالمزة نوعاً من "فشة الخلق" لا أكثر ولا أقل.

أخيراً هذه دعوة للصحفيين كي ينتحروا على الطريقة التالية:

الحكومة التي خَلقت، وأشرفت على، واختارت، وصممت، هذا النوع من الإعلام، استطاعت أيضاً أن تضرب عرض الحائط بحقائق تجارب العالم الإعلامية، وأهمها:

أهم وظائف الإعلام تكوين رأي عام، وفي هذه النقطة لا يستطيع أحد أن يطلب من الصحافة "التحدث عن السلبيات كي نتلافاها".

عندما تحاول بعض وسائل الإعلام في بريطانيا مثلاً، إثارة عدم شرعية شن الحرب على العراق، فليس بهدف "تنبيه" الحكومة إلى خطأ بسيط يجب أن تتلافاه، بل أولاً وآخراً، وابتداء ونهاية، وكل شيء: كي تشكل رأياً عاماً "ضد" هذه الحكومة التي…. تعرف ما تفعله بدقة.

هذه مهمة لن ينجح فيها الإعلام السوري، لعقود قادمة.. لأنه تابع للحكومة، سواء كان مملوكاً للحكومة ذاتها، أو لأحزاب الجبهة التي لا يعرف أسماؤها إلا أعضاؤها، أو للقطاع الخاص، الذي أثبت حتى الآن أنه الملك أكثر من الملك. ولا أستثني حتى الدومري التي أكتب فيها الآن، لأنني لا أعرف كيف ستصبح بعد ثلاثة أعداد.

حزبي

انتقد ياخور طريقة اختيار المفاصل الرئيسية في إعلامنا، حيث لا يعيّن إلا البعثيون، حتى لو كانوا أميين إعلامياً، وربما إملائياً أيضاً، (وجنود قسم التصحيح في المؤسسات الإعلامية شهود) وهذا أثار ردود فعل عدة، ولعل الأكثر دلالة فيما قاله محامو الدفاع، هو أنهم كانوا يستخدمون كلمة "الحزبي" للدلالة على البعثي، (وهي أيضاً إحدى مآثر خطابنا الإعلامي) كأنه لا يوجد أحزاب أخرى في هذا البلد، حتى لو كانت نائمة.

وفي هذا السياق جاءت العبارة التاريخية لعضو المكتب التنفيذي: "كلنا بعثيون حتى يثبت العكس"، وقد حاول د. الصايغ أن "يشلبن" ما قالته زميلته في قيادة الاتحاد، فجاءت المحاولة على طريقة "الكحل والعمى": زميلتنا تقصد الانتماء الفكري للبعث، وليس بالضرورة الانتماء السياسي.

استطاع أحد الصحفيين أن يذكر أسماء اثنين من شاغلي المفاصل الإعلامية، ليسوا "حزبيين"، يقصد بعثيين.

ذكّر ميشيل كيلو ـ أحد المثقفين الممنوعين من الكتابة ـ بقاعدة: "الاستثناء يؤكد القاعدة" وأكد أن صدور قرار من قيادة البعث يقضي بفصل العمل الحزبي عن المهني، وبأن التوصيف سيكون بناء على الكفاءة والمهنية، وليس بناء على الانتماء السياسي، يعني أن هذه الظاهرة موجودة "وحاج نضحك على بعضنا"

ربع نصف الكأس

محمد عبدو تحدث ليذكر الناس بذلك النصف المليء، ثم تبين أن هذا النصف إنما هو دخول الإنترنت.

علماً أن ثلاثة أرباع هذا النصف المليء فارغة، فكثير من الصحفيين حتى الآن لا يتقنون التعامل مع هذا "السحر": الإنترنت، كما أن كثيراً من الملمّين قليلاً بأزراره لا يتقنون الإنكليزية، إضافة إلى المواقع "المحجوبة" (وهي ظاهرة لم تعد تميز إلا البلدان المسحورة "إنترنيتياً").

لذلك يتبين أن ذلك النصف إنما هو مليء حتى ربعه فقط، إن لم يكن أقل.

 

------------------------------

الصفحات 8 : حق القول

رسالة إلى سيد يهمه أمرنا

نبيل الملحم

     يبدو أن هذا الوقت, بات وقت المصارحة, مع أن من الطبيعي أن تكون كل الأوقات للمصارحة, وإلا خرجنا من الوقت, وغدا زماننا جثة, ندور حولها.

       نقول بات وقت المصارحة, فــ ( ينبغي) تقال حين (ينبغي), لأن (ينبغي) تتبدل, ولأن كل مستور في هذه الكرة الأرضية بات مكشوفا  بما في ذلك ما يصاغ في الغرف المعتمة.

      سورية, كما كل الجغرافيات في هذا الكوكب, تخرج من أمس لتدخل في غد آخر, والفارق ما بين جغرافية وأخرى سيكون في طبيعة الخيارات, وفي حوامل هذه الخيارات, وفيما بين خيار إجباري ( ولنلاحظ هنا المفارقة اللغوية الحادة), وبين خيار ينسجم مع البنية اللغوية للمصطلح, وفي كل الأحوال فالخيار السوري, وكما هو واضح من تطورات السنتين الفائتتين, لم يكن خيار القطيعة مع التطورات في العالم المحيط, والبعيد, فالانكفاء إلى الداخل, بات (حتى وان كان فضيلة) هو الخيار المستحيل, في وقت ممراته الإجبارية هي الانفتاح على الآخر سواء عبر الاندماج فيه, أو التبعية له, أو الحوار المتكافئ معه, وهو ما غي ر أشكال الدولة القومية المعاصرة, وآلياتها, كما ثقافاتها, كما بناها السياسية والاقتصادية, وسورية من بين هذه الدول التي تسير في هذا الاتجاه, عبر طريق ما زال يحمل الكثير من المنعطفات, هي خلاصة ذهنيات متباينة, ومصالح مرتطمة, وعوائق ليس بالوسع التغافل عنها, وهي في الاستخلاص الأخير تلك التي ما زالت محمولة على إسمنت الأمس, بصفته اسمنتا  متمسكا  بدوره, حتى وإن صار هذا الدور عائقا  أمام استحقاقات اللحظة.

     بداية استلام البعث للسلطة في البلاد, كان رواد البعث, كما رواد بقية الأحزاب القومية واليسارية وحتى الدينية, مسكونين باليوتوبيا, بحلم الوحدة, وأحلام الاشتراكية, وحينذاك, كانت اليوتوبيا, تتسع للكثير, والأحلام كما درج عليه التاريخ البشري, ملك لأصحابها وحق لهم, ولكن ثمة مسافة ما بين السلطة والحلم, فالحلم هو ما نأمل, والسلطة هي ما تفرض أو ترفض, في علاقة تقوم عل-ى شبكة من إدارة صراع شديد التعقيد, يخضغ بدوره لعملية حسابية شديدة التعقيد بدورها, الأمر الذي قاد إلى مخاضات عديدة شهدتها بلادنا, أبرز تجلياتها من الوجهة الإيجابية, هو أن تحولت سورية عبرها إلى لاعب إقليمي ودولي, فارتفعت أسوارها, وثانيها, وقد يكون مرتبطا  بالأول, هو أن السلطة التي رفعت أسوار الدولة عاليا , خلقت وراء الأسوار صيغة ملتبسة للدولة, فصارت الدولة هي الحكومة وغابت المسافة ما بين المجتمع والسلطة, ليدمج الأول بالثانية, ليتحكم به, وعبر ضرورات لم تعد ضرورية, وإن كان ثمة من يرغب في تحويل الضرورات إلى فضائل, مع أن الضرورة نسبية والفضيلة مطلقة, ولا (واقع مطلق) ما دام يتبدل ويتطور ويتغير, وما دامت آلة الحياة تفرض آليات أخرى, وهو ما ستواجهه بلادنا الآن مع من يقدس الساكن ويلعن المتحرك, ما يستدعي مراجعة أمسنا, والتوقف عند ما في هذا الأمس من ملامح تعيق تطور اللحظة.

      - في الأمس, وتحت أسماء مختلفة من مشتقات حماية الأمن الوطني, حميت الحكومات المتعاقبة من المعارضة, والمحاسبة, ولم تحم الدولة من فاسديها, مع أن المعارضة, كان يمكن أن تعارض على قاعدة المشاركة لا التآمر على السلطة, فالتآمر هو كل ما يعيق النمو الاقتصادي, والبحبوحة الاجتماعية, وفرص العيش المشترك, وإطلاق القوى والمهارات الوطنية المنتجة, وكل ما يحول دون حوار الشركاء في وطن, المفروض أن يكون للجميع, كي يشترك الجميع في الدفاع عن حدوده الوطنية, فالملغى فوق تراب وطنه, لا يطالب بالدفاع عن تراب هو ملغى فوقه.

    - وتحت اسم: ؛تأكيد الثوابت الوطنية«, ومشتقاته من نوع: ؛التعبئة الشعبية للمعركة«, أوصد الإعلام أبوابه أمام الرأي الآخر, فزحفت جحافل البيرقراط على إعلامنا, ما أدى إلى هجرة الكاتب والمفكر والشاعر والصحفي, لإحياء صحافة الخارج, فبات إعلامنا إعلاما  يستهلكه من ينتجه, ليتحول منتجه إلى مستهلك من بين مستهلكين يذهبون لاستهلاك غيره, لأنه من الصعوبة بمكان ابتلاع ما لا يبلع, خاصة ما بعد انطلاق الثورة الإعلامية, والجزر الإعلامية في الجزر العربية التي كانت حتى الأمس مجرد مراع لإبلنا, والثورة الإعلامية التي ساوت ما بين مستهلكي إنتاجها لم تساو ما بين اثنين: الأول منهما (ونعني إعلامنا) خارج العصر, يدار بالقرارات الإدارية والأوامر وتخوين العاملين فيه حتى ثبات عكسه, وبين إعلام يصيغ الزمن, ويدار كما فريق كرة القدم, الكل لاعب بمهارته, وخلاصة المرمى للفريق كله, فتعطلت وظيفة إعلامنا, ولم يعد تلبية لضرورات الحكومة, كما لم يعد تلبية لاحتياجات ناس الدولة, فباتت مؤسساته كاسدة, نفقاتها أعلى من مردوداتها, حت-ى اضطر وزير إعلام سابق إلى استثمار صحافة الخارج (لتسريب) السياسات الرسمية السورية, في حين نلحظ مؤخرا  أن شخصيات سورية  على صلة بالقرار السياسي, وهي تكتب عن تحولات الموقف السوري في صحافة الخارج أيضا , فإذا لم يكن الإعلام مصدقا  من قبل منتجيه ومالكيه, فكيف حال مستهلكه ?

     - وفي الاقتصاد, ترهل قطاع الدولة حتى أوشك أن يتفكك, مع أنه ما زال القطاع الذي يتسع لأوسع قاعدة اجتماعية من الخبراء والعاملين. وقد تحولوا إلى مجرد قابضي أجور ورواتب, لا لأنهم كذلك بل لأنهم معطلين قسرا , وليس لأنه (ونعني قطاع الدولة) خاسر بماهيته, بل لأنه مخسر بإدارته وبفعل وحدات القياس التي جعلت هذه الإدارات إدارات, ومفادها:

     - المطلوب من الإدارة الاقتصادية الولاء السياسي.

 مع أن الاقتصاد هو حسابات تكلفة ومردود وجدوى, وما ينطبق على (التعبئة العقائدية), لا ينطبق على تحريك الموارد, والنتيجة:

    - اقتصاد خاسر لا يربح سياسة حتى ولو كانت سياسة رابحة بجوهرها.

      حين ذهبت سورية, وخلال السنتين الفائتتين حصرا  نحو سياسة تحديث خطابها السياسي, والسعي نحو إخراج البلاد من صيغ الماضي نحو ضرورات المستقبل, استنفرت جيوش البيرقراط, بما فيه بيرقراط أحزاب الجبهة, حتى كادت سيدة, هي الأمين العام للحزب الشيوعي السوري (وهي  مثال قابل للتعميم على بقية الأحزاب الرسمية), كادت أن تخو ن جميع الأصوات التي تدعو إلى الخروج من ستاتيك الحياة السياسية, وترشق الداعين إلى التحديث بمجموعة تهم, مذكرة في اجتماع للجبهة الوطنية التقدمية, بالمعارضة الرومانية التي انقض ت على الرئيس الراحل نيكولاي شاوشيسكو, ولا أحد يلوم السيدة أو سواها من قادة الأحزاب المتشابهين معها, والذين قد لا تتناسب كثرة عددهم مع حجم شأنهم, ذلك أن إحداث تبدلات في الحياة السياسية للبلاد يعني حكما  فتح البوابة لمنافسة (قد) تقود إلى اصطفاء وتنح, غير أن ما ليس صحيحا  هو المثال الذي أوردته السيدة, فالذين انقضوا على شاوشيسكو, كانوا من السدنة, ومن الملتصقين بالنظام السابق نفسه, وهو المثال الذي لا يمكن وضعه فوق المائدة السورية, فالدعوة إلى التحديث والتطوير, جاءت فعليا  من رأس الدولة, والذين يدعون إليه لم يجانبوا هذه الدعوة, ولكن السؤال الذي يطرح نفسه:

      - من هو الحليف الفعلي, ومن بوسعه أن يكون حليفا  ذا جدوى:

     النبتة التي تنمو في ظل نبتة لتعيق نمو النبتة الأم, أم النبتة التي تنمو في مناخها?

     الحليف القوي, الذي سيكون على صلة بتطور هذا الكون? أم الحليف الراكد, والذي بات عمره ثلاثة أرباع القرن دون أن يستطيع تصدير صحيفة أو بناء مؤسسة اقتصادية رابحة?

      وما سبق مثال, والمثال المتكرر يغدو ظاهرة لا مصادفة, وهو مثال يطول الحياة السياسية في بلادنا, وهي حياة سياسية راكدة كي لا نقول معطلة, وفي المقابل, هناك احتمالات ومؤشرات لتتقدم سورية نحو خيارات جديدة, تتطلب فيما تتطلب قوى سياسية جديدة, وتعبيرات جديدة, هي الإفراز الطبيعي لواقع جديد, ولحركة مصالح جديدة, وهو ما لابد من حدوثه على الأقل بعد التغيرات التي وقعت على توجهات الاقتصاد السوري المستقبلي, وعنوانها:

    - السماح للمصارف الخاصة بالعمل

      السماح للمصارف الخاصة بالعمل, يعني متوالية هندسية من المتغيرات الاقتصاية.. متغيرات ستملي حكما  متغيرات في النظام السياسي للبلاد, وفي الحياة الاجتماعية والسياسية كمحصلة, فكيف يمكن أن تحدث متغيرات في النظام السياسي دون أن تحدث تغييرات مواكبة ومتزامنة في حوامله السياسية?

      - إحداث مصارف خاصة يعني توجها  رأسماليا , ما يعني حكما  إطلاق البنى السياسية الموازية لاقتصاد السوق, من مثل:

      - الترخيص لأحزاب جديدة بالعمل, فليس من الوارد أن يكون لسان حال قوى السوق أحزابا  من (البروليتاريا الثورية).

      - إطلاق المؤسسات الإعلامية الخاصة (فليس من الوارد أن يكون إعلام البيرقراط الحكومي), لسان حال حركة السوق.

     - إعادة النظر بجوهر الحياة البرلمانية, بما يعني رفع غطاء السلطة عن الأحزاب وإطلاق المنافسة على المقاعد البرلمانية ليكون الناخب ناخبا , والنائب نائبا , والبرنامج الانتخابي والصندوق الانتخابي هما العقد والحكم بينهما.

     - تغيير حزمة من القوانين المرتبطة بمرحلة ما قبل مقدمات اقتصاد السوق, من مثل قانون مناهضة النظام الاشتراكي, لكون التحول قد جرى على اشتراكية الاقتصاد وجملة من العناوين, تحتمها طبيعة التحولات الجارية, في معظمها متعلقة بالحياة السياسية التي تملي شرطها على من دونها, وعلى الأحزاب والإعلام بشكل أخص وألصق, ليطول التغيير علاقة السلطة بالمجتمع, فيحل العقد مكان الإدماج بينهما, وكل ما (يجب) وما (ينبغي), هو يجب وينبغي كي تنسجم الأمور مع نفسها, وكي لا نبقى أسرى الثنائيات المتناقضة, كأن يأخذ اقتصاد الدولة معطف البيرقراط الممزق, بمحاولة احتواء اقتصاد بطبيعته متجددا , وكي لا تبق-ى الحياة السياسية في اتجاه, بينما الحياة الاقتصادية تأخذ اتجاها  آخر, فالطبيعي أن تفرز الحياة الاقتصادية الجديدة تمثيلها, وها نحن نشهد فوق شاشاتنا الوطنية, ندوات تتصل بالتوجه نحو اقتصاد السوق يديرها بيرقراطيو قطاع الدولة, لتبدو اللوحة شديدة التناقض, كما لتبدو هذه الثنائية, قاصرة عن الإقناع, وهي لوحة شديدة الاحتفالية, يتبناها إعلامنا, باعتبارها جزءا  من احتفالياته المعتادة, دون النظر إلى أن مواكبة أحداث اقتصادية على هذا القدر من الأهمية, تتطلب, تأملا , واستنفارا  لجميع الأسئلة, باعتبار ما يحدث سيحدد الكثير من ملامح ما بعده, فإذا ما كانت البلاد تتجه نحو اقتصاد السوق, فالسوق زبون أولا, فمن هو زبون إعلامنا سواء في الأيام (اليومية), أم في أيام التحولات الجدية, تحولات تعني ما (قبل) غير ما (بعد)?

     مؤكد أن تغيير حوامل نظام سياسي, سيصطدم بالكثير من المعيقات, وبسلسلة من الممانعات, فالنابت من الصيغة القديمة, لا شك بأنه سيتضرر من أية تحولات تشهدها الدولة, ذلك أن أبسط مدير مؤسسة حكومية, يدير ملايين الليرات السورية, بالإضافة إلى قوافل من جيوش العاملين المحكومين لقراره, بالإضافة لجحافل المكاسب الشخصية التي تقدم له بغض النظر عن عائده على المشروع الحكومي, ( هذا إذا لم يكن مجمل مردوده هو إعاقة الآخر على أن يكون ذا مردود فعلي), فمفاصل البيرقراط المتكلسة, ستكون شديدة الحذر والحيطة من أية تحولات ستشهدها البلاد في ظل إدارات بات عجزها واضحا  عن تجديد نفسها بدءا  من إدارات المؤسسات الخدمية, وصولا  لإدارات المؤسسات الإعلامية والسياسية, وهي إدارات اطمأنت على مواقعها ومكاسبها, فتحولت إلى أندية للعجزة, وثمة من يعتقد أن الطائر الأكثر طيرانا , هو الطائر الأقل اطمئنانا , ولولا الاطمئنان الواهم الذي عاشه الدجاج, لبقي طائرا  دون أن يتحول إلى قفص في مدجنة, ما يؤكد أن بوابة التنافس, ستكون البوابة التي تطلق الجميع:

     - البطيء ليسرع في خطوته

     والسريع, ليمنح البلاد فرصة في أن تسير نحو الحوار المتكافئ مع عالم تشكل على نحو جعله قرية واحدة, الفارق شديد الفوارق ما بين أزقتها, وجميع الإصلاحات تأتي من نافذة الإصلاح السياسي:

للإصلاح السياسي الأولوية: أولا , وأولا وأولا .

      والخطوة التي بدت واسعة في الاقتصاد, ووفق الحس, والحدس, والملاحظة لاقت تقبلا  شعبيا  واسعا , والطبيعي أن تكون هذه الخطوة هي الخطوة الرافعة للخطوة التي ستعقبها, على الأقل كي لا نبقى نتأرجح في الثنائيات المتناقضة.

     ما تبقى سيأتي وفق مبدأ الأواني المستطرقة, وانطلاق أية قاطرة, تحددها قوة الدفعة الأولى, وهذا قانون فيزيائي يحدد قوة السرعة اللاحقة.

     - لا أحد يدعو إلى حلول انفجارية, غير أن الركود كان ممكنا  حين كانت المتحولات تندرج في حدود المتواليات الحسابية.

     - ثمة ما تغير, وما تغير هو استحضار المتواليات الهندسية, وللمتواليات الهندسية حسابات أخرى.

     - حسابات يقرؤها سيد لا أحد يشك في أنه يهمه أمرنا.

     - أمرنا باعتبارنا مواطني دولة أضاءت الكثير من شموعها له.. وأضاء الكثير لها.

----------------------------

الصفحة 9 : ذكرى

البحث عن يوسـف العظمة

بقلم: محمد منصور

     كان اسم ميسلون يذِّكر باسم البطل يوسف العظمة، رغم أن أنوار الضريح الذي يضيء عتمة الطريق، كانت تخفت شيئاً فشيئاً مع مرور الســـنين!

     خيرية قاسمية: أراد يوسف العظمة أن يسجل شرفاً للأمة العربية بكاملها، شرف العسكريين في تلك المنطقة.. وشهد له العالم كله، وحتى الفرنسيين، لأنه في المواقع العسكرية يُحترم البطل

      يحتفظ السوريون بهالة خاصة من  التقدير والاعتزاز الخاص بيوسف العظمة وذكراه.. التي تتجدد في الرابع والعشرين من شهر تموز كل عام، اليوم الذي استشهد فيه.

     فهو يمثل بالنسبة للكثيرين منهم ، رمزاً من رموز الكرامة الوطنية التي لا يمكن أن تموت معانيها حتى في أشد ظروف القهر وأحلك لحظات الهزيمة التي يمر بها الزمن العربي اليوم.

ذاكرة الطفولة

حين كنا صغارا كنا نحفظ في المدرسة قصيدة الشاعر عمر أبو ريشة:

كم لنا من ميسلون نفضت عن جناحينا غبار التعب

كم  نبت أسيافنا في ملعب وكبت أجيادنا في ملعب

وعندما كان الشاعر يقول:

شرف الوثبة أن يرضى العلا غلب الواثب أم لم يغلب

    كانت أستاذ اللغة العربية، يسهب في شرح معاني هذا البيت الذي يرقى إلى مستوى المثل السائر.. ولم نكن نستطيع أن نفهم معنى أن الهزيمة يمكن أن تكون نصرا يرضي العلا.. إلا عندما كان يروي لنا الأستاذ قصة موقعة ميسلون، وكيف أن يوسف العظمة الذي كان وزير حربية في الدولة العربية الأولى .. ذهب إلى المعركة ليتحدى إنذار الجنرال الفرنسي المتغطرس غورو، وهو يدرك أن المعركة غير متكافئة، وأن فلول  جيش مسرّح، ومتطوعين لا يملكون سوى بقايا أسلحة بدائية، لا يمكن أن يصمد في وجه جيش ضخم  العدة والعتاد كالجيش الفرنسي آنذاك.. لكنه رغم ذلك رفض أن يدخل المحتل الفرنسي دون مقاومة.. واستشهد في تلك المعركة.

    هذه الواقعة كانت كافية لكي يبقى اسم يوسف العظمة في ذاكرة كل منا، وحين كنا نمر في الطريق بين دمشق وبيروت، أو نعبر بين دمشق ومصايفها المترامية على أطراف سهل الزبداني، كان اسم ميسلون يُذكر باسم البطل يوسف العظمة، رغم أن أنوار الضريح الذي كان يضيء عتمة الطريق، كانت تخفت شيئا فشيئاً مع مرور السنين.

في الطريق إليه ..

     بالنسبة لمواطن سوري  - مثلي - ولد بعد معركة ميسلون بنصف قرن على التمام، كان يمكن أن يمثل يوسف العظمة درساً من دروس تاريخ ننساه بعد أن نودع سنوات الدراسة.. لكن يوسف العظمة كان باستمرار يتمرد على كل كتب التاريخ التي تطوى وتنسى.. كان وما زال درسا متجددا وحيا، يصعب نسيانه.. وخصوصا في زمن أصبح فيه إرضاء العلا ضربا من ضروب التهور والحماقة ومدعاة للوم والتقريع، مادام الصبر على الذل العربي والتفرج على مظاهره هو حكمة الحِكم، وذمة الذمم!!

    حين قررت أن أحقق فيلما وثائقيا تلفزيونيا عن يوسف العظمة في ذكرى معركة ميسلون العام قبل الماضي  (1) كانت كل هذه التداعيات حاضرة في ذهني، وكان هاجسي الأساسي، أن أمتلك قدرا من المعرفة بسيرة هذا الرجل العظيم يكفي لتحقيق فيلم يضيف شيئا إلى ذاكرة المواطن السوري .. وقد خيل لي أن الأمر ليس على قدر من الصعوبة فالمكتبات العامة مفتوحة أبوابها للجميع، ومصادر المعلومات متوفرة لمن يريد أن يبحث ويكتشف.. وكنت أخشى أن عنصر الصورة والمادة الفيلمية سيكون مشكلة فنحن نبحث حدث مضى أكثر من ثمانين عاما على حدوثه؛ ثمانون عاما لم تكن  كاميرات السينما في سورية قد انتشرت، ولا حتى الإذاعة التي كان يمكن أن توثق تسجيلات صوتية لشهود عيان ما، ناهيك عن التلفزيون الذي لم يكن قد اخترع على النحو الذي نعرفه بعد!!

    بدأت عملية البحث، واكتشفت أن المعلومات حول سيرة يوسف العظمة.. لا تقل ندرة عن العنصر البصري أيضا.. وفي دمشق، لا نجد عن يوسف العظمة سوى ساحة عامة مسماة باسمه، رغم أن التمثال الذي يقبع في منتصف هذه الساحة، ليس له.. وبيته الذي خرج منه إلى ميسلون في منطقة المهاجرين، والذي استطاع مجموعة من المثقفين والأدباء أن ينقذوه في اللحظات الأخيرة، بعد أن كاد البلدورز أن يزيله عن الوجود ويفرض واقعا عقاريا جديدا.. وسيذكر التاريخ هنا، أن البلدوزر توقف في اللحظات الأخيرة، بقرار من رئيس الجمهورية الراحل، مما يعني أن المعركة حوله وصلت إلى حد من والفساد والشراسة التي تطلبت قرار أعلى سلطة سياسية لوضع حدٍ لها..  وأن هذا البيت الذي يمثل محطة من محطات الشرف في تاريخ سورية، قد تحول أيضا إلى متحف لميسلون ويوسف العظمة والفترة الممتدة من قيام الدولة العربية الأولى في دمشق  بين عامي   ( 1918 – 1920 ) وحتى فترة عام 1925 التي تروي وثائق الحقبة الأولى للنضال ضد المستعمر الفرنسي.

ملامح البطل وسيرته.. أم شعارات المرحلة ؟!

     لا تعيش الذاكرة في فراغ الأحداث، ولا تنتعش بالوقائع والبطولات المفصولة عن صانعيها.. ومن هنا كنت أطمح أن يكون الفيلم الوثائقي الذي أسميته ( يوسف العظمة سيرة المجد والكبرياء ) مفتاحا للدخول في عوالم هذا الشخص.. للتعرف عن سيرته وأين ولد وكيف عاش.. ومن يكون قبل أن يذهب في رحلته الاستشهادية نحو ميسلون.. وكان ذلك أصعب ما واجهته.. فهناك اليوم، أسماء قليلة مهتمة بميسلون ويوسف العظمة، منها الدكتورة خيرية قاسمية الأستاذة في جامعة دمشق، صاحبة الكتاب الأهم ( الحكومة العربية في دمشق بين عامي 1918 – 1920 ) والمختصة في دراسة هذه المرحلة، والتي مدت لي يد العون بكرم وسخاء.. والدكتورة ناديا خوست الأديبة المعروفة التي لعبت دورا طيبا في المعركة التي أثيرت حول بيت يوسف العظمة و التي قالت لي: لن تجد عن يوسف العظمة الكثير من المعلومات.. فالمهمة شاقة وعسيرة.

      في مكتبة الأسد الوطنية كانت النتيجة مخيبة للآمال حقا، فالمراجع عن يوسف العظمة أقل مما تخيلت،وباستثناء كتاب ( فاجعة ميسلون والبطل العظيم يوسف العظمة ) تأليف محي الدين السفرجلاني والصادر عن مطبعة الترقي بدمشق عام 1937، والمطبوع على نفقة المجاهد نسيب البكري كما يذكر الكتاب..والذي كان مرجعاً مهما لي،  انقطع الاهتمام بسيرة الرجل حتى أصدر محمود إبراهيم محمود الصمادي في السنوات الأخيرة كتابا في أقل من خمسين صفحة بعنوان ( البطل الشهيد يوسف العظمة ) لا يقدم أي معلومات ذات قيمة تذكر عن هذا البطل العظيم.. لأنه يتحدث عن المرحلة كلها بأسلوب مبتسر وغير معمق.

     وقد وجدت في كتيب صغير ونادر بعنوان ( مذكرات فيصل رسالتا من إيطاليا إلى لويد جورج )  بعض المعلومات الهامة عن المرحلة، وتوقفت عند عبارات الملك فيصل التي يصف فيها ما حدث في ميسلون والتي يقول فيها:

   ( وخرجت الجموع من دمشق دون نظام ودون أسلحة للدفاع عن المدينة. ولم يزد عدد هؤلاء الذي تجمعوا في ميسلون عن الألفي رجل  يضاف إليهم مئتا رجل من القبائل، وكان من الطبيعي أن يذهب هؤلاء جميعا ضحية المصفحات والطائرات الفرنسية.

    وقد كان بين هؤلاء الذين سقطوا صرعى في ميسلون ، بعض رفاقي في معارك فلسطين، وإني لأحني رأسا احتراما لهؤلاء الذين ضحوا بحياتهم في سبيل الاحتجاج على اعتداء لم يعرف له التاريخ مثيلا)

     وقد وفقت كذلك في العثور على بعض ما نشرته الصحافة العربية عن ميسلون وبطلها ، ومنها تحقيق نشرته مجلة الأسبوع العربي اللبنانية عام 1964 وبعد مرور ( 44 ) عاما على استشهاد يوسف العظمة ، زودني به مشكورا   الكاتب الصديق ( عامر بدر حسون ) وحمل الكثير من الوثائق والصور .. وفيه يكتب محمود سويد قبل ثمانية وثلاثين عاما من الآن :

    (الطريق بين دمشق وبيروت لابد أن تمر بمبسلون .. فكأنما للتاريخ محطات أخرى غير المدن، يقف عندها ليستريح بعد عناء، أو ليجهد بعد استراحة.وكانت محطة ميسلون من النوع الثاني. وقف التاريخ هنا لا ليرتاح، بل ليبدأ بمعركة، سلسلة معارك كانت ميسلون الشريط السحري الذي يربط بينها كلها في بيروت، ودمشق، وبغداد، وعمان، والقدس، والقاهرة.. فمنذ ميسلون لم يعرف الانتداب الفرنسي والإنكليزي طعم الراحة في بلاد العرب، فكأن يوسف  العظمة أشعل الفتيل ومضى.. بل الانتداب هو الذي مضى.. وبقى يوسف العظمة حياً في ميسلون )

     كانت كل تلك الكلمات تشحنني بطاقة أخرى، لم يعد الفيلم التلفزيوني موضوعها وهدفها فقط، فقد أضحى يوسف العظمة القدوة والمثال، ُملهماً للبحث وأصبحت مهمة تكوين صورته هي الحافز الحقيقي لعمل لا يشكل فتحا جديدا بالتأكيد، لكنه يأتي ضمن سلسلة من الجهود الكبيرة لأناس سبقوني كان لهم الفضل الكبير في تتبع أطراف الخيوط التي تصوغ الصورة الكاملة، الباقية في الذاكرة والوجدان.

الصراع مع الأفكار الشائعة !!

     ثمة الكثير من الأفكار الشائعة والمضللة التي يعتقد بها بعض المهتمين أو العابرين على ذكرى ميسلون ويوسف العظمة..وهي أفكار تعبر عن حالة الهزيمة التي تشكك بالماضي كما الحاضر.. ولعل أهم هذه الأفكار أن موقعة ميسلون لم تكن أكثر من نزهة عسكرية .. وأنها لا ترقى حتى إلى مستوى المواقع أو المعارك التي يُعترف بقيمتها عسكرياً .. فقد افتقرت لأبسط قواعد التخطيط العسكري.. ولذلك فإذا كنا نعتد بقيمتها المعنوية ، فإنها غاية في الهزالة.

    والواقع فهذا الكلام، يبدو خاليا من المعرفة والنزاهة في التعامل مع الوقائع والتاريخ، وعلينا أن نتذكر أولا   أن يوسف العظمة عسكري خبير، وكان رئيس أركان حرب القوات التركية في حرب الدردنيل في الحرب العالمية الأولى .. ولذلك فهو يتمتع بخبرة تلقاها من أرقى المدارس العسكرية في استابنول وبريطانيا ..  وهاهي الدكتورة خيرية قاسمية المتخصصة في دراسة هذه المرحلة ترد على هذه النقطة فتقول في شهادة مصورة في الفيلم:

     (أقر الفرنسيون أن الموقعة لم تكن سهلة، أن هناك مقاومة والمقاومة كانت جبارة، والدليل أن أسماء الضحايا الفرنسيين كان من بينها ضباطاً وصف ضباط وعسكريين عاديين كانوا في صفوف من وقع قتيلا  في تلك المعركة وهذه في موجودة في الوثائق الفرنسية ويمكن الإطلاع عليها بسهولة. رغم أن البعض، ومن هؤلاء بعض المؤرخين العرب، حاولوا أن يستهينوا بها، وقالوا أنها ليست سوى تظاهرة غير مرتبة وغوغائية، طبعا إننا نغمط حق الذين استشهدوا، صحيح أن شهدائنا كانوا كثيرون، لكن في كل موقعة شرف لابد أن  يكون لها أيضا شهداء وكان على رأس هؤلاء الشهداء يوسف العظمة.

يوسف العظمة كان يعرف تماما حين خرج إلى هذه الموقعة أنه غير عائد، البعض قال أنه انتحر .. هذا كذب، لم ينتحر  قال إنه ربما لا يعود، ولذلك أوصى بابنته والسبب أنه يعرف عدم التكافؤ العسكري، وأن النصر لم يكن موجودا لا في مخيلته ولا في نتيجة هذه المعركة، لابد أنه كان يتوقع الهزيمة، ولكن ليكن هذا بشرف عسكري.. لا يمكن أن يتاح لأجنبي معتد أن يأتي إلى بلادنا ويدوس على كرامتنا.. هو يريد أن يسجل شرفا عسكريا، إنه شرف الأمة العربية بكاملها، شرف العسكريين في تلك المنطقة.. وشهد له العالم كله، وحتى الفرنسيين أنفسهم احترموا هذه التضحية، لأنه في المواقع العسكرية يحترم البطل )

ملامح أخرى خارج إطار ميسلون !!

     ومن الأفكار الشائعة أن مساهمة يوسف العظمة الوحيدة في معركة التحرر ضد الاستعمار الفرنسي تكمن في موقعة ميسلون، لكن البحث في تاريخ تلك المرحلة، يؤكد من يراجع الوثائق الفرنسية يجد أن يوسف العظمة  كان محركاً للثورات الأخرى، التي قامت كثورة الشيخ و صالح العلي، ثورة المناضل إبراهيم هنانو،  التي اشتعلت مع نزول القوات الفرنسية الشواطئ السورية قبل القضاء على الحكومة العربية بدمشق  وقد قام يوسف العظمة  بزيارات سرية لتنسيق العمل العسكري وإرسال ضباط من قبل الحكومة لتدريب الثوار .. قبل أن يذهب إلى ميسلون ليكتب سطور الشرف الأخيرة في معركة توقف عندها التاريخ طويلا.. وكتب فيها أمير الشعراء أحمد شوقي يقول :

سأذكر ما حييتُ جدارَ قبر بظاهر جلّق ركب الرمالا

مقيمٌ  ما أقامت ميسلونٌ يذكّر مصرعَ الأُسْدِ الشبالا

تغيّبَ ( عظمةُ ) العَظَمات فيه وأولُ سيدٍ لقي النبالا                       

ترى نور العقيدة في ثراهُ  وتنشقُ من جوانبه الخلالا

إذا مرت به الأجيال تترى سمعتَ لها أزيزاً وابتهالا

    واليوم.. نقف في حضرة ميسلون بعد مرور ثلاثة وثمانين عاماً، لنبحث في ظلام الذاكرة عن ملامح بطلها.. وعن سيرة المجد والكبرياء التي كتب فصولها بنبل ونقاء..

     ورغم أن التمثال  الذي يرمز لنضال الطبقة العاملة أزيل من ساحة يوسف العظمة التي تحمل اسمه في دمشق منذ  أكثر من عام، ووضعت لوحة تحمل كلمات يوسف العظمة الأخيرة، وقصيدة أحمد شوقي المثبتة أعلاه، تمهيداً لإعادة تمثاله الذي تنقل مرات عدة من مكان إلى آخر  إلى قلب دمشق .. إلا أن الساحة بقيت فارغة، واللوحة مازالت تنتظر التمثال الجديد الذي يفترض أن يعكس صحوة وطنية أصيلة  تجاه واحد من أنبل الرموز .

      أجل الاهتمام بيوسف العظمة، ليس نكوصاً إلى ماضٍ غائب يحمل نذرا من البطولة الرمزية.. كما كان بعض من حولي يحاول أن يفهم الأمر ويفهمني إياه ساخرا من حماستي العاطفية واهتمامي المبالغ به، بل هو استلهام حي لمعانٍ نحتاج أن تبعث في حياتنا من جديد .. استلهام يبعث الأمل في إعادة بناء ذاكرة وطنية، تشحذ نفوسنا بمعاني الكبرياء..  وكما كتب الأديب السوري الراحل فؤاد الشايب في ذكرى ميسلون عام 1957

)    كلما أوغل الزمن بعيدا عن يوم ميسلون، تلفتنا إلى الوراء لنرى إلى الوادي الضريح والشهيد وما حول هذه الرموز من آيات التاريخ، أكثر وضوحاً وأعظم قدراً، وأظهر على الأفق سعة وطولا.. فكأن الابتعاد عن هذه الأشياء التي غدت رموزاً، يزيدنا إحاطة بها وتقديرا لها وإلماما بعظمتها وجلالها )

 

( 1 ) ظهر الفيلم المشار إليه بعنوان ( يوسف العظمة سيرة المجد والكبرياء ) هو من إنتاج التلفزيون السوري، وقد عرض يومي 24 – 25 تموز عام 2001 في القناة الأولى والفضائية السورية.. وأعده وكتب له السيناريو محمد منصور وأخرجه عدنان حجازي.

 

-----------------------------

الصفحة 10 : كاريكلام

صفحة رسوم كاريكاتير لعلي فرزات

-------------------------------

الصفحات 11/12/13/14 : الملف

الدومري تنفرد بنشر سيناريو الحلقة الممنوعة من البرنامج التلفزيوني (ملفات حارة)

مرة أخرى الكهرباء تعتدي على طفل في حديقة عامة !!

إعداد وتقديم :  إبراهيم ياخور

 

نص سيناريو الحلقة الأخيرة من برنامج ؛ملفات حارة«, التي منع بثها وألغي البرنامج بسببها, بقرار بات حاسما  غير قابل للنقاش! 

اللافت في الأمر أن السيناريو حمل توقيع المراقب بالموافقة, مع عبارات تقريظ للجهد المبذول في إعداد الحلقة. وبعد تصوير الحلقة وإجراء المونتاج النهائي لها وافق المراقب عليها بعد مشاهدتها. مع ذلك م نع بثها. والذين اشتركوا في اتخاذ قرار المنع لم يكن أي منهم شاهد الحلقة أو قرأ السيناريو!! بل إن صاحب قرار المنع لم يشأ أن يعطي معد البرنامج حتى فرصة المناقشة والتعبير عن وجهة نظره في الأمر!!!

واليوم ما يزال كثيرون من المشاهدين ؛الباقين على قيد ..« مشاهدة قناة البرنامج العام, ولا نعرف بالضبط عددهم أو نسبتهم من إجمالي مشاهدي التلفزيون في البلد, يتذكرون هذا البرنامج الذي احترم عقلهم ومشاعرهم, ويشعرون بالأسف لإلغائه.

(و؛الدومري« تنشر السيناريو الكامل للحلقة, مع إغفال الكثير من التفاصيل البصرية التي نعتقد أنها خاصة بلغة الشاشة.. لذا اقتضى التنويه..)

نص السيناريو

معد البرنامج (تعليق)

1 - مرة أخرى خلال أربعة أشهر, تعتدي كهرباء مشر دة على طفل في حديقة عامة!

 في الحادثة الأولى كان الجاني كهرباء هاربة من ع مود إنارة في حديقة بحي القصور بدمشق, قتلت الطفل ابن  الخامسة إياس النشواتي. وفي الحادثة الثانية انقضت كهرباء  أشد   خطورة, على طفل دخل قفصها خطأ  معتقدا  أنه دورة مياه, وقضمت ذراعيه, هو الطفل ابن  الخامسة أيضا  سامي الفصيح ..

*معد البرنامج بجانب غرفة المحولة الكهربائية في ؛حديقة السابع من نيسان«.

معد البرنامج (تعليق)

* أعزائي المشاهدين أسعد الله أوقاتكم وطيبها بالخير.. أتحدث إليكم من حديقة ؛السابع من نيسان« في جديدة عرطوز جنوبي دمشق, حيث وقعت الحادثة الثانية في الأسابيع  الأخيرة.. فأمضينا جانبا منها ندقق في الملابسات , بحثا  عمن يرجح أنه ترك باب  القفص  مفتوحا, فمك ن الجاني من فعلته!!

* فوتو- مونتاج.. عدة لقطات سريعة الإيقاع لكابلات كهرباء من مختلف الأنواع والقياسات, محمولة فوق الأعمدة أو خارجة من غرف المحولات.. الخ

* معد البرنامج أمام باب الخزان .

معد البرنامج (تعليق)

2 - هذا هو الباب الذي ت حتجز خلف ه اليوم الكهرباء  المفترسة. أعيد إغلاق ه عليها بإحكام بعد وقوع الحادثة!

وإذا كنا نعرف الآن من أحكم الإغلاق, بعد ساعات من الم صاب, ما زلنا نجهل من فتح الباب ونسيه مفتوحا , أو خلعه قاصدا  وتركه فخا  مميتا , لخصم لا يعر ف ه!

تابعوا معنا هذه الجولة من إفادات متضاربة.. بين استنتاجات واستنتاجات مضادة. فالكل يعرب عن محبة الأطفال, ويؤكد حرصه على أمانهم وسعادتهم.. مع ذلك ما زال بيننا أطفال ينزل بهم أذى مميت بسبب الفوضى والإهمال!! 

سامي الفصيح آخر واحد في السلسلة..

* لقطة لسامي في فراشه بمشفى أمية, وبجانبه أمه تبكي..

(المؤثر.. ثم تمزج معه بالتدريج موسيقا كئيبة تطغى على المؤثر وتحل مكانه تماما , وتستمر مع التعليق التالي)

معد البرنامج (تعليق)

مضى اليوم على الحادثة أكثر من شهر بقليل.. أول مرة زارت كاميرا ؛ملفات حارة« سامي في مشفى أمية كان مضى أسبوعان على إصابته المدمرة, دون أن يعي شيئا  مما أصابه بعد.

أما الوالدان فكانا تحت تأثير رض   نفسي شديد..

* والدة سامي جالسة بجانبه في المشفى تتحدث.

أم الطفل

أم سامر: رحت والله أنا وامرات عمه للولد, رحنا قاعدين بالحديقة ما فيه شي ربع ساعة يعني, وعم يلعبوا الأولاد, ركضوا أولاد عمه وبنتي معهم, وقالت لي بنتي أنه سامي متكهرب بالغرفة. رحت بدي شوفه بالغرفة, أجيت بدي فوت لقيته بالأرض! أجيت بدي فوت على الغرفة, فيه زلمة يعني ما خلاني فوت, قال لي أوضة كهرباء هي شلون بدك تفوتي?!

المعد:  والباب كان مفتوح?

أم سامر: كان مفتوح.

المعد:  باب حديد?

أم سامر: باب حديد مفتوح.

المعد:  حضرت ك رحت  باتجاه الغرفة شفت  الباب مفتوح?

أم سامر: بابها مفتوح, ولقيت الولد بقلب الغرفة.

المعد: طيب أنت بتعتقدي ليش سامي الله يشفيه ويقو مه بالسلامة, ليش دخل على هي الغرفة?

أم سامر: عم يلعبوا أولاد.

المعد:  أيوه.

أم سامر: يعني مو بعيدة الغرفة عن ما قاعدة أنا..

المعد:  حضرتك وقت يللي فت  على الحديقة ما انتبهت  أنه باب الغرفة مفتوح?

أم سامر: لأ ما انتبهت.

المعد:  طيب ليش ما انتبهت ?

أم سامر: ما لي عارفة أنه غرفة كهرباء.

المعد: يعني كان ممكن تشوفي الباب بس ما بتعرفي حضرتك أنه هي غرفة كهرباء?

أم سامر: لأ. مالي عارفة.

المعد:  كان ممكن تعتقديها دورة مياه مثلا?

أم سامر: هو الولد هيك مفتكرها..

* أنسرت.. لقطة من الخلف لوالدة الطفل تجلس في الحديقة, وفي العمق تبدو غرفة الكهرباء.

معد البرنامج (تعليق)

هل هذا حقا ما خطر في بال الطفل المصاب, أم دخل غرفة المحولة الكهربائية عابثا?

دعونا نستمع إلى خواطر صديقه فراس الذي كان في صحبته لحظة دخوله الغرفة.. ولا ننسى أن الطفلين هما في الخامسة من العمر.

المعد: فراس حبيبي بتتذكر أنت يوم للي أجيت أنت وسامي على الحديقة?

فراس: ايه.

المعد:  بتتذكر شو صار?

فراس: ايه.

المعد:  احكي لي لشوف شو صار?

فراس: فكرناه تواليت.

المعد:  شو هو يللي فكرتوه تواليت? هذا?

فراس: ايه.

المعد:  هذا الباب دخلتوه?

فراس: ايه.

المعد:  ايه احكي لي مين دخل بالأول أنت ولا  سامي?

فراس: أول سامي بعدين ابن عمه هداك..

المعد:  فيه واحد تالت كان معكم?

فراس: ايه.

المعد:  كان الباب مفتوح ولا  مسكر?

فراس: ايه فات اول 

المعد:  وبعدين انت دخلت بعدهم?

فراس: ايه.

المعد:  حبيبي كان الباب مفتوح ولا  مسكر?

فراس: مفتوح..

المعد: ايوه دخلتوا لجوا, شو شفتوا جوا حبيبي?

فراس: شفنا كله حدايد وفيه جورة, كله حدايد وفيه جورة.

المعد: آه فيه حدايد وفيه جورة كمان?

فراس: ايه.

المعد: ايوه شو صار بعدين شفته لسامي وقت تكهرب?

فراس: ايه.

المعد: كيف تكهرب?

فراس: حط ايده وبعدين وقع بالأرض.

المعد: وعلى شو حط إيده حبيبي?

فراس: على الحديدة.

             رحت طلعت.

المعد:  لفين رحت?

فراس: طلعت, كانت اخته لسامي واقفة هون, قلت لها تكهرب سامي!

* معد البرنامج يجلس على أحد مقاعد الحديقة, وتبدو غرفة المحولة الكهربائية خلفه..

معد البرنامج (تعليق)

5 - ما أن صعقت سامي الكهرباء حتى ساد رعب, وسط جمهرة صغيرة من نساء وأطفال لم يكن غيرهم في الحديقة.. لكن القدر ساق شابا  ذا نخوة في الطريق المجاور.. نور.

* الشاب نور الذي أنقذ الطفل يقف أمام غرفة المحولة الكهربائية التي وقعت فيها الحادثة.

الشاب نور

نور: كنت ماشي من هذا الطريق, الطريق العام, فجأة سمعت صوت انفجار, صوت دوي يعني, واستغربت.. لقيت أولاد صغار عم يصرخوا ونسوان عم تصرخ أنه فيه ولد بالغرفة.. طبعا اتجهت للغرفة بسرعة لقيت الولد واقع بالأرض!

المعد:  هذه هي الغرفة من فضلك?

نور: إيه طبعا هذه هي.

المعد:  كان الباب مفتوح?

نور: كان الباب مفتوح للأخير..

المعد:  وهذا القفل يللي نحن شايفينه ما كان موجود?

نور: لأ ما كان موجود.

المعد:  القفل يللي نحن هلق شايفينه ما كان موجود?

نور: لأ ما كان موجود القفل. لأنه أنا بعد ما صارت الحادثة رجعت لقيت القفل مفتوح مكسور ومطعوج كمان.

المعد:  يعني بعد ما صارت الحادثة بقديش?

نور: بعد ما صارت الحادثة تقريبا بشي ساعة.

المعد: يعني هل الطعج أو الكسر تبع هذا القفل بيوحي أنه من صنع طفل?

نور: لأ..لأ.. مستحيل مستحيل طفل يكسره, شب ما بيقدر يطعجه باين مضروب ومكسور كسر.

المعد: طيب وقت يللي جرت الحادثة ركضت حضرتك ودخلت على الغرفة?

نور: فتت لجوا ولقيت الولد مسطح بالأرض. طبعا ما كان حدا قدران يفكه لأنه منظره كتير مرعب كان.

المعد: وكان ناس كتير متجمعين حوله?

نور: كان ناس كتير متجمعين حوله, وكان فيه حديد جوا والولد جوا بنص الغرفة تقريبا.. فحاولت انه اقدر فوت وشوف ما يكون ماسكه شريط كهرباء. لأنه هيك شغلة خطيرة. بده يكون فيه شوية حذر. سحبت الولد. كان بحالة شبه ميت عم يلفظ أنفاسه. كان الزبد عم يطلع من تم ه.

المعد: كيف سحبته?

نور: سحبته من بوطه, مسكته من بوطه مسكته من تحت في حال إن كان فيه شي كهرباء مشان ما يصير شي وطلعته لبر ا. كان بحالة يعني شبه ميت. أخذته دغري على المستشفى.  طلعت فيه على الطريق حاولت أني ساعده بتنفس اصطناعي, كان ما عم يقدر يتنفس والله العليم كان شبه ميت. بالمستشفى لما وصلنا على المستشفى..

المعد:  على أي مستشفى أخذتوه?

نور: على مستشفى الكمال.

المعد: هون بجديدة عرطوز?

نور: ايه شقوا له تيابه وعلقوا له سيروم وقالوا له بتحولوه على المجتهد.

المعد: وأخذته على المجتهد?

نور: اخذوه على المجتهد.. وهنيك بالمجتهد طبعا ما قدروا يعملوا شي وحولوه على الرازي وسلسلة...

*معد البرنامج يقف أمام سيارة إسعاف مشفى أمية, وفي يده نسخة من المقال.

*(زوم إن) نحو المقال في يد معد البرنامج, أو في حجره ..

* ظهور معد البرنامج حيث هو أمام سيارة الإسعاف .

معد البرنامج (تعليق)

6 - كانت رحلة عسيرة فعلا بين سلسلة من المشافي, كما أشار تقرير صحفي نشرته جريدة تشرين مؤخرا ..

 في مشفى المجتهد اعتذروا عن استقبال الطفل بحجة عدم وجود غرفة لديهم.. في الرازي رفض طبيب الإسعاف استقبال الطفل لعدم توفر أجهزة للأطفال.. في مشفى الأطفال قاموا ببعض الإجراءات الضرورية وحولوه إلى المواساة لعدم وجود قسم للحروق لديهم.. فضل الأهل التوجه إلى مشفى سنان, فطلبوا منهم هناك العودة به إلى المواساة. لكن الأهل ذهبوا إلى مشفى الغزالي.. فانتظر الطفل وأهله هناك ساعتين قبل أن يصل الطبيب, الذي حوله مجددا  إلى المواساة..

*  أخيرا  أخذ الأهل طفلهم المصاب إلى المواساة, فقرر الأطباء بتر الطرفين. تردد الأهل تعلقا  بأمل أخير, ثم نقلوه إلى مشفى أمية حيث بتر الطرفان, لأنه لم يكن بد   مما لا بد منه.. فالإصابة جسيمة!

* لقطة للطفل عن صورة فوتوغرافية ملونة, قبل بتر ذراعيه..

معد البرنامج (تعليق)                         

هذه صورة للطفل سامي بذراعيه المصابين قبل بترهما, كما نشرتها جريدة تشرين في الثامن من كانون الثاني..

* لقطة للطفل على سرير غرفة العمليات في مشفى أميه..   

.. وفي هذه اللقطة الثانية سامي بعد أسبوعين من الحادثة في غرفة العمليات بمشفى أميه, للمرة الثانية..             

* الدكتور ؛علايا« في غرفة العمليات بمشفى أميه, يقف بجانب سرير العمليات الذي مدد عليه الطفل, بعد إجراء عملية البتر الثانية مباشرة.. الطفل يعود إلى الوعي ويبكي بتقطع.

د. علايا

المعد: دكتور علايا هلق نحن بغرفة العمليات بالمشفى يللي حضرتك أجريت فيه مداخلة جراحية لاستئصال يد كاملة وجزء من ذراع الطفل سامي الفصيح?

د.علايا: نعم.

المعد: ممكن من فضلك أول شيء نأخذ شوية معلومات حول أيمتى أدخل هذا الطفل وكيف أجريت العمليات الاسعافية له?

د.علايا: الطفل دخل المشفى من حوالي 51 يوم بحالة إسعاف, كان قبل منها تعرض لمس بتيار كهربائي ضغط عالي.. مما أدى إلى حرق شديد في الطرفين العلويين ابتداء من الأصابع ولغاية الأبط.. والإصابة كانت شديدة جدا أدت إلى تموت الأصابع والكفين..

المعد: طيب باقي الجسد بحالة سليمة?

د.علايا: باقي الجسد كان بحالة سليمة بس الطرفين بالاضافة للتموت كانوا في وضع وزمي شديد جدا .. وهاي بتأثر على تروية الطرفين.. فنحن لما أجا إسعافيا  أخضعناه فورا  للعمليات.. وعملنا له ما يسمى بخزع جلد وصفاق واسع من الناحية الأنسية والناحية الوحشية للطرف العلوي الأيمن والطرف العلوي الأيسر. من راحة الكف إلى الابط .

المعد:  نعم.. هلق طوال ال- 51 يوم يللي مضوا وهو كان بالمستشفى ?

د.علايا: نعم .

المعد:  حالته كانت مستقرة.. كيف حالته العامة?

د.علايا: حالته العامة بأول الأمر كانت سيئة لأنه عنده نقص في الألبومين.. وارتفاع في درجة الحرارة.. بالمعالجة تحسنت.. أما بالنسبة للطرفين العلويين فمع الضمادات المتكررة تبين أنه ما فيه فائدة من إبقاء الطرفين العلويين.. فقررنا أول شي نعمل بتر مبدئي أو بسموه بتر أولي لتحت المرفق عسى أنه الانسجة والعضلات فوق المرفق تتحسن.. مع مرور الأيام, وتتحسن ترويتها.. يعني بيكون بذلك حافظنا له على معظم الأطراف.. مع الأسف الشديد الطرف الأيسر بقيت العضلات والأنسجة حتى العظم بلشت تتنخر.. مما أدى واضطرينا نعمل بتر من خلال مفصل الكتف الأيسر .

المعد:  طيب والحالة الآن?

د.علايا: الحالة الآن حالة الطفل العامة جيدة.. ارتفاع الحرارة عنده متوقعة نتيجة الجروح يللي عنده, بس بالنسبة للطرف العلوي الأيمن يللي مبتور من تحت المرفق, لا يزال وضعه حرج جدا . فيه تحسن بطيء جدا  في التروية نأمل أنه تتحسن مع الأيام من خلال المحافظة على العضد..

المعد:  طيب بخبرتك كجراح عظمية كيف ممكن يدخل تيار كهربائي ضغط عالي في الجسد من ذراع إلى ذراع مثلا وما يؤذي القلب.. أو بقية الجسد?

د.علايا: يللي صار أنه هو مسك مأخذ التيار الضغط العالي بأيدينه.. بالأيدين.. فصارت الأذية بنفس الوقت بالطرفين العلويين.. هو إصابته لما وجد, وحسب وصف الأهل كان في حالة شبه غياب عن الوعي و الزبد عم يطلع من انفه .. من فمه .. فيعني بيجوز لو كان درجة تماسه مع التيار فترة أطول فكان توقف قلبه وكان توفي الطفل.

المعد:  هلق حضرتك جراح قديم.. مر معك حالات من هذا النوع.. أنه البتر تم بسبب التعرض للتيار الكهربائي?

د.علايا: والله هي الحالات ما كتير كثيرة. بس شفنا حالة واحدة بالسابق وتم فيها البتر تحت المرفق بيد وحدة.

المعد:  بسبب التعرض لأذية التيار الكهربائي العالي الضغط?

د.علايا: نعم .

المعد:  كمان لطفل ولا  لإنسان..?

د.علايا: لطفل.

المعد:  من قديش تقريبا?

د.علايا: يعني حوالي 21 سنة كان عمره يعني تقريبا شي خمس سنين أو هيك شي..

المعد:  كمان كان متعرض للكهرباء توتر عالي?

د.علايا: تيار عالي, بجنينة عم يلعب ما عدت أتذكر عم بيلعب وفيه شريط طالع من عامود كهرباء فمسكه بايده فكمان...!

المعد:  بترت له طرفه?

د.علايا: بترت له كفه.. نعم.

* معد البرنامج يجلس على أحد مقاعد حديقة السابع من نيسان, وفي الخلفية غرفة خزان الكهرباء.

معد البرنامج (تعليق)

8 - الحوادث تتكرر.  نعلم بها مصادفة , وأحيانا  لا يدري بها أحد  ! لكن المؤكد أن الحالات تتكرر, رغم خطورتها, والضحايا معظمهم من الأطفال!!

لماذا ?

دعونا نبدأ رحلة البحث عن الأسباب مع شحادة الشعبي المحرر في جريدة تشرين, الذي كان أول من عاين هذه الحادثة الأخيرة, في اليوم التالي لوقوعها..

* الصحفي شحادة الشعبي يقف أمام ؛تراكس« صغير, في تجمع آليات لإحدى بلديات ريف دمشق.

شحادة: ... الحادث صار يوم الجمعة بعد الظهر. اتصلوا معي زملائي في الجريدة, قالوا فيه حادث صار بجديدة عرطوز. الحادث صار بجديدة عرطوز بإحدى الحدائق, طفل انصعق بالتيار الكهربائي.. كان الوقت متأخر, يعني إعلامي بالموضوع كان متأخر.

المذيع: مساء الجمعة?

شحادة: صباح السبت مباشرة طلعت على مركز الكهرباء حتى أعرف منهم وين الموقع . لأنه هنن بيعرفوا وين مواقع مراكزهم, ونزلت على المركز.

المذيع: يعني رحت على قسم كهرباء عرطوز?

شحادة: نعم.

المذيع: كانوا هنن عارفين بالحادث?

شحادة: طبعا هنن عرفانين.. عرفانين من قبل بيوم. يعني وقت يللي وقع الحادث مباشرة وصار فيه قطع للتيار الكهربائي.

المذيع: بالجديدة?

شحادة: بالجديدة نعم.

المذيع: أو بقطاع منها.

شحادة: هو من ألطاف رب العالمين فعلا, لو ماالكهرباء انقطعت لكان الولد مات .. بس الله سبحانه وتعالى, له عمر. نزلت على القسم وأجيت أنا ورئيس القسم ورئيس مكتب الطوارئ على الحديقة شفت الواقع شو هو . عاينته على مهل المهل. أنا لفت انتباهي طبعا .

المذيع: كنت أنت وزميلنا المصور وكان معكم مدير قسم  الكهرباء. نعم شو يللي شفته من فضلك?

شحادة: يللي لفت انتباهي شغلة.. يعني أنا أول ما سألت, قالوا: الطفل صعق داخل الخزان. هذا يعني الباب بده يكون مفتوح. مباشرة تبادر لذهني أنه لابد من وجود إهمال من قسم الكهرباء وعمال الطوارئ, أدى لدخول الطفل إلى... طبعا  هذا الاحتمال بتتحمل مسؤوليته أكثر من جهة..

المذيع: طيب نحن قبل ما ندخل بموضوع تحميل المسوؤليات لأي جهة أو لأي شخص, خلينا نحكي نحن شو شفنا بالضبط ?

شحادة: يللي شفناه من بعد ما نزلنا من القسم ونحن جايين, عم بيقول لي رئيس مكتب الطوارئ أنه أخي نحن هذا القفل مكسور لقيناه داخل الخزان.

المذيع : أنت ما شفت القفل في الأرض?

شحادة: ما شفته, نعم.

المذيع: أخذته من يد...?

شحادة: فاتوا على الخزان ولقيوه, حسب ما روي لي, مرمي داخل الخزان.

المذيع: بس أنت ما شفت القفل داخل الخزان?

شحادة: لأ. لأ.. ما شفته.

المذيع: هو أعطاك ياه مشان تصوره?

شحادة: ايه أعطاني ياه وصورته أنا, وتابعت الموضوع تبعي.

* أنسرت.. لقطة عامة محدودة لباب الغرفة مقفلا  .

المذيع: بس إذن خلينا نرجع نأكد على نقطة, أنه يوم يللي رحت صباحا نهار السبت برفقة عمال من قسم الكهرباء كان الباب مغلق?

شحادة: كان مقفل.

المذيع: هنن عمال الكهرباء كانوا زاروا الغرفة قبلك أنت بنفس اليوم, أو ربما في اليوم السابق, يعني أنت شفت الوقائع كما كانت بمعرفة عمال مؤسسة الكهرباء?

شحادة: أنا لفت انتباهي.. هنن عم بيقولوا القفل كان مكسور, صورت باقي الأقفال حتى شوف آخد لونها آخد قديش صار لها فترة ما لها مفتوحة, أو باين الأقفال الباقية فيها نوع من الصدأ, أو مصديه شوي, بينما هذا القفل يللي هلق مركب ما فيه شيء...

* أنسرت.. لقطة قريبة للوحة الصفراء المدخلة زركا تحت حافة الباب..

المذيع: طيب هلق أنا شايف من الصور المنشورة على الموضوع, فيه صورة اللوحة يللي بتشير إلى خطر الموت في هذا المركز. أنت وقت رحت نهار السبت صباحا  شفتها معلقة جنب باب الغرفة? مبين أنه فيه محاولة لتعليقها بمسامير على الحيط, صح ? هي اللوحة..

شحادة: أيه أنا وقت يللي شفتها..

المذيع: نعم وهي كانت معلقة هيك على الحيط?

شحادة: ما لفت انتباهي وما كان بذهني دقق أنه مركبة جديد أو مركبة قديم.

المذيع: هلق نحن وقت يللي رحنا.. بعد فترة طويلة, يعني قرابة شهر من الحادثة, شفناها معلقة هي نفسها هي اللوحة... مدخلة بطريقة الزرك تحت حافة الباب, بينما عالأبواب الثلاثة التانيين معلقة تلات لوحات  بحوامل من سلك يللي بيستخدموه عمال الكهرباء بالشبك أعلى الباب...

* معد البرنامج يقف تحت صف من هذه اللوحات الصفراء المعلقة على كل باب من أبواب غرفة تحويل!

معد البرنامج (تعليق)

9 - ربما كان مفهوما  تعج  ل  قسم كهرباء عرطوز لإعادة ترتيب مشهده بعد أن طرأ عليه الاضطراب فجأة, وأحدقت به الظنون.. لكن  رد الفعل الأول لبعض العاملين كان مغاليا  في كسر كل منطق .. شاهد عيان على الحملة اللاهفة لتركيب لوحات صفراء أنيقة, تحذر من خطر الموت بالكهرباء, عشية الحادث .. يخبرنا بما سمع! 

* المواطن يقف أمام خزان الكهرباء حيث وقعت الحادثة.. الكاميرا تنتقل أثناء الحديث نحو اللوحة موضوع الحديث.

المواطن: كل أبواب الخزانات يللي موجودة بالجديدة ما كان فيه عليها هي اللوحة نهائيا. بعد الحادثة, شغلة خمس ست ساعات كل الأبواب انحط عليها نفس اللائحة  هي!

المعد:  بكل الجديدة?

المواطن:  بكل الجديدة.

المعد:  شو عرفك .. حضرتك شو بتشتغل?

المواطن: أنا عندي محل تسجيلات مواجه خزان بوسط الجديدة تقريبا .. ايه الخزان موجود مواجه محلي, كل يوم وصار لي شي تسع سنين فاتح ما كان فيه هي اللوحة نهائيا . بعد الحادثة بالضبط بعد الحادثة بشغلة خمس ست ساعات انحطت هي اللافتة على الباب وتثبتت!

المعد:  طيب أنت وقت يللي أجو وحطوا اللوحة على هذا الخزان.. كنت دريان بالحادثة?

المواطن: طبعا .

المعد: طيب حاولت تتحاور أنت وعمال الكهرباء حول الموضوع?

المواطن: حاولت معهم وقلت لهم أنه شلون تاركين باب الخزان يللي بحديقة الباسل فوق انه مفتوح .. قال لأ كنا قافلينه.

المعد:  حديقة السابع من نيسان?

المواطن: السابع من نيسان.. الحديقة يللي فوق.. انه شلون تركتوا, تاركين الباب مفتوح?! قال: لأ.. نحن حاطين قفل, والولد كاسر القفل! يعني طفل عمره خمس سنين!

المعد:  عمال الكهرباء هيك قالوا لك?

المواطن: ايه عمال الطوارئ نفسهم..

* معد البرنامج في البهو أمام غرفة عمليات مشفى أمية, وبجانبه وخلفه أسرة نقل مرضى.

معد البرنامج (تعليق)

01 - إذن.. بينما كان الطفل يعاني ما يعانيه في المشفى, و ج د بين عمال الكهرباء من جعله خوفه الوظيفي من العاقبة يشن هجموما  وقائيا  لا ضرورة له!! لعن الله الخوف!

في مشفى أمية كان أهل الطفل منشغلين بهم  آخر, ويفكرون بطريقة مختلفة..  

* والد الطفل يقف مستندا  إلى حافة السرير المجاور لسرير ابنه يتحدث بعينين دامعتين.

أبو سامر: يعني بيجوز جيب له دكتور نفساني هو..

المعد:  أنت بدك تجيب له?

أبو سامر: أنا بجيب له.

المعد: ما بتعرف أنه إذا كان فيه جهة ما مسؤلة انه تجيب له أو تساعدك?

أبو سامر: انا بجيب له, أنا أبوه أنا مسؤول عنه.. لأنه كتير عم يسألني عن أطرافه وعم بتهرب من سؤاله..

المعد:  شو عم يسألك?

أبو سامر: بابا ايدي جيب لي ياها من تحت المخدة, مدايقتني قيم لي ياها!

المعد:  ها بعده عم يحس فيها?

أبو سامر: لهلق بيسألني.   

* معد البرنامج يقف في الفسحة أمام مبنى قسم كهرباء عرطوز, الذي يبدو في العمق.

معد البرنامج  (تعليق)

11 - نذهب إلى قسم كهرباء عرطوز في زيارة أولى أواخر دوام أحد الأيام . نلتقي موظفا  إداريا  واحدا , لم ينصرف بعد.. تابعوا معنا هذا الموقف..

* موظف إداري في مديرية كهرباء عرطوز, يقف في رواق القسم الإداري.

المعد:  شو بتشتغل? موظف?

الموظف: إداري.

المعد:  الله يعطيك العافية, طيب إداري بيجوز ما يكون لك علاقة مباشرة بللي حصل.

الموظف: لا والله أنا بالأمور الفنية والله ما عندي..

المعد:  طيب.. أنت دريت بالحادثة تبع الطفل يللي أصيب بماس كهربائي بحديقة السابع من نيسان بجديدة عرطوز?

الموظف: نعم .

المعد:  بنفس اليوم دريت بالحادثة ولا بعد فترة?

الموظف: والله بعد يومين.

المعد:  بعد يومين? كلكم دريتوا فيها هون?

الموظف: كلياتنا.

المعد:  شو انطباعك عن هي الحادثة?

الموظف: أنا والله بالنسبة إلي أنا شغلي هون بالديوان بشتغل بالديوان.. والأمور الفنية والله ما بعرف.

المعد: لأ أنا ما بقصد من الناحية الفنية, حضرتك متزوج?

الموظف: نعم.

المعد:  عندك أولاد, الله يخليهم?

الموظف: عندي أولاد.

المعد:  قديش عمرهم أولادك?

الموظف: واحد سنتين وواحد..

المعد:  الله يخليهم.

الموظف: الله يسلمك.

المعد:  يعني بدون شك والد أنت, الحادثة بتكون وقت يللي وصلت لك, يمكن أثرت فيك?

الموظف: نعم .

المعد: وأنت بتشتغل ولو بالديوان بس بتشتغل أيضا بمجال الكهرباء. شو كانت تعليقاتكم أنتم هون عن الحادثة, بصدق وصراحة?

الموظف: والله بالنسبة للحادثة نحن تأثرنا لهالقصة وزعلنا كتيرعلى هذا الطفل.

المعد: كيف يعني زعلتوا?

الموظف: يعني تأثرنا على هذا الطفل يللي ساوا هالشي هذا.

المعد:  بالضبط شو ساوا الطفل .. بتعرف أنت?

الموظف: سمعنا أنه عملوا له عملية وايديه شالوا له ياهن.

المعد:  أيمتى دريتوا أنه شالوا له ايديه?

الموظف: هذا الموضوع والله ما له زمان.

المعد:  ما له زمان, طيب دريتوا بأي مستشفى?

الموظف: ....

المعد:  حدا منكم عرف بأي مستشفى هو مثلا?

الموظف: والله أنا ما دريان..

*معد البرنامج يقف في شارع أمام مبنى قسم كهرباء عرطوز, الذي يبدو في عمق الكادر.

معد البرنامج (تعليق)

21 - في اليوم التالي نلتقي مدير قسم كهرباء عرطوز ومسؤول الأمن الصناعي فيه..

* لقطة عامة من الخارج لقسم كهرباء عرطوز..

* المهندس بسام ترجمان مدير قسم كهرباء عرطوزيجلس خلف طاولته, يدخن. وعلى كرسي أمام طاولته يجلس مسؤول الأمن الصناعي في القسم.

المعد:  ليش ما حدا راح من وزارة الكهرباء او من قسمكم يزور هذا الطفل أو يزور أهله في المشفى أو في البيت, ويسدي لهم كلمة طيبة أو ياخد لهم باقة من الزهر, ويعرب عن حسن نية المؤسسة يللي, بقصد او بدون قصد, كانت هي السبب في الأذية اللي وقعت بالطفل?

م.بسام: أولا أنا المؤسسة, أنت هلق حكمت أنه هنن المسؤولين.. الموضوع قيد التحقيق, ورح يوصل التحقيق ويبين مين..

المعد: يعني اذا ظهر بنتيجة التحقيق انه انتم مالكم سبب في ذلك ولا أي من عمالكم, اسمح لي من فضلك, لن يذهب أي منكم لزيارة هذا الطفل? عفوا !

م. بسام: نحن كلفنا مسؤول الأمن الصناعي أنه يتابع الموضوع, ونزلت أنا ومسؤول الأمن الصناعي بالشركة على المشفى.

المعد:  أي مشفى?

م.بسام: مشفى الكمال.

المعد:  الكمال فين هذا مشفى الكمال?

م.بسام: بالجديدة نعم. وقت يلي نزلنا تطلعنا على سجلات يوم الجمعة فأصلا مو مسجلينه ما سجلوه نهائيا. فقالوا لنا أنه نحن ما عندنا قسم حروق وحولناه على مشفى المجتهد. وبعدين وصلني أنه على مشفى المجتهد, فكلفنا مسؤول الأمن الصناعي بالتنسيق مع لجنة الأمن الصناعي.. فنزلوا على المشفى يللي كان فيه الولد ونقل على المشفى الخاص, وقابل خالته وقابل عمته للولد وانفجرت عليه, وكانوا غير جاهزين ورجع اتصل ..

المعد: حضرتك نزلت على أي مشفى?

يوسف: .... نزلنا على مشفى المجتهد برفقة رئيس لجنة الأمن الصناعي المهندس مروان.. على مشفى المجتهد عالقبول, اطلعنا على اضبارته, قال نحن حولناه مباشرة وقدمنا له الإسعافات الأولية وحولناه على مشفى, أخدوه أهله على مشفى العربي..

المعد:  نعم.

 يوسف: بمشفى العربي. رحنا على مشفى العربي.. رحنا ساوينا له جروح بشكل فتح شرايين بشكل طولاني وما تحسن وضع الطفل قاموا نقلوه اهله مباشرة على مشفى المواساة..

المعد:  نعم.

يوسف: فتوجهنا على مشفى المواساة على قسم الحروق والتقينا مع الطبيب يللي استقبله أول ما وصل على المشفى, ووصف لنا الحالة يللي هو كان جاي فيها.. وارجانا ورقة على باب غرفة العمليات انه بنفس اليوم يللي رحنا فيه على المشفى كان مقرر بتر أطرافه الأثنتين  العلويات.

المعد:  نعم.

يوسف: فالطبيب يللي التقينا معه قال نحن بالمشفى ما تقبلوا لأنه فيه تعهد من قبل ولي أمره انه يوقع على هذا الأمر أنه بده عمل جراحي بده بتر أطراف. الأهل ما بكل حالة صبر, كان موضوع مثل هذا كان ممكن يكون فيه مجال لتجاوز هيك, فما ساووا له العمل الجراحي ونقلوه مباشرة على مشفى خاص مشفى الشامي.  نحن كان فيه .. كانت الساعة شي ثلاثة ونصف أربعة بعد الظهر, تاني يوم نزلت أنا على الشركة لعند المهندس مروان محفوظ وقمنا اتصلنا على المشفى الشامي وحكينا مع إدارة المشفى ونطمئن على وضعه وعلى حالته الصحية وراح عامل المقسم وصلنا على الخط الهاتفي مع عمته يللي كانت هي مرافقته بالمشفى يعني أبوه كان طالع برا المشفى..

*معد البرنامج في ركن من مشفى أمية.

معد البرنامج

31 - نحن لا نعرف حقيقة ما بادر به أهل الكهرباء حيال الطفل المصاب وأهله, بعد الحادثة. لكننا متأكدون, وفقا  لما نشرته جريدة تشرين وما سمعناه من الأهل مباشرة, أن مشفى العربي ومشفى الشامي ليسا في عداد المشافي التي مر بها الطفل قبل أن يستقر في مشفى أمية, حيث التقينا والده بعد عملية البتر الثانية.. 

* والد الطفل يقف مستندا  إلى حافة السرير المجاور لسرير ابنه يتحدث بعينين دامعتين.

المعد: طيب صرت هلق آخد بعض من فواتير المستشفى, شو ساويت فيها ? أنت كيف غطيتهم?

أبو سامر: غطيتهم .. فيه الحمد لله الطيبين كتار.

المعد: طيب الطيبين كتار. في عداد هدول الطيبين, فيه شي أسمه مؤسسة كهرباء ريف دمشق أجت لعندك سألتك تحتاج شيء, حاولت تقدم لك أي نوع من أنواع المساعدة?

أبو سامر: ولا حدا مر علي .

المعد: معنويا  مر حدا, حاول حدا يطمئن على الطفل أو على أوضاعكم?

أبو سامر: ما حدا.

المعد:  أنت بتتوقع أنه كان لازم حدا يمر?

أبو سامر: المفروض يعني ولو سؤال أنه هالولد شو صار فيه!!

المعد:  طيب أنت بلغت المؤسسة انه صار معك حادث?

أبو سامر: ما فضيت لهلق .. قلبي على الولد.

المعد: ما بلغت. حطيت محامي مشان تتابع حقوقك ? بتتوقع أنه محاميك بلغهم مثلا ?

أبو سامر: أنا ما صار لي مبلغه زيادة للمحامي, صار لي يومين قايل له.

المعد: بس هو الحادث صار له 51 يوم?

أبو سامر: 51 يوم ما فضيت لسه ما فضي قلبي أنه روح وبلغ وكذا.

* معد البرنامج في ركن في مشفى أمية.

معد البرنامج (تعليق)

41 - ميخائيل دهبر محامي الطفل سامي, كان ينتظر خروجه من غرفة العمليات بقلق شديد, كمن يترقب حالة ابن أو حفيد ..  

* المحامي يجلس على كرسي أمام سرير الطفل في مشفى أميه, يتحدث .

المعد:  طيب أنت مين بتعتبر خصمك بهذا الموضوع?

المحامي : مؤسسة الكهرباء.

المعد: هو الموضوع الحادث جرى في حديقة بمنطقة جديدة عرطوز في ريف دمشق, يعني يفترض من مؤسسة كهرباء الريف?

المحامي: فيه المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الطاقة الكهربائية, فيه الشركة العامة للكهرباء بمحافظة ريف دمشق, هنن اثنينهم مسؤولين باعتبار المحولة يللي صعق فيها الولد عائدة لهم, وهذه تتطلب عناية خاصة بشكل أنه ما تلحق ضرر بالغير نهائيا, ومسؤوليتهم على الموضوع مسؤولية تقصيرية مفترضة, طالما وقع الحادث, طالما الطفل استطاع أنه يدخل عليها وصعقته الكهرباء فتهمتهم ثابتة 001%.

المعد: حتى لو كان الطفل قام بفتح الباب بنفسه أو قام بإزالة القفل عن الباب?

المحامي : إذا استطاع الطفل اذا استطاع الطفل يفتح الباب, فهم مسؤولين أيضا لأنه المفروض تكون مقفلة بقفل ما يستطيع الرجل الكبير يفكه, فكيف طفل ابن ال 4 سنوات بده يفكه, أي طفل بده يدخل?!

(صوت بكاء الطفل)

المعد:  عندك أولاك?

المحامي: عندي 8 أحفاد وعندي حفيدة.

المعد:  الله يخليهم.

* المحامي يتهدج ويبكي ..

المحامي : عندي أولاد وأحفاد, 8 أحفاد, حفيد من عمره من على بكرة بورجيك . أنا عم ببكي لأنه قالت لي زوجتي خود له هاي اللعبة معك من أحفادي, قلت لها بأيش بده يلعب فيها? إذا  بآخدها بأيش بده يلعب فيها?!

إذا جاهل بيركب على البسكليت وبيصدم واحد بياخدوه على المستشفى بياخد باقة ورد ويبروح بيشق عليه, جاهل, كيف مؤسسة طويلة عريضة لها اسم, لحد هلق ما قالت شو صار معكم! سائق بيصدم واحد بسيارة بيروحوا أهل السائق لعند المريض يطيبوا خاطره.. إيه هلق 31 يوم صار لها ما حدا نهائيا لا من بلدية الجديدة يللي سمحت بحط المولدة بحديقة الاطفال ولا بمؤسسة النقل والتوزيع, ولا من شركة الكهرباء ما حدا زاره بورده, بورده!!

* معد البرنامج يقف أمام مبنى قسم الكهرباء وخلفه جانب من المبنى في لقطة متوسطة أو قريبة.

معد البرنامج (تعليق)

51 -على أية حال ليس من قانون يجبر شخصا  أو مؤسسة على إظهار اللطف والمودة . وليس هناك قانون يمنع موظفا  من التظاهر بالتشدد في اتباع النظام.. ولكن من حق المشاهد أن يكو ن لنفسه الانطباع الذي يشاء!

* الكاميرا تصعد نحو آرمة قسم الطوارئ .

نذهب إلى مكتب الطوارئ في قسم كهرباء عرطوز, ظهيرة أحد الأيام.  

* الكاميرا ترتقي درج المدخل العريض لقسم الطوارئ, وتلتقي في بهو الدخول عاملي طوارئ يتحركان بلهوجة, وعلى رأس كل منهما خوذة واقية صفراء يبدو كأنه وضعها للتو .

المعد:  السلام عليكم . الله يعطيك العافية.

صوت : أهلين أستاذ,  يا أهلا  وسهلا .

المعد:  يعطيكم العافية, أنتم هيك طول ما بتداوموا وأنتم حاطين خوذكم على رأسكم?

الموظف: لأ . أكيد لأ . بس نحن وقت منطلع.

المعد: هلق طالعين على شي ورشة?

الموظف: إن شاء الله .

المعد: لفين رايحين, يعطيكم العافية?

الموظف: على الجديدة.

المعد: على الجديدة يعطيكم العافية, على جديدة عرطوز?

الموظف: ...

المعد:  شو نوع المهمة يللي طالعين عليها?

الموظف: فيه عندنا مهمة شكوى نظامية لمشترك.. بتجينا شكوى مثلا رقم واحد.

المعد:  هلق جاييتكم شكوى?

الموظف: وقت بيدق لنا تلفون واحد مثلا, فيه عندنا شكاوي .

المعد:  وهلق طالعين تصلحوا له ياه?

الموظف: ...

المعد:  شو اسمه المشتكي من فضلك ?

الموظف: من بيت قطيش.

المعد: آه أنتم ولا مرة طلعتوا إلا وكنتم لابسين هي الخوذة?

الموظف: ...

* الكاميرا تدخل غرفة رئيس قسم الطوارئ, حيث يبدو عاملان آخران, ومعها يدخل العاملان الأولان.

المعد: السلام عليكم . كل ما طلعتوا بتكونوا لابسينها لهي الخوذة ?!

الموظف: إجباري..

موظف ثان: .. جديدة عرطوز, آخر شارع الوزير, منزل عربي..

المعد:  شو اسمه هو?

الموظف: عيد عودة.

المعد:  ها ! مو من بيت قطيش معناتها!?

الموظف(بحرج) لأ بيت قطيش.. طلعنا. موجود.

الموظف: ليكن فيه شكاوي, فيه عدة شكاوي منجمعهم.. ومنطلع عليهم طلعة وحدة.

المعد: يعني يللي قلت عنه هلق من بيت قطيش, فين موجود اسمه من فضلك?

الموظف: على راسي. ليكه : عوض قطيش.

المعد:  نعم.

الموظف: هي مكتوب تم إصلاح, وتأمين التيار للمشترك.

* معد البرنامج يقف أمام مكتب الطوارئ في قسم كهرباء عرطوز.

معد البرنامج (تعليق)

61 - بصراحة راودنا أحساس بوجود حالة من التظاهر في عمل قسم الكهرباء هذا, ربما تأثرا بحادثة الطفل سامي. وهي على أية حال ليست حادثة هي نة, من الطبيعي أن تترك آثارها على أسلوب عمل جميع المعنيين.. ولكن كم يدوم هذا التأثر الإيجابي ? وقعت أحداث مؤسفة مماثلة أكثر من مرة, ولم يدم أثر الدرس المستفاد طويلا  ! نعود إلى شحاده الشعبي زميلنا في جريدة تشرين.  

* الصحفي شحادة الشعبي يقف أمام زتراكسس صغير, في تجمع آليات لإحدى بلديات ريف دمشق.

شحادة: فيه حادثة مماثلة وأقرب من هي, حادثة الكسوة . كمان بخزان كهرباء توفي فيه طفل .. حكيت مع مدير شركة الكهرباء, كمان طفل داخل على الخزان!!

المذيع : قديش عمره?

شحادة: ما سألت بالظبط.

المذيع: تقريبا?

شحادة: يعني طفل..

المذيع : عم تقول طفل, يعني حتما أقل من 01 سنوات!

شحادة: أقل بالتأكيد.

المذيع: اقل من 01 سنوات .. نعم كيف دخل على الخزان?

شحادة: من بعد ما له داخل, كمان ملاقيين قفل مكسور!! بقى أنا استغربت! معقول هي الأقفال المكسورة, وهالولد هي عم تجي وتدخل ?! طيب ما عم يصير فيه مثل ما تفضلت ملاحظات من قبل هي العناصر?

المذيع : ايمتى صارت الحادثة تبع الكسوة?

شحادة: من شي سنة مثل ما قالوا, والحكي ذكرته وأجيت على حديقة الكسوة وحادث حديقة التجارة, واخدناهم مثل.. السؤال الأهم : أنه ايمتى بتنتهي هي الحالات هي?!

* معد البرنامج يقف أمام مبنى قسم الكهرباء في عرطوز, وفي الخلفية يبدو المبنى.   

معد البرنامج (تعليق)

71 - سؤال آخر هام: من هي الجهة المعنية بوضع نهاية للظروف التي تجعل مثل هذه الحالات تتكرر? دعونا نتابع الطريقة التي تصرفت بها إدارة الجهة المعنية منذ وقوع الحادث, لتشخيص ظروف وأسلوب عمل المشتغلين فيها.. مدير قسم كهرباء عرطوز ومسؤول الأمن الصناعي لديه..

* لقطة عامة من الخارج لقسم كهرباء عرطوز ..

* المهندس بسام ترجمان مدير قسم كهرباء عرطوز يجلس خلف طاولته, يدخن. وعلى كرسي أمام طاولته يجلس مسؤول الأمن الصناعي في القسم.

المعد:  نزلت وعاينت المركز?

م. بسام: عم بقول لك.

المعد: شو شفت بالمركز من فضلك? شفت فيه قفل معلق بالخطاف ولا  ما شفت?

م. بسام: طبعا  شفت.

المعد: وكان مكسور, ولا  كان معلق تعليق سليم?

م. بسام: بالنسبة للأسئلة.. نحن ما نزلنا قبل الحدث على المركز, نحن بعد ما صار الحادث نزلنا عليه فكانوا مغيرين القفل, مو معقول يتركوا.

المعد:  مين يللي غي ر القفل?

م.بسام: المناوبين في مكتب الطوارئ لما خبروا عن الموضوع نزلوا ووجدوا أنه فعلا فيه قفل مكسور .

المعد:  جابوا لك القفل المكسور ?

م. بسام: لكان مع رئيس مكتب الطوارئ.

يوسف: أخذه الصحفي . صو ره الصحفي يللي أجا مباشرة.

المعد:  نعم.

م. بسام: صو ره وجدنا القفل معه.

المعد:  فين كان القفل الموجود مكسور?

م. بسام: موجود في مكتب الطوارئ.

المعد:  بقصد فين شافه الصحفي ? شافه على الأرض مثلا شافه داخل الغرفة?

م. بسام: هو كان مزتوت حسب افادة الناس يللي كانت موجودة في المناوبة, القفل هو مزتوت جوات المركز.. جوا المركز ملحوش.. فجابوه ما رح يتركوه بيجيبوه على مكتب الطوارئ وبيقولوا أعطونا قفل بداله .. معقول نتركه لحتى يجي حدا يحقق بالموضوع?

* معد البرنامج يجلس على المصطبه أمام غرفة المحولة الكهربائية ممسكا  بيده القفل المكسور .

معد البرنامج (تعليق)

81 - وجد القفل مكسورا  ومرميا  على أرض الغرفة, وهو دليل الإثبات المادي الرئيس على حدوث اعتداء على غرفة المحولة الكهربائية. مع ذلك لم يتركه عمال الطوارئ مكانه لأجل إجراءات التحقيق, كما يفعل أي مواطن عادي يدخل بيته ويجد آثار سرقة.. ألا يدع كل شيء مكانه ويستدعي الشرطة..

* أنسرت (لقطة مضافة) .. لقطة للطفل مقطوع الذراعين, على سرير العمليات, ينشج بألم ..

معد البرنامج يجلس على المصطبه أمام غرفة المحولة الكهربائية ممسكا  بيده القفل المكسور.

(ص.خ.ك) (مع المؤثر) فكيف وقد ترتب على هذا الانتهاك أذي ة جسدية باهظة ودائمة لطفل في الخامسة? أم أن انتهاك غرفة محولة كهربائية للتوتر المتوسط أقل شأنا  من انتهاك حرمة بيت عادي?!

نذك ر مرة ثانية بما قاله حول موضوع القفل شحاده الشعبي المحرر في جريدة تشرين, في مطلع شهادته على الموضوع..

شحادة: يللي شفناه من بعد ما نزلنا من القسم ونحن جايين, عم بيقول لي رئيس مكتب الطوارئ أنه أخي نحن هذا القفل مكسور لقيناه داخل الخزان.

المذيع : أنت ما شفت القفل في الأرض?

شحادة: ما شفته, نعم.

المذيع : أخذته من يد...?

شحادة: فاتوا على الخزان ولقيوه, حسب ما روي لي, مرمي داخل الخزان.

المذيع : بس أنت ما شفت القفل داخل الخزان?

شحادة: لأ. لأ.. ما شفته.

المذيع : هو أعطاك ياه مشان تصوره?

شحادة: ايه أعطاني ياه وصورته أنا..

* معد البرنامج يقف أمام الأبواب الثلاثة لغرفة المحولة في الحديقة.

معد البرنامج (تعليق)

91 - بغض النظر عن صدق ما قيل حول القفل وغيره من عناصر الحادث, أو مسؤولية هذا وذاك فيه.. كان من الجوهري اتباع أسلوب نزيه خال من الدعاية وأساليب التأثير المسبق, في معاينة الوقائع وتحري الأسباب.. دعونا نتحرى منها ما نستطيع, رغم تغيير معظم المعالم.  

* عمال الطوارئ في غرفة إدارة مكتب الطوارئ, وقوفا  بجانب الطاولة أمام الجدار حيث علقت تعليمات.. أحدهم يتحدث.

* ي خر ج العامل من درج الطاولة نسخة من قفل موح  د المفتاح, يحمل كل عامل نسخة منه.

المعد: طيب بعض المواطنين قالوا أنه أنتم وقت بتروحوا بتعملوا الصيانة أحيانا  بكون المفتاح مو معكم, أو بيكون مع زملائكم بمناوبة تانية, بتقوموا أنتم بتضطروا تكسروا القفل مشان..

الموظف: لأ.. عفوا  ما فيه موظف عندنا إلا ومعه مفتاح, كل واحد معه مفتاحه.

المعد:  نعم.

الموظف: كل واحد معه مفتاحه, اما يوميتها هذا القفل كان موجود يعني, بيصير مثلا من مواطنين خالعين.. يعني شلون بتصير الأمور ما حدا بيعرف! مخلوع خلع وإلا نحن كل القفولة بأي مركز وبأي محل موجودة.

المعد:  طيب أنتم عندكم شي زيارات دورية لهي المراكز الخطرة بحيث أنكم تتحققوا من وجود الأقفال والبواب مسكرة?

الموظف: ....

المعد:  كل قديش بتزوروها?

الموظف: هي عندنا هون برنامج, كل عنصر.

المعد: هذا كشف دوري, وإلا فقط بحال طلبتوا ? كل شهر بتعملوا جولة واحدة?

الموظف: جولة واحدة مظبوط على المراكز كلها.

المعد:  باب مكسور قفل مكسور بتغيروه?

الموظف: ....

المعد: مرة واحدة بالشهر?

الموظف: مرة وحدة.

المعد:  طيب بين الزيارة والزيارة إذا كان تعرضت هي الغرفة, أو قفل هي الغرفة تعرض للكسر, ما بتدروا فيه انتم إلا إذا حدا بلغكم?

الموظف: هي بالنسبة للكسر هذا أستاذنا هلق نحن منروح كل شهر, هذا منطل ع على القفولة ما فيه مركز إلا ما منطل عليه بشكل يومي تقريبا , او أكثر شوي أما هو إدارة المركز يللي صار عليه الحادثة بيقول عليه أنه هذا وضعه مستقر . يعني ما عليه إشكالات, لا عليه مثلا أعطال كتير, عرفت شلون, فبيضل وضعه مستقر .

المعد:  نعم , كل قديش بتكشفوا عليه كنتم ?

الموظف: والله فيه عالم .. بيطلعوا عليه, نحن بالنسبة قلت لك..

المعد: طيب نحن  شفنا لوحات يللي بتحذر من الخطر, خطر الموت, شفناها معلقة على الأبواب لاحقا , يعني معلقة بطريقة تلحيقة, كلها مركبة بدون براغي, معلقة بأسلاك هيك بطريقة الخطاف, وواضح انه ملزقة بعد ما صارت الحادثة, صح ولا  لأ?

الموظف: نحن بالنسبة إلنا قلت لك كل عنصرين مستلمين عدة مراكز, نحن .. حاطين قبل ما تصير الحادثة, يعني..

المعد: متأكد أنه هدول اللوحات محطوطين قبل ما تصير الحادثة?

الموظف: قبل الحادثة من زمان محطوطين هدول اللوحات, لأنه مثل ما قلت لك كل عنصرين مستلمين عدة مراكز, مندور عليهم وإذا ناقصين وحدة من هدولة يعني هلق بيجوز يجي واحد يشيلها, نحن منثبتهم, إذا فيه مجال للتثبيت منثبتهم.

المعد:  يوم يللي صارت الحادثة برأيك كانوا اللوحات محطوطين موجودين بمكانهم?

الموظف: كانوا محطوطين.

المعد: متأكد?

الموظف:  لكان متأكد, لأنه عندنا عناصر كل شهر

بتعمل .

المعد: طيب أيمتى آخر مرة زرت هي الحديقة, أنت زرت هذا المركز بهالحديقة?

الموظف: بيجوز بشهر وبيجوز بسنة ما نفوت على هالمركز.

المعد: لأ عم بسألك عن شيء محدد من فضلك, أنت حضرتك شخصيا , الاسم بالخير?

الموظف: خالد الأحمد.

المعد: يا سيد خالد أنت آخر مرة رحت فيها على هاي الحديقة وزرت هذا المركز بالظبط أيمتى كانت?

الموظف: أنا إلي فترة..

المعد:  تقريبا ?

الموظف: تقريبا  صار لي شي سبع اشهر ثمان أشهر ما فتت له.

المعد: ما فتت له أبدا ? طيب شو عرفك أنه كانت اللوحات محطوطة فعلا ?

الموظف: لأنه أكيد عناصرنا بيطلعوا وما فيه مركز .. شوف أي مركز موجود .. عدة مراكز..

المعد:  أنت قلت معلومة محددة.

الموظف: عدة مراكز عندنا بالجديدة حاطط عليهم أنا من سبعة أشهر.

المعد:  نعم. وراحوا وما راحوا ? اختفوا, بقيوا بمحلهم? طيب حضرتك عم تقول أنه هدول كانوا موجودين وقت يللي صارت الحادثة, موجودين قبل ما تصير الحادثة, من وين أجاك هذا التأكد ?

الموظف: لأقول لك شغلة, هلق بالنسبة إلنا نحن الأولاد بيقيموهم . بس يكون محطوطين فيه شباب بيقيموهم, أما هنن مثبتين تمام .

المعد:  مثبتين ببراغي ولا  بخطافات?

الموظف: يعني بيجوز هيك وبيجوز هيك, حسب بقى.

المعد:  نعم نعم, هدول يللي بهالحديقة مثبتين ? كيف بتعرف ?

الموظف (باضطراب) والله أنا.. مثبت. يعني شلون بشكل مو موجود هلق عالأبواب يعني, فيه ابواب عندنا بيتثبتوا, قلت لك ياها وفيه أبواب...

المعد:  نعم, بس أنت مو متأكد من هي المعلومات?

الموظف: لأ.

* معد البرنامج واقف في ركن من الحديقة ..

معد البرنامج

02 - نرجع إلى شاهد العيان الرئيسي على حالة الغرفة فور وقوع الحادث . الشاب نور منقذ الطفل سامي الفصيح.

* الشاب نور الذي أنقذ الطفل يقف أمام غرفة المحولة الكهربائية التي وقعت فيها الحادثة.

نور: ... حتى هي اللافتات الموجودة هي كلها ما كانت موجودة هي.. بعد بساعة كلها تركبت..

المعد:  ها ! هذا المنظر يللي نحن شايفينه كان مو هيك?

نور: ما كان هيك.

المعد:  هذا ترتب بعد الحادثة?

نور: هلق إذا بفرجيك كان فيه ثلاث أبواب هونة ما فيهم لافتات, هدول تبع خطر الموت وممنوع الاقتراب, تعلقوا بعد بساعة  تقريبا تعلقوا..

المعد:  ما كانوا موجودين?

نور: ما كانوا موجودين بالمرة.. ما كانوا موجودين نهائيا ..

المعد: أنت متأكد من هي المعلومة?

نور: متأكد من هي المعلومة..

* أنسرت.. لقطة داخل ميكرو باص.. معد البرنامج يجلس بجانب سائق الميكرو. وفي المقعد خلفه يجلس مدير قسم الكهرباء ومسؤول الأمن الصناعي.

معد البرنامج (تعليق)

12- (ص.خ.ك) ونرجع إلى موضوع تغيير المعالم والتظاهر بحال أفضل مع مدير قسم كهرباء عرطوز, ورئيس مكتب الطوارئ ومسؤول الأمن الصناعي فيه, الذين نزلوا من مكاتبهم مشكورين, كي يصحبوا كاميرا ؛ملفات حار ة« إلى ميدان الأحداث.. بدأ الحوار في السيارة, وكانت التهمة والمتهم عند مدير القسم جاهزين!

* اللقطة الحية من داخل الميكرو باص .. معد البرنامج يجلس بجانب سائق الميكرو . وفي المقعد خلفه يجلس مدير قسم الكهرباء ومسؤول الأمن الصناعي.

م. بسام: هي حالة عدم الوعي عند معظم المراهقين ممكن تسبب لنا مشاكل.

المعد:  طيب ليش نحن دائما منتسرع باتهام المراهقين, مع انه نحن عم نحكي عن شريحة كاملة من المجتمع وما عن شخص محدد ولا عن فئة محددة في حارة معينة? يعني ليش دائما المراهقين هم دائما في هي المسائل, هنن موضع الاتهام?! 

* أمام باب غرفة المحولة, التي جرت فيها الحادثة.

المعد:  قبل ما نفتح الباب من فضلك, اسمح لي اسألك سؤال تاني, نحن كل الوقت كنا عم نناقش قضية كسر قفل جوزة, بينما نحن منشوف وقت يللي عهدتوا هذه الغرفة, الحديقة عمرها من عام 8991, يعني ليس من زمن بعيد, معناتها هذا المركز لم يمض أكثر من 5 - 6 سنوات على بنائه.. و يوم ولى  المتعهد تقاضى منكم ثمن قفل أساسي موجود في الباب وهذا القفل لا يمكن أن يكسر .. يعني حتى إذا توفر من فضلك مراهق, قام هذا المراهق بالاعتداء على هذا القفل بالقارص هو لا يستطيع أن يعتدي على هذا القفل, هذا بيحتاج إلى قوة أكبر إلى ادوات أخرى .. ليش أنتم ما قافلين المركز أو بتقفلوا مراكزكم أيضا  بهذا القفل بالإضافة إلى قفل الجوزة?

م. بسام: هي يا سيدي بكل مركز تحويل لما بيتعهد.. أولا هذا المركز عمره أكثر من هيك  بكتير.. ويمكن العودة للوثائق من قبل الجنينة هذا كان. ثانيا  موضوع القفل, المتعهد يضع قفل مؤقت.. لا يمكن أنا عندي 15 مركز تحويل وكل مركز تحويل له أربعة أبواب يكون لها قفل مختلف .. يكون موجود بمكتب الطوارئ على طول الشركة قفل موحد لحتى يتوفر المفتاح وما يضطر.

المعد:  هو هذا هو القفل الموحد?

الموظف: هذا هو.

المعد: طيب لماذا لم تقم الشركة أيضا  باختيار أقفال أساسية موحدة?

الموظف: من هذا?

المعد: نعم كما في الفنادق .. أي فندق يوجد, كل أبوابه لديها مفتاح يسمى زالماستر كيس المفتاح الأم, يللي بيقوم بواسطته أي واحد في الفندق بفتح جميع الغرف?

م. بسام: هذا موضوع يخص الشركة والمعنيين في مديرية..

يوسف: إنشاء المشاريع والمرافق هنن المعنيين بالأمر.

المعد: يعني فينا نعتبر حادثة الطفل درس يفيدنا أنه نحن نحسن شوي إجراءاتنا أو نفكر مثلا على الأقل بأنه نحسن حالة الأقفال والمحولات ?

م.بسام: بالتأكيد .

المعد:  .. منفتحها من فضلك, منشوف جوا كيف الوضع?

يوسف: لاحظ كيف قبل ما تفتحها كيف فيه صعوبة بفتح الباب.

المعد:  يعني شو بتقصد بالملاحظة من فضلك?

يوسف: الطفل لن يستيطع بالطبع حتى بدون قفل.

المعد: هو الطفل والأطفال يللي دخلوا مع الطفل قالوا أنه الباب كان مفتوح على الآخر, على مصراعيه, هيك كان مفتوح الباب وقت يللي دخل الطفل .

يوسف: هل يعقل أنه عامل من مكتب طوارئ يترك باب مفتوح بهي الطريقة لا يمكن.

المعد: لا يمكن?

م. بسام: ما أظن .. ظني أنه ما معقول.

المعد: طيب هلق إذا كنت حضرتك أنت وأي طفل بهالحديقة عمره 5-6 سنوات, أنت ملتهي مع صديقك بالحديث هونيك والطفل يللي معك احتاج أنه يدخل على المرحاض, ولا يوجد في هذه الحديقة أبدا  أي غرفة مراحيض, وهذا الباب مفتوح وهيك شكل الغرفة, ممكن تخدعه للطفل وتوحي له أنه هو داخل على غرفة مراحيض عامة ولا   لأ? يعني كم لازم يمشي الطفل لحتى يكتشف انه هو غلطان, وخاصة أنه تقطيعاتها تشبه تقطيعات المراحيض.. غرف صغيرة متتالية?

م. بسام: الطفل بالتأكيد ما حيميز, إلا حتى يتأكد .. بده يدخل هذا أكيد.

* يدخل المعد غرفة المحولة التي جرت فيها الحادثة, يلحق به مسؤول الأمن الصناعي فمدير القسم, ويستمر الحوار داخل المحولة .

المعد:  إذن الطفل دخل لجوا .. أنت برأيك الطفل فين تكهرب, إذا بدنا هلق نفوت ونقول بشو مسك الطفل لحتى تكهرب? طبعا نحن كنا بدنا نجيب الطفل ولكن خايفين على حالته النفسية, لأنه على الأرجح ما رح يقدر يواجه الموقف لحتى يفيدنا . أنتم برأيكم فين مسك الطفل حتى تكهرب?

يوسف: شغلة أستاذي الكريم الاحتمال الأرجح.. الاحتمال الأرجح كونه الضربة صارت بأطرافه فالتيار الكهربائي بشكل عام كنظرية علمية بيدخل من طرف ويخرج من طرف تاني. من مكان آخر, فعلى الأغلب الاحتمال الأكبر كونه . موجودين بهاي المكان هذا احتمال يكون مسك بأحد.. الجسم الأرضي ومسك أحد.. فدخلت الكهرباء من الطرف الأول وخرجت من الطرف الثاني.

المعد:  يعني مسك بهذا الباب?

يوسف: واحد أما هذه أو هذا أو هذا..

المعد: هل من الطبيعي حتى لو أبواب, حتى بالنسبة لأمان عمالكم انه.. 

م. بسام: لأ . هي معرضة..

م. بسام: هذا معرض على الأرض .. وماسك يد الباب ومادد شي شريطة على..

المعد:  هو مد الشريط ?!

م. بسام: كيف بدك تفسر دخلت من أيد وخرجت من ايد, هذا أمر فني بحت, بيعرفوه الاخصائيين, كيف المفروض كانت تنزل من رجله كيف أجت من أيد لأيد ? أنا عم بفسر لك هي الحالة.. 

المعد: نعم يعني أنت عم تحط فرضية جديدة هلق أنه الطفل مسك سلك بأيده, مسك هي ودخل السلك و..

م. بسام: يا صديقي.

المعد:  عفوا مشان نفهم على حضرتك بس مو أكثر..

* الحديث يجري بصورة شرح على الواقع أمام الحواجز الشبكية للغرفة, حيث رتبت الأوضاع الآن.

م. بسام: صاحب الاختصاص كيف يفسر فنيا , المفترض أنه وقت يللي أيد وحدة رح تنزل الكهرباء على الأرض عن طريق القدم, مو عن طريق أيده التانية..

المعد:  نعم.

يوسف: هو عم يفسر لأنه دائما الكهرباء بتاخد أقرب طريق في جسمه, فلا بد من أنه يكون حاطط إيده على شيء معدن, ومادد إيده الثانية..

المعد: لفين مادد الأيد التانية?

الموظف: على الباب.

المعد: على أي باب? مو على الباب..

الموظف: لأ . لأ .

المعد: هذا بينفتح بسهولة?

الموظف: لأ. فيه تتوتر 02 كيلو.

المعد: طيب بس سؤالي, نعم سؤالي من فضلك هل يستطيع الطفل أن يرفع هذا الباب ويدخل لجوا لهونيك لحتى يمسك هداك?

يوسف: هذا أستاذي الكريم هذا الباب هذا من مسافة 02 سنتي بيسحبك, هذا المسافة هون عشرين لعشرين سنتي بتغطي 02 ألف هذا, فممكن..

المعد: بيسحب حتى العامل?

يوسف: حي الله واحد.

المعد: طيب قديش المسافة?

يوسف: فيه أكثر من أربعين سنتي.

المعد: أربعين سنتي?

يوسف: نعم.

مذيع: يعني برأيك كان هذا ممك, تروح لحتى الطفل دخل لجوا ومسك هونيك?

يوسف: هلق طفل فات لهون عم يلعب ممكن مد ايده لهون..

المعد:  آه هلق كل الفرضيات..

يوسف: لأ هي حقيقة ما فيه تحليل غير هيك.

المعد:  شو التحليل?

يوسف: ماسك بأحد, بالجسم هذا بالمقبض هذا .. سلك أرضي حاطط أيده..

المعد: اسمح لي ألفت نظر حضرتك لهي النقطة .. لاحظ أنه هذا السلك يللي مربوط فيه هذا الباب هو من نفس السلك يللي معلقة فيه برا اللوحات يللي مضافة وفق إحدى الفرضيات مضافة بعد الحادثة.  

يوسف: استاذي الكريم نحن عندنا .. متوسط هون فنحن عندنا كل ما انضربت المنصهرات  منشيل هذا الباب منفكه ومنزله على الأرض, ومنرجع منبدل المنصهرات ومنبدل الشريط.

المعد: وبتسكروه بهي الطريقة العويصة كل ما بده يجي يركبه العامل للباب ويركبه بده بينسة ويفك هي ويفك هي ويدخل.. أرجو من الكاميرا تساعدنا كمان لاحظ أنه هذا مركب للمرة الأولى ما محلول ومعاد تركيبه مرة تانية..

يوسف: أستاذي الكريم هذا المنيوم.

م.بسام: هذا استعماله دائم .

المعد: نعم صحيح بس أنتم ما معلقين فيه ولا باب إلا هذا الباب!

يوسف: هذا طلع أوسع من الأساسي لذلك ما بيدخل محل هذا. هذا داخل بمحله بمقره الأساسي, بمقره له هونة عبارة عن شنكل محله, بينما هذا الباب أوسع فنحن منضطر أنه نربطه بسلك ألمنيوم لأنه الالمنيوم ما بيصدي.. بعدين الالمنيوم هذا استاذي الكريم نحن مجرد حليناه اول مرة منرجع منعيد تاني مرة منفكه ونرجع ننزله بيقرف كله بالكامل, فمنرجع نحن منجدده بسلك جديد .. بسلك جديد.

المعد:  نعم نعم صحيح.

يوسف: كل الأبواب سوا كل الأبواب نفس القياس ما عدا هذا جاية أوسع شوي.

المعد: نعم ولذلك أنتم بتركبوا له هي.. سؤالي الأخير لحضرتك أنت باعتبارك أنت مسؤول الأمن الصناعي بتقبل احتمال انه يوم يللي دخل الطفل من الأطفال الثلاثة انه هذا كان مفتوح?

يوسف: لأ. بجزم جزم قاطع . لأنه هذا فيه دوريات كل فترة والتانية أنه عم تجي فيه عندنا كشف دوري كل شهر على مراكز التحويل, بعدين وقت يللي دخلوا قبل بيوم .. لهون على المركز أجو لهون بدلوا المنصهرات والباب مثل ما هو بشهادة العمال يللي أجو لهونة بدلوا المنصهرات .. الطفل, الباب كان راكب.

المعد:  ما ممكن يكون العمال بسبب شعورهم بالذنب اتفقوا بين بعضهم البعض على إنكار الحقيقة?

يوسف: نحن الباب مثل ما شايف أستاذي الكريم بعد كل عملية صيانة أو.. منرج ع الباب لمحله ومكانه وبسبب ربط هذا الباب هو عبارة عن انه ما بيركب بمحله ولذلك نحن منربطه بهذا السلك لزيادة الأمان.

المعد:  هذا المركز قديش عمره من فضلك, قلت لي شي عشر سنين?

يوسف: والله بدك تسأل الأستاذ غسان.

م. بسام: 51 سنة?

المعد: 51 سنة, هل هذا الباب كان في أي يوم من الأيام على قد الفتحة من الأساس ولا  ما كان على قد الفتحة?

يوسف: أستاذي الكريم مثل ما لك شايف نحن عندنا هون حواجز فأحيانا هذا المتعهد, الخطأ تصميمي يللي صممه, هذا جاي الباب أوسع من حجمه.

المعد:  يعني بمعنى ما انه ممكن زميلك يللي استلم من المتعهد يوم استلم هذا المركز استلم خطأ?!

يوسف: طبعا .

المعد:  كان لازم ما يستلم هذا الباب, وانه هذا الباب بيعانوا منه عمالكم من البداية?

يوسف: نعم . نعم .

المعد: لأنه هو باب غير نظامي وواسع بيضطروا انهم يعلقوه بأسلاك من هذا النوع .. مرة تانية بدي أسأل حضرتك سؤال: ممكن لأنه هذا الباب غير نظامي كان زملاؤك بالأساس ما حاطين له, لأنه مضطرين ما كل مرة يشيلوه ويحطوه, ويحطوا له سلك وكذا..?

يوسف: بجزم بشكل قاطع, وعاملنا ما بيطلع من محله من المركز إلا ما يكون متأكد..

المعد:  تجزم جزم قاطع مع أنك ما كنت موجود?

يوسف: أنا دوريات بشكل مستمر على المراكز.

المعد: آخر مرة قمت فيها بدورية على هذا المركز بعد ما قاموا عمالك بالصيانة ايمتى من فضلك?

يوسف: ب 91/01.

أبو زياد: 71/01.

المعد: قبل الحادث بقديش?

يوسف: شهرين ونصف.

المعد: بعدها ما أجيت ولا مرة ? ممكن كان يكون خلال الشهرين ونص أسيء استخدامه?

يوسف: ما حدا فات على المركز.. آخر 71/01 .

المعد:  هيك بالدفاتر ? حضرتك..

يوسف: نعم.

المعد: يعني برأيك ما حدا دخل على هذا المركز بعد 71 /01 إلا الطفل ومن قد ربما سبق الطفل وفتح المركز?

يوسف: نعم.

* معد البرنامج يقف أمام باب غرفة المحولة.

معد البرنامج (تعليق)

22 - نعود مجددا  إلى السؤال الجوهري : من فتح باب غرفة المحولة الكهربائية في حديقة الجديدة, وقبلها في غرفة المحولة في الكسوة?

* الصحفي شحادة الشعبي يقف أمام ؛تراكس« صغير, في تجمع آليات لإحدى بلديات ريف دمشق.

المذيع: طيب نحن السر تبعنا دائما عم يكون, سر  الشر  اذا صح التعبير, هو الباب المفتوح . يعني لو لم يكن الباب مفتوحا ما دخل الطفل, لأنه طفل مثل هي الأطفال اللي عم تتأذى ما بتستطيع, ما بيستطيع أنه يكسر هذا القفل وعلى هذا النحو .. معناتها فيه مين عم يكسر هذا القفل .. أنت إذا أردت الآن بشكل نهائي, يعني استنتاج ختامي من فضلك, تشوف مين الأقرب منطقيا ليكون هو يللي قام بفعل كسر القفل مين بده يكون?

شحادة: حتى ما أظلم..

المذيع : نعم.

شحادة: ما بعرف.

المذيع : ما بتعرف?

شحادة: لأنه ما عندي دليل قطعي يعني يقول أنه فلان أو جهة..

المذيع : نعم.

شحادة: لأنه وقت يللي بدي اقول أنا مثلا عامل الطوارئ بده يكون فيه عندي دليل . الدليل ينتفي مع وجود المفتاح..

المذيع : الموحد لجميع العمال . نعم.

شحادة: بدي أقول احد المراهقين مثل ما قالوا .. كمان ما بعرف .

 

* معد البرنامج يقف أمام باب الغرفة.

معد البرنامج

32 - إذا لم يكن المذنب شخصا  محددا , قابلا  للتسمية والمحاسبة على ذنبه المعين.. فما يكون?

* الصحفي شحادة الشعبي يقف أمام زتراكسس صغير, في تجمع آليات لإحدى بلديات ريف دمشق.

المذيع : نعم بس مرة تانية خلينا نتذاكر أنا وياك حول مسألة القدرة على الخلع .. هل يستطيع ولد أنه يخلع هذا, حتى لو كان عمره 51 سنة?

شحادة: لأ . بد ه ..

المذيع : أو 02 سنة حتى?

شحادة: بد ه..

المذيع: بد ه مخل, بد ه قوة كبيرة لحتى يخلعه . بقي أسألك سؤال تاني: أنت لاحظت انه على كل هي الأبواب فيه قفل آخر, لكل باب قفل أصلي موجود بأساس باب الحديد, وأنه لو كان هذا القفل مفع ل ومستخدم, حتى كسر هذا كان ما بيساعد على فتح الباب?

شحادة: بالتأكيد. انا فيي أستاذ ابراهيم, لسه فيه سؤال أهم: في الكسوة انخلع القفل ومات طفل ! طيب بهالجديدة كمان انخلع, ما كان يللي خلعه كسره .. طيب ليش أنا كشركة كهرباء كوزارة كهرباء ما بفكر بطريقة أخرى للحفاظ على خزان الكهرباء? يعني أنا ممكن ساوي قفل مخفي, القفل المخفي يللي بيفوت فيه المفتاح. ما حدا قادر يفتحه من هي الناس هدول .. ليش ما بحط قفل آخر?  ليش ما بعزل خزان الكهرباء وخاصة الموجود بالحدائق ويللي هو مرات كتير عم يسبب هالإشكالات هاي ? يلاقوا طريقة للعزل, يعني.

المذيع: وهذا ممكن برأيك ? وليش ما صار برأيك بالرغم من تعدد الحوادث? استنتاجك انت كصحفي صاحب خبرة?

شحادة: تقصير . تقصير وإهمال . يعني نحن المشكلة ما عم نتعلم إلا...

المذيع: هو تقصير العمال ولا  تقصير الإدارة ?

شحادة: لأ, تقصير الإدارة . وربما يكون التقصير مزدوج .

* لقطة عامة جدا  ..  في مقدمة الكادر, من الجانب, أم الطفل تجلس على مقعد في الحديقة . الحديقة حولها خالية, والسماء فوقها ملئ بغيوم داكنة.

أم الطفل

المعد: أختي أم سامر, يوم اللي صارت الحادثة, كنت قاعدة هون على هذا المقعد?

أم سامر: إيه على هاد المقعد.

المعد: والأولاد عم يلعبوا حواليكن?

أم سامر: عم يلعبوا, ابني وأولاد عمه.

المعد: الخزان اللي أنا شايفه, اللي صار فيه الحادث, بعيد من هون!

أم سامر: إيه!

المعد: معناتها الأولاد لعبوا أيضا  بعيد عنكن?!

أم سامر: إيه.

المعد: طيب وقت حضرتك بتجي على الحديقة بتاخدي في الاعتبار أنت , أنه لا سمح الله, يمكن يصيب الولد حادث في الحديقة?

أم سامر: لا. لأنه هي حديقة أطفال, معقول يكون فيها هيك شي يعني ?! مو معقولة . الحديقة خلقها الله للأطفال.

* لقطة لأم الطفل تجلس على مقعد في الحديقة . تلتفت أم سامر نحو الكاميرا وتجيب على الأسئلة.

المعد: أختي أم سامر, نحن ببرنامج ؛ملفات حارة« مرة طالعنا حلقة حول طفل أصيب أيضا  بالكهرباء في حديقة عامة.. هي الحلقة شفتيها أنت ?

أم سامر: شفتها.

المعد: طيب ما صار عندك إحساس بأنه وقت بتروحي على الحديقة مع طفلك, لازم تكوني منتبهة أكثر ?

أم سامر: صار عندي إحساس . بس المفروض هنن شركة الكهربا ياخدوا حذرهم . شافوا هالشي على التلفزيون, هنن اللي لازم يأثر فيهم هذا الحادث . وهنن اللي يصير عندهم خبر إنه ما يخلوا هيك شي بالحديقة !!

* والد الطفل يقف مستندا  إلى حافة السرير المجاور لسرير ابنه يتحدث بعينين دامعتين.

المعد:  قديش دخلك الشهري تقريبا?

أبو سامر: ما محدود يعني ما فيه حدود ما .

المعد: يعني خلينا نقول بشريحة ال- 05 ألف بالشهر, عشرين ألف بالشهر, عشرة ألاف?

أبو سامر: تقريبا  يعني بالعشرين لل- 51.

المعد: 51 - 02 ألف ? طيب عندك مدخرات ?

أبو سامر: مدخرات شو?!

المعد: يعني حاسب حساب الأيام السوداء, الله يبعدها عنك, الواحد ممكن الأيام تورجيه موقف صعب بيكون شايل ه شي 001 - 002 ألف مشان تصرف عليه?

أبو سامر: لا والله ..

المعد:  طيب هلق الحادثة صارت (...) ونحن كلياتنا أمل بأنه إن شاء الله (...) بده يشفى. الآن بس بده يشفى وهو بدون ذراعين, رح تواجه المستقبل مع هذا الولد كيف?

أبو سامر: بعيوني بشيله ( صوت بكاء الطفل)..

المعد:  يعني شو بتعتقد أنك تساوي له مثلا ?

أبو سامر: شو بحسن ساوي له بساوي له, شو فيني الله بيقدرني عليه بساوي له.. (صوت بكاء الطفل)

* معد البرنامج في صالون بيت الأسرة, وفي الخلفية صورة جماعية لأفراد الأسرة إن وجدت.

معد البرنامج

42 - في لحظة الغم هذه, حيث نوافذ الحياة بدت مغلقة, والأيام الآتية تنذر بعسر شديد, التمع في  حياة هذه الأسرة الصغيرة ضوء رحيم, ينير لها طريقا  أوشك يحجبه الضباب, و يعيد أمانا   كاد أن يضيع..

 زار الأسرة في بيتها من يمثل السيد رئيس الجمهورية الدكتور بشار الأسد, حاملا  لطفلها المصاب أمنيات قلبية طيبة, ومساعدة أكيدة على مواجهة أعباء الحياة, فيما سيأتي من الزمان.

أعزائي المشاهدين.. شكرا  لمتابعتكم. نلتقي في الحلقة القادمة إنشاء الله. 

·                    منع بث الحلقة بعد التاريخ المبين بأيام, وبعدها أوقف البرنامج  في21/1/2003

------------------------------------

الصفحة 15 : نيجاتيف

صورة محروقة

المواطن السوري السعيد

(نظرية البدائل المتاحة)

محمد عبد العزيز

 

    يعمل في ثلاث وظائف.. لديه من الأولاد ما يكفي لتشكيل فريق كرة قدم مع حكام الراية والساحة وطاقم الاحتياط ولم لو يكن هناك دورة تشكل الجنين التي تقتضي كل تسعة أشهر بطن لط ح ش العدد على جزء من المنصة الرئيسية!

    يتحاشى منطق التواصل الاجتماعي وتبادل الزيارات من باب التوفير, لا يدق بابه إلا الحكومة ممثلة بجباة الكهرباء والماء ؛والهواء« وشعبة التجنيد وزوار الغجر, في نهاية كل أسبوع قبل الانخراط في معارك مساء الخميس وبعد نشرة الثامنة والنصف وإتمام واجباته الوطنية والعطفية يكرر ثوابته التي سأمها الجميع: امشي من الحيط للحيط وقول يارب السترة ولا تحني رأسك لأحد (إلا لله والحلاق.. وشرطة السير والوزراء والمحافظون والنواب ورؤساء البلديات والحراس الشخصيون وجيران المتنفذين وحاشية المدعومين وأحياء وأموات وأبناء وبنات المسؤولين.

    قليلا  ما يكذب وأكبر أكاذيبه هي هتافاته في المسيرات العفوية وسحارات الانتخابات, يضحك بقرار إداري ويحزن بقرار إداري, مواطن البدائل المقامة: بدل المشوي والمسحب مكعبات ماجي, وشوربة العصاعيص بدلا  من اللحمة, لا ينظر إلى المستقبل خشية إملاق وأن نظر يعود إليه النظر خاسئا  حسيرا  وهو كظيم.

    لا يجد نفسه ميالا  إلى السياسة (طوعيا ) وإن كان في نفسه بعض الهوى.. ينتمي إلى أكثر الأحزاب دفعا  للاشتراكات. لا يحب لا يكره لا يتحدث لا يصمت لا يقف لا يمشي لا ينام لا يستيقظ لا يقرأ لا يأكل لا يجوع لا يساوم لا يتنزل.. يصفق لا يعاني من حصار الدولة والدين والمؤسسات والتقاليد والقوانين والبطالة لا يعرف معنى: واسطة, محسوبية, فساد, رشوة, هدر, رقابة, استثناء, فيش, وبعد المونتاج والمكساج والمكياج يظهر على الشاشة الوطنية ويقول: شكرا  للحكومة.

فلاش باك

    وأنقذني مسؤول فلاحي تعرفت عليه فساعدني في الحصول على عمل في جريدة ؛نضال الفلاحين« وقضيت سبع سنوات من عمري تعلمت خلالها مصطلحا جديدة تتعلق بالعلف والأسمدة الكيماوية والعروة الخريفية للبطاطا والحصان العربي بين التبغيل والتكديش والقمح المكسيكي وهي مانشيتات تتكرر دائما  في هذه الصحيفة.. لكنني أقنعت مسؤول التحرير بتأسيس صفحة ثقافية تعني بقضايا الريف على صعيد أدبي وفني.. وهكذا أصبحت خبيرا  بأنواع العتابا والسويحلي..«.

عن مقالة لخليل صويلح /الدومري/ العدد 1/

   لاحقا  لما ذكر آنفا  نقترح على اتحاد الفلاحين والجهات المعنية ونظرا  لتمتع الأخ خليل صويلح بكل هذه الثقافة الحراجية ودعما  لمسيرة نضالنا الفلاحي دعوته إلى الجلوس في مكان تمثال الفلاح في ساحة المحافظة.

أولا : لأن مكان التمثال ما زال شاغرا .

وثانيا : باعتباره أصبح خبيرا  بالعروة الخريفية وإكثار البذار والري بالتنقيط وزراعة البقدونس ومكافحة فأر الحقل, ويستحق أن يصنع منه تمثالا .

نرجو ألا يذهب الأمر بالأخ صويلح إلى حد أن يظن نفسه يوسف العظمة وينسب إلى نفسه معركة ميسلون كما فعل في كتيب اغتصاب كان وأخواتها.

اعلان

- هل تريد أن تخسر راتبك دون أن تلعب القمار?

- هل تريد أن تحول أهلك إلى متسولين وشحادين?

- هل تريد أن ؛تبقى« عالحديدة وتجرب شعور البقاء عالجنط?

- هل تريد أن تبعد كل قريب... وينخرب بيت أهل اللي خلفوك?

إذا  :

سارع بإقتناء الموبايل السوري..

شبكة 097

طريقك الأمثل.. للافلاس الأفضل.

 

بورصة الأغاني

1 - سمرا وأنا الحاصودي: وزارة الزراعة.

2 - وتدلع ياكايدهم: وزارة المالية.

3 - مالي شغل بالسوق مريت أشوفك: وزارة العمل.

4 - ياظالمني : وزارة العدل.

5 - سو ياسو حبيبي حبسوه: وزارة الداخلية.

6 - صيدلي ياصيدلي: وزارة الصحة.

7 - أنا مش كافر: وزارة الأوقاف.

8 - جدول لا ماء فيه : وزارة الري.

9 - زوروني كل سنة مرة: وزارة الكهرباء.

01 - كذبك حلو: وزارة الإعلام.

والآن صوت على الرقم 11223344 واشترك بفيديو كليب فلسنا وطال المشوار لرئاسة مجلس الوزراء, أداء وتلحين: جوقة الفرح لتحسين الوضع المعيشي عبر الممواويل التراثية.

اعلان

هل تريد أن تعمل خارج مجال اختصاصك?

تعال إلى عالم الغرائب.

تعال إلى عالم التكايا.

تعال إلى التلفزيون العربي السوري.

حيث

مهندس الكهرباء مديرا تلفزيونيا

مهندس الإضاءة مسؤولا اعلاميا

مهندس الميكانيك مشرفا على ثقافة البلد التلفزيونية

بادر بالانتساب... الخبرة غير ضرورية!!

 

 

-----------------------------

الصفحة 16 : أسئلة

أســـــــــرى زيــــــــــزون!

ميشيل كيلو

·                    قريب المسؤولين بريء ولو ثبتت إدانته ، وغيره مدان وإن تأكدت براءته

·                    بأي منطق يحكم المدير العام ستة أشهر ونائبه تســــــعة أعوام ؟.

·                    أي مهندس أو موظف ســـــيعمل بعد مجزرة الأحكام الزيزونية ؟.

·                    كيف تحول خبير المرافيء إلى خبير ســــــــدود بقدرة قادر ؟.

    والآن ، وقد طويت صفحة أخرى من صفحات الغرائب في بلدنا ، لا مفر من طرح أسئلة محيرة على من تولوا التحقيق وإصدار الأحكام القضائية في واقعة انهيار سد زيزيون، منها : لماذا عمل ست سنوات بالتمام والكمال دون أن تقوم الجهة المستثمرة باستلامه رسميا ؟. ولماذا ترك خلال هذه الفترة غير القصيرة لإداراته المختلفة ، التي استثمرته لصالحها ( بيع الماء ) ، ثم امتنعت ساعة الشدة عن فعل أي شيء لوقف انهياره ، مع أنه دام أياما عديدة ؟. لماذا عجزت  اجتماعات تتبع المشاريع الشهرية خلال الأعوام الستة عن إقناع المنفذين والمستثمرين بإكمال المشروع ؟. وما السر وراء استبدال اللجنة القضائية التي شكلت لكشف ملابسات انهيار السد بلجنة أمنية اعتقلت وأوقفت نيفا وخمسين شخصا من بين مئات الذين يعملون فيه أو هم على علاقة معه ، قبل أن تطلق سراح حوالي عشرين واحدا منهم وتحصر التحقيق والتهم بتسعة وثلاثين فنيا ومهندسا وإداريا حبسوا طوال العام الماضي ؟. وكيف يقبل الدكتور آصف شاهين ، أخصائي المرافيء ، رئاسة لجنة تدرس أمرا ليس خبيرا فيه ، بل ولا يعرف عنه شيئا ، مع أنه كان يعرف أن مصير الناس وحريتهم يرتبط برأي لجنته ، التي لم تضم غير خبير سدود واحد ، وهو الذي أمضى سنوات طويلة في السجن ويعرف الحكاية لأنه داق المغراية ؟. ولماذا وقفت وزارة الري ، صاحبة السد والقادرة على دراسة وتحديد ما حدث أكثر من أية جهة أخرى في الدولة ، مكتوفة اليدين كأن الأمر لا يعنيها ، ومثلها فعلت نقابة المهندسين والجامعات ، التي أحجمت باشمئزاز عن الاهتمام بما حدث ، بينما سارعت جامعات لبنانية إلى دراسته وأرسلت بعثات علمية ضمت أساتذة وطلبة إلى موقع الكارثة ؟. ولماذا اكتفت الوزارة بدعم وجهة نظر لجنة شاهين ، التي وضعت تقريرا يعزو الانهيار إلى هبوط في أساس السد ، ويعزو المسؤولية عنه إلى الجهات المصممة والمنفذة والمستثمرة ، مع أن صور الصحف والتلفاز أظهرت سدا ليس في أساسه انهدامات أو حفر ، فتحته العلوية  أعرض ثلاث مرات من فتحته السفلية ، أعاد خبراء كثيرون ، سوريون وعرب وأجانب ، السبب في تداعيه إلى سوء الاستثمار وانعدام الصيانة ، وهو سبب شملته لجنة الداخلية برعايتها في تقريرها الأول ، مما أثار الشكوك في أهليتها ، خاصة  بعد أن  كتبت تقريرين إضافيين لم يتفق أعضاؤها على رأي واحد فيهما ، أعلن صدورهما تراجعهما الفعلي عن موقفهم الأول الموحد ؟. ثم ، لماذا تم إيقاف قرابة أربعين مهندسا طوال عام كامل ، كان بعضهم عند تصميم وبناء السد مهندسا حديث التخرج ، شهدت خبيرتان بلغاريتان استقدمتهما وزارة الري من شركة أغروكومبلكت البلغارية ، التي صممت السد وأشرفت على تنفيذه، أنهم غير مسؤولين عن عيوب التصميم ، في حال كانت هي سبب الانهيار ؟. وكيف نفسر اعتقال مهندسين بينهم وزير سابق لأكثر من عام ، قبل إعلان محكمة الأمن الاقتصادي براءتهم ؟. لمصلحة من دفع هؤلاء هذا الثمن الباهظ من حياتهم وسمعتهم ؟. ولماذا لم يحاكم المعتقلون طلقاء ، هل لأنهم عجزوا عن تسديد كفالة إخلاء السبيل التي عينتها المحكمة لكل واحد منهم ، وقدرها مليار وسبعمائة وستة وسبعون مليون ليرة سورية ؟. وهل كانت المحكمة ذات الأحكام المعروفة بقسوتها كما قالت جريدة تشرين التي لطالما دافعت عنها في الماضي ! - أخلت سبيلهم لو دفعوا هذا المبلغ ،وفي هذه الحالة، لماذا لم تخل سبيلهم مقابل مبالغ يستطيعون دفعها ، إذا كان إخراجهم من السجن بكفالة مقبولا كمبدأ ؟. وهل كان من الصحيح معاملة المعتقلين كمجرمين صمموا السد ونفذوه عن سابق عمد وتقصد بحيث ينهار بعد ستة أعوام ؟. وهل هؤلاء هم من رتب الظروف التي أدت إلى انهياره أو لعبت في أقل تقدير دورا فيه ، كملئه بكميات مياه تفوق كثيرا طاقته التخزينية ، وإغلاق مفيضه وعدم إكساء طبقته العلوية وسد تشققاتها ؟. أخيرا ، هل عرف حقا سبب انهيار السد ،  إذا كان قد عرف ، لماذا سافر وزير الري إلى بلغاريا بعد صدور الأحكام بيوم واحد ، "للاطلاع من الجهة البلغارية المكلفة بإعادة تأهيل السد على التقرير النهائي عن أسباب انهياره ، بعد إنجاز كافة أعمال التحريات والاستكشاف في موقعه " كما كتبت جريدة البعث في عددها رقم 12104 ؟. إذا كانت الأسباب النهائية لم تحدد بعد ، مثلما يقول الخبر ، على أي أساس صدرت الأحكام ، وإذا كانت معروفة ، لماذا قيل إن الوزير لم يكن على علم بها قبل سفره ؟.

    والآن ، وبعد أن صدرت الأحكام يوم 26 حزيران الماضي ، لا مفر من طرح مزيد من الأسئلة ، التي تثير هذه المرة الشكوك وليس الحيرة  :

1-       بأي معيار أعلنت براءة هذا وإدانة ذاك من موظفي الشركة المنفذه ؟ أليست مصادفة جميلة جدا ومقنعة جدا أن أقرباء المسؤولين الكبار فازوا جميعهم بالبراءة الدامغة القاطعة ؟. وأن مديرا وعضو لجنة إنجاز خرج كالشعرة من العجين بحجة أنه حقوقي ؟.إذا كان حقوقيا لماذا تم تعيينه لإدارة مشاريع فنية ، ولماذا بقي فيها نيفا وثلاثة أعوام ، يأمر وينهي ويقبض ؟. هل من المعقول أن يحكم مدير عام حوض العاصي بالسجن ستة أشهر وبغرامة مالية قدرها 400 ألف ليرة، ل" أن إهماله لم يكن مقصودا "، مع أنه صاحب القرار الأساسي في كل ما يتعلق بالسد، بينما حكم معاونه ، الذي لم يكن مكلفا بأي عمل ولم يشاهد السد في حياته ولو مرة واحدة ، بثمانية عشر ضعف هذه المدة ، كما أدين معظم المهندسين الذين كانوا يعملون تحت إمرة حضرة المدير بأحكام أشد كثيرا من حكمه ؟. إذا كان إهماله غير مقصود ، فهل كان إهمال هؤلاء مقصودا ، أي أنهم أهملوا عن سابق عمد وتصميم كي تتحقق نتيجة بعينها لاحقوها دون كلل أو ملل خلال ستة أعوام هي انهيار السد ؟. لماذا لم يلاحظ المدير العام عمل مرؤوسيه المقصود والمتعمد هذا، وكيف يعتبر إهماله غير مقصود إذا كان موظفوه قادرين على التحضير لانهيار طوال ستة أعوام ، وعلى تحقيق الانهيار دون أن يعلم بذلك؟. على أي أساس تم تعيين شخص نبيه كهذا مديرا ؟. إذا كان هؤلاء قد فعلوا هذا كله بقصد جرمي ، لماذا لم تصدر المحكمة ضدهم الأحكام التي يستحقونها ؟. وكيف نفسر براءة مهندس كان رئيسا لجهاز إشراف تأكد طوال أربع سنوات من جودة الأعمال المنفذة ميدانيا ، بينما أدانت مهندسا كان يعمل تحت إشرافه ، ومعه أربعة مدراء مشاريع كانوا تحت إمرته ؟. كيف نفهم الحكم بتسعة أعوام أشغال شاقة على بعض المهندسين ، وتغريم كل واحد منهم  3,7 مليار ليرة سورية ، لمجرد أنهم عملوا مع خبراء أجانب أعدوا الدراسات المائية ، التي كان دورهم فيها ثانويا باعتراف المصممين البلغار أمام المحكمة ، بالنظر إلى حداثة تخرجهم آنذاك ؟. لقد حكمت المحكمة على هؤلاء بجناية عدم تنفيذ المشاريع على الوجه المحدد لها وفق المادة /19/ من قانون العقوبات الاقتصادية ، فكيف اعتبرت أنه توفر لديهم قصد جرمي يبرر التهمة والحكم ، مع أن نص المادة المذكورة يقول إنه إذا كانت الأخطاء المرتكبة ناجمة عن عدم احتراز أو عدم تحقيق الشروط المتبعة عادة ، فإن الحكم يكون الحبس لمدة لا تزيد عن السنة ( لأنه جنحة ) . كيف حددت المحكمة القصد الجرمي لدى هؤلاء ، خاصة وأن دراستهم دققت وصودق عليها من قبل شركة عالمية متخصصة ( هندية ) ، وأن التنفيذ تم تحت إشراف شركات أجنبية ؟. أخيرا ، إذا كان الحكم قد طال مهندسين من الجهات الدارسة والمنفذة والمشرفة والمستثمرة ، فهذا يعني أن هذه الجهات، التي تتفاوت صلاحياتها أشد التفاوت ، مسؤولة جميعها عن انهيار السد، وأن أسباب الانهيار بقيت تخمينية ، لأنه إذا كان السبب الدراسة ، لماذا حكم على العاملين في بقية الاختصاصات وهكذا دواليك . لقد وجه رئيس مجلس القضاء الأعلى بضرورة أن تكون الأحكام مبنية على أدلة لا على الظن ، بينما تدل الأحكام الصادرة بحق كل من له علاقة بالسد على عدم اعتداد محكمة الأمن الاقتصادي بدقة الأدلة ، وإلا لكانت  ميزت بين الأدوار والمهام والمراحل ، ولما أخذت  بمبدأ : القريب من المسؤولين بريء ، والبعيد عنهم مدان حتى تثبت براءته !.

2-        إذا كان البلغار مسؤولين عن انهيار السد ، بسبب نواقص وعيوب الدراسات التي وضعوها له ، كما يقول تقرير الداخلية ، أليس أمرا غريبا أن يتم تكليفهم بوضع التقرير النهائي عن أسباب الانهيار وتدقيق إعادة تأهيل السد من جديد ؟. ألا يضعف التوجه من جديد إلى البلغار استنتاج اللجنة حول أسباب الانهيار ؟. وكيف قبلت لجنة عزت بعض أسباب انهيار السد إلى البلغار تكليفهم بدراسة ترميمه؟. من يضمن أنهم سيعيدون بناءه بطريقة لن تؤدي إلى انهياره بعد أيام أو أعوام ؟.    

     حتى لا يطوى ملف زيزون بهذه الطريقة المفعمة بالغموض ، المليئة بالالتباس ، ولا نضحي بعدد كبير من مهندسي وكوادر البلد ، ولا تتوطد فكرة عدم التساوي أمام القانون ، وتسود ممارسات تنفر العاملين من المسؤولية ، وتؤسس لسياسة خطرة تقوم على مبدأ " لا تعمل كي لا تخطيء وتذهب إلى محكمة الأمن الاقتصادي !" ، من الضروري أن يشمل رئيس الجمهورية هذا الملف برعايته ، وأن يكلف لجانا متخصصة حقا بدراسته ، لإنصاف من أسميتهم " أسرى زيزون "،  الذين أوقعهم سوء طالعهم في ورطة لا يد لكثير منهم فيها ، وتعرضوا لعقاب عشوائي هنا ، انتقائي هناك ، سيقضي على ما بقي من ثقتهم بالعدالة وببلدهم ، وسيدمرهم اجتماعيا ونفسيا ويضع حدا لحياتهم الوظيفية وربما لسمعتهم الشخصية .

    ثم أنه آن لمحكمة الأمن الاقتصادي أن ترتاح من عمل يبدو أنها لا تجيده ،هو مراعاة روح القانون ونصه وإنصاف الناس . إذا كان هناك من يريد أمثلة على صحة ما أقول ، فهناك بحر من الأمثلة يصعب تصديق أن بعضه وقع في زمن تطوير وتحديث وإصلاح يدعو إليه رئيس الجمهورية !.

   يجب أن يكون زيزون وملابساته حدا فاصلا بين طريقتين في العيش والإدارة والسلطة . و عدل متأخر خير من ظلم مقيم !.

----------------------------

الصفحة 17 : أجوبة

 

 زيزون: عندما تحبل الفضيحة لتنجب فضائح

إياد عيسى

·                    رئيس مكتب النقابات القطري يقترح إعتقال 40 مهندسا  للقبض على الجاني الواحد بعد أخذ بصماته.

·                    6 أشهر لمدير عام زيزون, ومعاونه يلبس الكلبشا!!

·                    الأمن الجنائي يفهم بإنشاء السدود, ومهندس مرافق  يرأس الأمن الجنائي.

·                    وزير الري لا علاقة له, فالسد من مشتقات البتروكيميا.

·                    الأحكام بلغت /741/ عاما  والغرامات 47 مليار ليرة سورية, والحبل بلا جر ار.

·                    أفرج عن نصف الموقوفين دون أخذ العلم عن سبب إيقافهم أو أخذ العلم عن سبب إطلاقهم.

 

     يمكن اختصار العقلية التي تابعت وحاكمت وحكمت في كارثة انهيار سد زيزون, وما آلت إليه من نتائج, بتلك الحكمة التي أطلقها السيد عضو القيادة القطرية - رئيس مكتب النقابات - في الاجتماع السنوي لنقابة مهندسي دمشق, ومفادها: (إنه يعتقل أربعين مهندسا  ليصل إلى المهندس الجاني) .

    وبالطبع فإن حكمة السيد عضو القيادة, يمكن الاستهداء بها, وتعميمها على مخافر الشرطة لتتعلم عناصرها كيفية اجتياح حي سكني بنسائه وأطفاله وشيبه وشبابه من أجل القبض على عنق سارق... هذا لو افترضنا و(ما أصعب ذلك) أن نتائج التحقيقات في ملهاة انهيار السد قد وصلت إلى السارق فعلا .

     ما حدث أن الذي حدث أطاح بالأخضر وترك اليابس, وما حصل أن الذي حصل بالضبط هو ؛محاولة بائسة لستر الفضيحة بفضيحة أكبر«. ولأن رؤوسنا أصغر من مناطحة رؤوس تحترف النطح, فلن نطلق أحكاما , ولن نصل إلى استخلاصات, لنكتفي رغما  عنا بوقائع ما جرى, وباجترار الأسئلة الجارية عما جرى, علنا نصل إلى حكمة أخرى, ولكنها بالتأكيد ليست حكمة القبض على نقابة ليفلت المرتكب بما ارتكب!!.

      ها نحن مرة أخرى نجتر ما هو معروف, والمعروف أن انهيار سد زيزون هو ناتج اختلالات فنية وهندسية, وهي ناتجة بدورها عن اختلال بالمسؤولية, وكلاهما تعبير عن اختلال بالمسؤولية, وكلاهما تعبير عن اختلال في آلية عامة للمشروع الاقتصادي في بلادنا, أوضح أو أفضح تعبيراته, أن الشرطة الجنائية التي يفترض أن تكون متخصصة بأخذ البصمات ومطاردة العاهرات طورت أداءها وأدواتها فصارت جهة مخولة بالتحقيق فيما هو (فني) صرف, وانشائي صرف, وهندسي صرف لتلقي باستنتاجاتها أمام المحاكم دون النظر إلى أن التطور المذهل قد دفع برؤوسنا إلى حدود الانفجار.

- الحكاية من النهاية -

    وها هي الحكاية نبدؤها من النهاية, النهاية التي أرادتها محكمة الأمن الاقتصادي عبرة لنا ولكم ولكل عباد الله الذين لا سند لهم في هذا الوطن إلا كرسي الاعتراف في أقبية الأمن الجنائي.

بالحكمة إياها التي أعلنها السيد عضو القيادة أو باشتقاقاتها حكمت المحكمة على مجموع المتهمين بـ 174 سنة سجن فقط لا غير, وجملة غرامات وصلت إلى 47 مليار ليرة سورية.

     وبالحكمة إياها أدانت من أرادت وبرأت من شاءت ولسنا نعترض - ومعاذ الله أن نفعل - مثلا  على ما اتخذته المحكمة بحق المهندس ؛صافي خير بك« مدير عام حوض العاصي حين اتهمته بالاهمال غير المقصود وحكمت عليه بالسجن لمدة ستة أشهر وغرمته ب- ؛004« ألف ليرة سورية مع أننا نعتقد أن المدير العام هو الآمر الناهي, في حين حكمت المحكمة ذاتها على معاونه المهندس الجيولوجي وليد المحمود بالسجن لمدة ثلاث سنوات ونصف إضافة إلى سنة مالية والمصيبة لو صدقت الروايات حول المعاون الذي كان ممنوعا  من ممارسة الصلاحيات فذاق سمها بعد أن فاته عسلها!!.

    ومعاذ الله أن نعترض على منح بركة البراءة للدكتور المهندس عبد القادر رسلان من شركة ريما وهو رئيس جهاز الاشراف المكلف ميدانيا  مع فريق عمله على جودة الأعمال المنفذة على مدار 4 سنوات, لكن من حقنا أن نتساءل ببراءة شبيهة ببراءة السيد رسلان عن إدانة المحكمة لأربعة مديري مشاريع من شركة ؛ريما« المنفذة تتالوا على تنفيذ أعمال السد تحت إشراف د. رسلان ومهندس آخر يعمل في الاشراف تحت أمرته مباشرة.

وكذلك عن المهندس سامي سلوم الذي توظف في حوض العاصي عام 1002 كمدير عام عليه ثلاث سنوات وسنة مالية. والتهمة عدم تنفيذ المشاريع الاقتصادية على الوجه المحدد لها, فأي وجه للتنفيذ الذي سبق أعوامه بحوالي اثني عشر عاما ?!.

       ويبدو أن المديرين العامين محظوظون بدليل حصول (حازم بركات) مدير عام ؛ريما« المنفذة لحظة الانهيار على البراءة وبالمقابل أدين بسام الناصر وهو مهندس ومدير عام سابق بالسجن 4 سنوات وسنة مالية, بينما حصل خيري صالح وهو مدير مالي في (ريما) وعضو لجنة الانجاز على البراءة بامتياز وكأن الانجاز تم على أحسن وجه, وليس بعشرين وجه, واحد يبتسم بالبراءة لمدير سابق لفرع ريما المنفذة عبد الرزاق حمدو وآخر يكشر بأربع سنوات سجن وسنة مالية في وجه مدير آخر للفرع نفسه, وأيضا  سابق وهو مأمون حليشو.

والواقع إن القائمة طويلة كما هي مثيرة, بل غريبة ومن غرائبها إدانة مهندسين كانوا حديثي التخرج حينما اشتغلوا مع الشركة البلغارية التي أعدت دراسة السد ورغم شهادة خبراء الشركة بأن لا علاقة لهؤلاء بأية عيوب في حال وجدت عيوب في التصميم إلا أن المحكمة أدانتهم وفقا  للمادة 91 من قانون العقوبات الاقتصادية وبتهمة عدم تنفيذ المشاريع على الوجه المحدد لها, مع أن المعروف أن الجناية لا تتوافر إلا بوجود ؛قصد جرمي«!!.

- مسارات ودلالات -

      ما سبق ملامح من قائمة طويلة لأحكام قضائية, ربما تحمل دلالات لسنا بصدد إطلاق أية مواقف ؛قيمية« عليها, مذكرين بحقيقة أن بعض المبرئين من أصحاب الظهور المحمية. وبين ما قبل الأحكام وما بعدها من حق الناس أن تعرف ما عرفناه عن حكاية هزت الوجدان وعن مسارات مشت بها تلك الحكاية.

      عقب فاجعة انهيار سد زيزون, وجه السيد رئيس الجمهورية إلى رئيس الحكومة بضرورة تشكيل لجنة لمعرفة أسباب انهيار السد ومساءلة كل من له علاقة أو مسؤولية دون النظر إلى موقعه ووظيفته, وعليه شكلت لجنة قضائية يمكنها الاستعانة بمن تراه مناسبا  من جهات فنية وأمنية واستجواب من ترى استجوابه ضروريا , لكن ما حدث شيء مختلف, فاللجنة تحولت من لجنة قضائية إلى لجنة أمنية يرأسها معاون وزير الداخلية, رافقتها اعتقالات عشوائية وتوقيفات عرفية طالت كل الجهات التي ساهمت في بناء المشروع, وهؤلاء اقتيدوا من بيوتهم مكبلين بالأغلال كما المجرمين وزجوا في أقبية الأمن الجنائي. ومن بينهم أشخاص لا علاقة لهم بإنشاء السد أصلا , ولا أحد يعرف منا من اختار تحديد المتهمين ووفقا  لأية مقاييس مع أن أسباب الانهيار كانت وربما ما زالت غير واضحة بعد, وفي محاولة فريدة من نوعها لايضاحها تولى التحقيق عناصر من الأمن الجنائي بدءا  من استجواب المهندسين ومرورا  بالتوصيف الفني الذي لا يدرس في كليات الشرطة على ما نعرف, ومن حظ البعض أن مؤشر التوقيفات توقف عند الرقم ؛25« بعد أن اكتشف أصحاب القرار ضرورة الاكتفاء بالعدد ذلك أن المساهمين في بناء السد يقدرون بالمئات وهو ما لا يتناسب مع القدرة الاستيعابية لأقبية خصصت للبحث والتحقيق العلمي, وهو التحقيق الذي أفضى بعد أسبوعين إلى إطلاق سراح نصف الموقوفين دون معرفة أسس الافراج تماما  كما دون معرفة أسس الاعتقال!!.

    بعد ذلك أو خلاله أو قبله أو بعده ولا فرق, شكلت وزارة الداخلية لجنة فنية مهمتها تحديد أسباب الانهيار ضمت أسماء بعض الأكاديميين وليس بالضرورة أن تكون جميع الأسماء متخصصة بالسدود, وما فعلته اللجنة أو هكذا بدا أنها فضلت تحميل المسؤولية لكل من له علاقة من قريب أو بعيد في إنشاء السد على اعتبار أن هذا هو الطريق الأسهل. لكنه بالتأكيد ليس أسهل من طريق المتفرج الذي اختارته وزارة الري صاحبة المشروع والمسؤولة عن نتائجه والتي من المفترض أن تكون الأكثر خبرة بالأسباب والنتائج, ومع ذلك لم تتنازل وتناقش اللجنة الفنية التي صاغت التقرير الفني بمضمون هذا التقرير.

أكثر من ذلك كان توجيه وزارة الري إلى فنييها بعدم المناقشة أو طرح الاستفسارات.

والأنكى من هذا وذاك أن جهات أجنبية مهتمة قدمت لزيارة الموقع والاطلاع على أسباب الكارثة, وعوضا  عن محاورة هؤلاء والاستفادة من خبراتهم, تحولت زيارتهم إلى زيارة بروتوكولية احتفالية عرضت خلالها آراء اللجنة التي وضعت التقرير الفني لانهيار السد, والمدعمة بأسماء أكاديميين, والمؤكد أن هذه الوفود لم تكن تعرف أن رئيس اللجنة هو مهندس مرافئ لا مهندس سدود.

والمؤكد أيضا  بالمحصلة أن تعامل الحكومة مع الموضوع باعتباره موضوعا  بوليسيا  قد أزاح الموضوع الأساسي أي الموضوع الفني جانبا , فضاعت المسؤولية الفعلية, وأخذت المحاكمات اتجاها  آخر لكونها بنيت على محاضر الجنائية التي قادت التحقيقات, وجاءت النتائج عشرات السنين من الأحكام ومليارات الليرات من الغرامات وضاعت الطاسة بين من أدين وبين من برئ!!.

- أية نقابة.. أية مسؤولية!! -

      مبدئيا , من الطبيعي أن تشغل نقابة المهندسين بالها بالكارثة لسببين:

- أول الأسباب أن المهندسين المتهمين هم من مهندسيها, وجزء من مسؤولية هذه النقابة هو متابعة شؤونهم والدفاع عنهم, وربما العمل على ادانتهم إذا كانوا يستحقون الادانة, لكن النقابة تحولت بحياديتها إلى مجرد وعاء لجباية أموال المهندسين أو منح الحصص لهم ما يطرح سؤالا  عنوانه: ما معنى النقابة إذا كانت مجرد ذلك?!.

- والسبب الثاني هو أن أي مواطن عادي بدءا  من سائق التاكسي, يفترض أن ينشغل بأسباب  الانهيار, فكيف حال نقابة من المفترض أن تبحث فنيا , إذا لم يكن انطلاقا  من موقعها الوطني فمن فضول المعرفة على الأقل.

وما حصل ويحصل وسيحصل أن النقابة ستظل لا تسمع ولا ترى ولا تنطق آخذة بالحكمة الصينية الشهيرة التي كان بطلها قردا  هذا مبدئيا  وفي دائرة المبدئياً تندرج الفانتازيا التالية: إذا كانت أجهزة الأمن الجنائي متخصصة بانهيارات السدود, فهذا يعطي الحق لوزارة الري ومن خلفها نقابة المهندسين بتلزيم إدارة الأمن الجنائي إعادة إعمار السد كي لا ينهار ثانية, مع أنه لم يدخل بريء إلى أقبيتها إلا وانهار تحت خرسانتها والطبيعي أن من كان مشمولا  برعاية هذه الأجهزة إبان الاعتقال لم ينهار وما تبقى انهار!!.

والنتيجة أحكام قضائية ؛يرى البعض أنه ليس من حقنا مناقشتها أو نقدها« ولكن هل سيكون من حقنا التذكير بأن بوسع أية عين مدربة أن تدرك أن السحابة التي ستمطر, تمطر.

أليس من حق المراقب أن يؤمن بالقاعدة القانونية القائلة ما بني على باطل فهو باطل, وإذا كانت التحقيقات تحمل شيئا  من البطلان فنتائجها ستحمله أيضا .

- سري ومتناقض !! -

     ولعل الأهم أنه بوسعنا أن نتقبل سرية التحقيقات, ولكن ما معنى سرية المحاكمات, وعدم نشرها على الملأ وأمام الناس وعلى شاشات التلفزيون ما دامت المسألة تتعلق بكارثة وطنية ليكون الرأي العام بصورة ما جرى وهو المتضرر الأول من الكارثة والشريك الأول بأضرارها قبل الحكومة لا بعدها?.

     تلك ملامح من كارثة انهيار السد وتلك ملامح من محاكماتها التي غصت حتى غاصت بمفارقات من العيار الثقيل وأثقلها أن المحكمة عزفت عن تشكيل لجنة تحقيق خاصة بها منذ البداية وعندما اختارت أن تفعل بعد تسعة أشهر لم تجد خيارا  أفضل من اللجنة التي وضعت التقرير الفني الأول, وهو تقرير أثار الكثير من اللغط, فأعضاؤها ذهبوا إلى ثلاثة اتجاهات متباينة, وإذا كان الاختلاف في الآراء الفنية أمرا  طبيعيا  وواردا , فمن غير الطبيعي ألا تقدم اللجنة في تقريرها الجديد أية معطيات جديدة مبنية على نتائج أعمال الاستكشاف التي تمت في مرحلة إعادة التأهيل علما  أن اللجنة نفسها هي المشرفة على كافة الأعمال, وما دامت اشارات الاستفهام موجودة على تقريرها الأول الذي لا يمثل قناعة فنية للجنة, والذي هو أشبه بالتقرير الرضائي الذي يعتمد التخمين والظن, فلا أعجب أن تأتي الأحكام على شاكلة تقرير كهذا.

- موقف لحظة -

     بعد يوم واحد, يوم واحد فقط من صدور الأحكام بتاريخ 72/6/3002 سافر وزير الري إلى بلغاريا للاطلاع من الشركة البلغارية المكلفة باعادة تأهيل السد على مسودة التقرير عن أسباب الانهيار!.

ماذا يعني ذلك?!

لا شيء مهم.. بما في ذلك أن المحكمة حاكمت الناس وجرمتهم أو برأتهم قبل تحديد الأسباب والمسؤوليات.

شيء آخر وهذه المرة مهم على اعتبار أنه تفصيل مضحك في تفاصيل مبكية ويتعلق بتقرير لجنة الداخلية الذي حمل البلغار مسؤولية انهيار السد بسبب نواقص وعيوب الدراسات, ومع ذلك ورغم ذلك ومن أجل ذلك, تم تكليف الشركة ذاتها بوضع التقرير النهائي عن أسباب الانهيار وتدقيق إعادة تأهيل السد من جديد!!.

ما كنا ننتظر غير الذي حدث في زمن للعدالة فيه أنياب وأظافر.

 

----------------------------------

الصفحة 18 : أدب

لنكن شجعانا  ولنجب بصراحة:

لماذا الآن..؟

سلمان عز الدين

 

      لماذا الآن..? سؤال يتكرر بمعدل ثلاث إلى أربع مرات في اليوم الواحد, دون أن يصادف شخصا  واحدا  طيب المزاج وخالي البال ليجيب عليه, وهو نادرا  ما يأتي عاريا  إذ له لوازمه ولواحقه:

لماذا الآن بالذات (وغالبا  ما يتم التشديد على بالذات هذه) وأمتنا تمر بأحلك ظروفها... في هذا المنعطف الخطير حيث الامبريالية والصهيونية والرجعية, وقوى الشر المعولمة... وجماعة أبو سياف وعصابة الكف الآسود...

لماذا الآن? سؤال غلباوي يحشر أنفه في كل المجالات والموضوعات والقضايا, ينط فجأة على الألسنة مختارا  ضحاياه بعناية فائقة ولا سيما من بين أولئك المحشورين في زوايا ضيقة يواجهون فيها نقدا  حادا , أو سيلا  من الأسئلة المحرجة, أو الطلبات الصعبة.

إثر كل مقال نقدي أو تحقيق صحفي, ومع كل بيان معارض, أو عريضة شعبية, يكون أول ما يخطر على البال هو: لماذا الآن?

لماذا الآن?.. هكذا تصرخ الحكومة, وهكذا يتساءل الأدباء والمفكرون والفنانون, والمذيعات وعارضات الأزياء.

وهذا ما قاله هاني السعدي لنفسه عندما علا الصراخ في وجهه بأن فانتازياه التاريخية صارت وباء  مميتا , مستنتجا  وجود مؤامرة كبرى تستهدفه شخصيا  ومن خلفه الدراما الوطنية وبالتالي الوطن الحبيب برمته...

وهذا ما يقوله جمال سليمان لنفسه ولمريديه إزاء منتقديه.

وعلي عقلة عرسان إذ يقال له: ألم يحن الوقت لتكتب شيئا ..?

وحسن حميد إذا س ئل: ألم يحن الوقت لتكف عن الكتابة...?

وحسن م يوسف كلما واجه من يتوسل إليه: ؛نرجوك خفف من خفة دمك«...

بالطبع ثمة ألوان عديدة:

لماذا الآن قومجي ولماذا الآن يساري, وثالث إسلامي... تختلف النبرة واللواحق, ولكن السؤال الملح يبقى هو هو: لماذا الآن..?

حسن  ربما آن الأوان لنجيب:

الآن.. لأننا في هذا الآن بالذات (مع التشديد طبعا ) ما زال لدينا قليل من رمق الحياة, وبضع نبضات في قلوبنا, وحفنة - آخذة بالتلاشي - من قوانا العقلية, وإذا ما ذهب هذا الآن, وجاء آن آخر فسنكون, على الأرجح, قد م تنا - بفعل أقوالكم وأفعالكم - بالجلطة القلبية أو السكتة الدماغية, أو أصبنا بالشلل النصفي أو الرباعي, وعندها لن يتسنى لنا الصراخ في وجوهكم: كفى... كفى..

بالمناسبة: الآن, وكل آن, هو وقت ملائم لنقول لكم: كم أنتم مضجرون..?!

 

تزفيت الطرقات في الرقة أشبه بصخرة سيزيف !!

الميثولوجيا في الصحافة السورية..

     عندما أطلق طه حسين صيحته الشهيرة: ؛علينا أن ن قبل بشغف على الثقافة اليونانية القديمة... ولا سيما ملاحمها وأساطيرها..«.

فإن أحدا  لم يأخذ كلامه على محمل الجد, وهكذا ظلت الإلياذة والأوديسة وأبطالهما, حكرا  على دائرة النخبة الضيقة..

والآن فقط تأتي الاستجابة مباغتة, ومن مكان لم يكن بإمكاننا توقعه: من الصحافة السورية, وبالتحديد من محرري الأخبار المحلية, وأقسام الشكاوى والمراسلين الشعبيين!

ويا للمفارقة. ففي حين تعزف الصفحات الأدبية (بتعال ) عن هذا النوع من التثاقف, لكونها غارقة في ميثولوجياها الخاصة وعبر أبطال ملحميين نادرين (عبد الإله الرحيل, وعبد الكريم عبد الصمد, ونصر الدين البحرة, واليوم ينضم إليهم فارس اسطوري جديد هو ديب علي حسن) فإن صفحات البلديات والرقابة الشعبية, صارت تتكئ على مصدر معرفي ثابت هو الميثولوجيا اليونانية..!

ذات صباح كئيب, دفعني إلهام موح  إلى قراءة زاوية لإحدى الصحفيات, علما  أن كتاباتها شكلت لي, على مدار سنين طويلة, تعويذة ضد القراءة, وضد تضييع الوقت, ولا أدري أية قوة أعصاب جعلتني أحتفظ بهذه الزاوية في ذاكرتي مدة ثلاث سنين شاقة.

كتبت: ؛جميعكم تعرفون حكاية آخيل, ذلك الفارس المشهور الذي عجز أعداؤه عن قتله, لأن جسده كان محصنا  بفعل الزيت المقدس, إلى أن اكتشف أحدهم نقطة ضعفه, ومقتله فرماه بسهم على كعبه, وهكذا مات آخيل..«.

بالفعل جميعنا نعرف ذلك ولكن ما لا نعرفه هو: ؛ولدينا ما يشبه حكاية آخيل, فالمقالع والمكاسر في منطقة... ظلت معصومة عن الأذى إلى أن صدر قرار المحافظة بإغلاقها, وكان هذا القرار مثل السهم الذي قتل آخيل في كعبه...«..!!

قد تتساءلون عن الرابط العجيب, لا بأس دققوا جيدا : آخيل كان فارسا  عظيما  خاض معارك كثيرة ولابد أنه أثار في معاركه هذه المزيد من الغبار, وبالمقابل فما الذي تفعله المقالع سوى إثارة الغبار..?

وبهذا فإن هذه الصحفية العبقرية قد افتتحت أسلوبا  جديدا  من التزاوج بين الخدمية والميثولوجيا, وعبر آلية تورية معقدة وغير مسبوقة, ومن يومها.. منذ تلك الزاوية, صار شائعا  أن تفتح الصفحات المحلية فتقرأ عبارات كهذه: رئيس بلدية المعظمية.. بروميثوس على طريق النار. أو: دائرة الخدمات في محافظة حمص ورحلة يولسيز في بحر الضياع..

وكان آخر هذه الحملة اليونانية, زاوية في جريدة ؛الثورة«, قال كاتبها إن تزفيت الطرقات في الرقة أشبه بصخرة سيزيف..!!

هل من حاجة إلى الشرح..? سيزيف هنا هو رئيس بلدية والصخرة هي المدحلة...

كل مقال من هذه يتركنا مضمخين بالحنين إلى ذلك العهد السعيد, عندما كان محررو المحليات يمشون غير عابئين بطه حسين ونصائحه المدمرة..

هذا الرجل:

ع. ع. ع

      منذ زمن بعيد لا يمكن تحديده (ربما هو ذلك الزمن الذي عكف فيه كاتب سومري مجهول على تسطير ملحمة جلجامش) تسلم المقاليد في اتحاد الكتاب العرب. جاء مستندا  إلى ماض إبداعي غامض بينما الاتحاد مزدحم بالقامات الكبيرة فوقف أمام خيارين: أن يطيل قامته أو يعيد تفصيل القامات الأخرى على مقاسه. وبالطبع كان الخيار الثاني أكثر سهولة.

عبر هذه السنوات الطويلة استطاع علي عقلة عرسان أن يصبغ الجميع بلونه (الرمادي طبعا ) وبيديه صنع أجيالا  من الصامتين المصفقين الموافقين والذين لا يتقنون فن العيش دونه ليضمن منصبه إلى أمد سرمدي وربما وحده اسرافيل القادر على تحديد نهايته...

ولأن (الغرباء) ليست مسرحية بالفعل ولأن (الظواهر المسرحية عند العرب) ليس كتابا  بأي شكل فانه يستحق اللقب بجدارة: كاتب ما كتبش حاجة...

ومع ذلك فمن قال انه ليس الرجل المناسب للمكان المناسب? كتاب لا يكتبون يحتاجون بالطبع إلى رئيس لا يكتب.

هو متفرغ لإعداد الخطب الرنانة ولتجديد الشعارات المتآكلة وللسهر على أمننا الثقافي وعلى حراسة القضايا الكبرى وهم متفرغون للسهر على راحته ولضمان إعادة انتخابه إلى ما لا نهاية..

من كان رئيسا  للاتحاد قبله? ربما حمورابي.

ومن سيأتي بعده? للآسف فإن العلماء لا يتركون لنا فرصة للتكهن إذ ينذرون بانطفاء وشيك للشمس (خلال بضعة ملايين من السنين فقط) وبعصر جليدي سيغمر الأرض برمتها...

مينه يقدم لأمل الرواية السورية.. والشمعة لكاتبة لم تقرأ كتابا  في حياتها

من يقدم لمن..?

     صار للمقدمات - تلك الأوراق التي ت ستهل بها الكتب عادة - شكل واحد فقط: رسائل توصية.

ولأن عالم الكتابة لم يعد يتسع للمزيد, فقد بات الطارئون يشعرون بحاجة ماسة إلى تأشيرات مرور ممهورة بتوقيع أحد  ما, ومثل جميع رسائل التوصية, فإن من يحتاج إلى هذه المقدمات هو بالضبط من لا يستحقها. ومع ذلك لا يبخل سدنة هيكلنا الثقافي في منح تواقيعهم عبر مقدمات يوزعون فيها الألقاب والأوسمة بلا حساب.

    كتب حنا مينه مقدما  لروائية لم يسمع باسمها أحد  سواه : ؛إنها غمامة عطر.. وأمل الرواية السورية«, وعندما تبين أن هذا الكتاب الأمل ليس سوى فضيحة أدبية, وأن كاتبته لا تتقن صياغة جملة واحدة سليمة, فقد لجأ مينه إلى أكثر أشكال التبرير استهتارا : ؛لقد تجاوزت  الثمانين وتجردت  من الأهواء والنزوات.. هذا رأيي ولا مصلحة لي...«.

ثم عاد وبحماس أكبر ليطلق قاصا  جديدا , استفاق متأخرا  ذات يوم ليكتشف أنه, ورغم أنوف الجميع يستطيع أن يصبح كاتبا , مينه لم يجد ما يقوله في مقدمته سوى تعداد المناقب الحميدة للقاص عن طيبة واستقامة وتربية حسنة, مذكرا  بماضيه النضالي كرفيق شيوعي ونقابي مر  وذلك دون أية اشارة إلى القيمة الإبداعية للأشياء التي أسماها قصصا .

     يغرق المقدمون الأقل خبرة وتمرسا  في تناقضات فجة, وأحكام وتقييمات جاهزة لا يصدقها أحد, كهاني الشمعة الذي قد  م لكتاب هو مجموعة من الخواطر المدرسية, تفاخر كاتبته في تقديم نفسها كمعجزة:

؛أكتب  علما  أنني لم أقرأ في حياتي أي كتاب«. الشمعة قال جهارا  نهارا  ومد كل عقله: ؛.. إنها تفعل شيئا  في بناء الفكر الإنساني وتأخذ مكانها في مدارج الفكر والعلم والثقافة... وها هي اليوم تقدم نفحة جديدة من نفحات عطاءاتها..«.

      أما المقدمون الأكثر دهاء  فقد تعلموا الحفاظ على ماء وجوههم عبر تعميمات إنشائية وجمل فضفاضة وعبارات غامضة تعفيهم من قول أي رأي صريح ومباشر... بمثل هذا الأسلوب قدم جمال باروت لغزالة درويش, ويقدم نبيل سليمان لكتاب وكاتبات لا يقتنع أحد (حتى هم أنفسهم) بأنهم كتاب وكاتبات...

      ولكثرة تداول هذه المقدمات, فقد فقدت جزءا  كبيرا  من أهميتها, وكاد مفعولها أن يبطل, لذلك صار المبتدئون يحتاجون إلى أكثر من رسالة توصية واحدة للكتاب الواحد, كانتصار سليمان (وشاعرة تملك مفهوما  واحدا  عن الشعر: إنه كلام مرصوف فوق بعضه بعضا ) التي حشدت أربع وساطات ثقيلة لمجموعتها (دروب إليك وجمر علي). واحدة من هذه الوساطات كان إبراهيم عباس ياسين الذي كتب بلا أدنى إحساس بالذنب: ؛حينما تكتب انتصار سليمان عن الحب وللحب فإنما تعلن انحيازها صراحة إلى المعنى الأهم لجوهر الوجود الإنساني...«.

      مشكلة هؤلاء الذين يكتبون المقدمات, أنهم يقدمون الشفاعة لغيرهم في الوقت الذي يحتاجون فيه الشفاعة لأنفسهم...

جمعية حماية المستهلك من الكتاب الرديء

النكتة وقد صارت كتابا !!

   ينطوي هذا الكتاب على فضيحة.

    اعتاد الزميل نبيل صالح اللجوء إلى التخييل في بعض مواده الصحفية كأن يجري حوارات مع شعراء ماتوا  منذ قرون, وكتاب غربيين لم يلتق بهم قط, أو يصطنع لزواياه لغة تراثية مدعيا  أنها فصول من كتب قديمة لمؤلفين مجهولين, وفي واحدة من تجاربه الطريفة هذه, قدم دراسة مسهبة حول أحداث (11 أيلول), وصاغها على شكل وثيقة سرية: (رسالة من رئيس الموساد إلى رئيس حكومته). بالطبع لم يكن في نية صالح, ولا الجريدة التي نشرت دراسته, إقناع أحد بأن هذه الوثيقة صحيحة, وبأن الزميل الصحفي قد حصل عليها بطرق جهنمية في الوقت الذي كانت فيه المخابرات الأمريكية نفسها تجهل وجودها..!

لقد كانت اللعبة واضحة لأكثر الناس سذاجة: إنها مجرد تقنية صحفية فيها من حس الدعابة بقدر ما فيها من جدية الطرح ومشروعية الاراء المقدمة.. ولكن واحدا  فقط كان مصرا  على التصديق وصادف أن هذا (الواحد) هو كاتب سياسي غزير الإنتاج اسمه يوسف الجهماني.

هكذا ضمن الجهماني كتابه (تورا بورا) وثيقة خطيرة استند اليها في تحليلاته بل في بناء بعض أحكامه الإطلاقية التي  لا تقبل النقاش دون أن يدرك أو يشك للحظة بأن هذه الوثيقة مفبركة وليست أكثر من دعابة.

في كل الأحول فإن مصادر الجهماني الأخرى ليست أهم شأنا  فهي أخبار من أكثر النشرات التلفزيونية والإذاعية رداءة, وافتتاحيات لرؤساء تحرير لا يقرؤهم أحد, وقصاصات عابرة من هنا وهناك وهذا ما من شأنه الإجابة على سؤال صار بمثابة لغز: كيف استطاع الجهماني تأليف كل هذه الكتب, وكيف يستطيع الإحاطة بالحدث بعد وقوعه بأيام قليلة, بل - في بعض الأحيان - الكتابة عن أحداث لم تقع بعد...

كتاب الجهماني هذا يؤكد فقط أنه مستمع صبور لنشرات الأخبار, وبارع في أرشفة المواد الصحفية, والأهم: أنه طموح لوضع اسمه على أي غلاف وتحت أي عنوان عابر يخطر في باله...

----------------------------

الصفحة 19 : فن

مجلة التلفزيون في عيده :

الصورة الأصدق لواقع التلفزيون

راشد عيسى

     منذ أكثر من عقدين من الزمن والمتعاقبون على ؛مجلة التلفزيون« ينهلون من مجد مروان صواف; الحضور الشخصي غير العادي في برنامج ذي فكرة عادية. ورغم جهد الإعداد, الذي تفاوت بين معد وآخر, لم يتمكن البرنامج فيما بعد من تقديم وجه واحد له ذلك الحضور الطاغي. استمر الصراع بين اتجاهين; واحد يريد الاستمرار بطريقة صواف التي تعتمد على بهرجة المنوعات, وآخر يريد اعتماد البرنامج مساحة حرة للانتقاد. في مرات قليلة استطاع البرنامج تجاوز شروط التلفزيون, بل وكان غريبا  أن انتقادات قاسية وجهت له في عقر داره عبر المجلة. في النهاية ما من أحد انتصر من طرفي لصراع, فالغلبة دائما  لشروط التلفزيون وأنظمته المؤبدة. بعد استلام رياض عصمت مقاليد التلفزيون, حار الرجل بين مريديه الكثر الراغبين بالتفرد بالمجلة المرئية, فرمى بها إلى اثنين (ماهر الخولي وخالد مجر) من أبرز خصوم الإعلام الرئي والمسموع والمكتوب (راجعوا مقالاتهما عن مسرحيات رياض عصمت), في حين كان صواف يتنكب لوحده جهد الإعداد والتقديم. وصلت المجلة إلى ذروة السوء, لا بالنسبة إلى مسيرتها وحسب, بل بين مختلف برامج التلفزيون. ومع ذلك فثمة فائدة لا تنكر; فإذا كان من المفترض أن تصبح المجلة صورة للتلفزيون, وهذا صورة لحياتنا, فلا بد أن تأتي الصورة صادقة ,معبرة وأن تنهل من محيطها, وأخالها قد حققت في ذلك نجاحا  عظيما . إذا تركنا جانبا  بؤس حياتنا وانحطاطها, يمكن أن تستثمر المجلة أيضا  كمؤشر صادق - وهي المكتوبة شعرا  - على حركة الشعر في بلدنا. أكثر من ذلك; إنها مؤشر على حركة المسرح واتجاهاته, حيث المذيعة وجدت ضالتها في إلقاء مسرحي شك ل متنفسا  ليومياتها التي ظلت طويلا  حبيسة الدفاتر.

في الحلقة الماضية (لماذا لا تكون الأخيرة?) خصصت المجلة عددها للاحتفال بعيد التلفزيون, ما اقتضى العودة إلى أيام الأبيض والأسود. لمت جر المجلة ريبورتاجها الخاص, بل اعتمدت على ريبورتاج أجري للمناسبة في سنوات الستينيات, أي بعد افتتاح التلفزيون السوري بسنوات قليلة, ظهر صباح قباني وهو يذرع الاستوديو العتيق جيئة وذهابا , ويتناوب على الكلام مع المعلق في البرنامج, كان كلام المحدثين يقطر شعرا  وهو يسرد تاريخ التأسيس. ليس هذا أمرا  بالغ السوء, حيث يمكن النظر إلى تلك الذكريات على أنها لحظات خالدة وتستحق أن ي كتب لها شعر ملحمي. لكن المعدين برعا, وهما يتنقلان بين قديم التلفزيون وحديثه, في خلق انطباع رائع بأن شيئا  لم يتغير في أداء التلفزيون السوري منذ أربعين عاما . الحق لو أن أعداء التلفزيون أرادوا أن يتصيدوا أخطاءه في برنامج لما استطاعوا أن يأتوا بمثل ما جاء به مجلة التلفزيون.

تكريمي الذي لم يبلغني به أحد!

فارس حلو

       أغلب زملائي الفنانين يتندرون بقصص وحكايات عبد الله  حصوة ( الريجسير ) المعروف جيدا في الوسط الفني السوري.

والريجسير  صديقي القارئ, هو من يقوم بإخبار الفنان الممثل عن أمر العمل, الذي يتضمن مكان وموعد التصوير وأرقام المشاهد التي سيصورها.

( الريجسير ) مهنة خطيرة, يمكن أن تكبد المنتج خسارة مالية فادحة, فيما لو مورست بالشكل الوظيفي الرسمي البليد. لذا يبحث المنتجون دائما عن شخص لحوح ومتابع و( دبقة ) يقوم بالتبليغ بالشكل الممتاز.

والشكل الممتاز والأمثل لتبليغ مجموعة العمل الفني, هو أن يلتقي ( الريجسير ) الممثل مباشرة, ويبلغه بأمر العمل, أو يخاطبه هاتفيا, فيسمع صوته الحي ( وليس مسجلا على آلة الرد أو الأنسر ماشين )

ولأن شروط إنجاز العمل الفني في بلادنا مازالت متخلفة وفوضوية, ومواعيد التصوير يمكن أن تتبدل في أي لحظة, برزت الحاجة الماسة لريجسير كفء يقوم بإبلاغ الممثلين عن تأجيل أمر العمل أو تبديل موعده أو تغيير أرقام المشاهد المراد تصويرها قبل غيرها, كان عبد الله حصوة بحق, هو الريجسير النموذجي.. فهو يقبض على الممثل المختفي أينما كان, وأينما وجد, وأينما قد يعتقد أنه يمكن أن يوجد.. ولذلك فوجئ أحد الزملاء به ذات مرة, يقطع خلوته في أحد المصايف - التي لا يعرف مكانها حتى زوجته  -ليبلغه بموعد التصوير .. مما يعني أن تقاعد عبد الله حصوة أو توقفه عن العمل  في وسط فني لا يريد أهله التفكير جديا بالتأسيس لصناعة حقيقية, سيترك فراغا في مجاله ربما لا يعوضه غيره..

وكنت أتمنى لو أن نقابة الفنانين كلفت نفسها باعتماد الزميل عبد الله حصوة, ريجسيرا  لها ليقوم  بتليغ من أراد تكريمهم في عيد الفنانين الذي الأخير الذي أقيم في الرابع والعشرين من تموز الجاري, وأنا واحد منهم!

والمفاجأة الكبيرة لي أن أسمع من هنا وهناك أنني من الفنانين المكرمين, دون أن يبلغني أحد بذلك..

على أية حال.. أنا لم أزعل كثيرا  لأنني لم أتمكن من حضور تكريمي الذي لم يعلمني به أحد, لأن نقابة الفنانين لازالت مصرة  على هذه الطريقة الغريبة العجيبة في التكريم, حيث تختار كل عام عشرين أو ثلاثين أو أربعين من أعضائها وتكرمهم في حفل جماعي صاخب, تعوزه الكثير من الأناقة والترتيب دون أن نعي جيدا من الذي صعد المنصة ومن الذي خرج منها, أمام هذا الطابور الذي يصطف متأهيا  لكي يلبي النداء ويظهر بضع ثواني وهو يستلم جائزته التكريمية, وربما قبل أن تلتقط عدسة الكاميرا اللاهثة أنفاسها لاستقبال زبون جديد حتى بلقطة عابرة!

في مهرجان مثل مهرجان القاهرة السينمائي الدولي, وفي بلد كبير مثل مصر, لا يكرم المهرجان المذكور أكثر من خمسة أشخاص كل عام, ويصدر عن كل واحد منهم كتابا يؤرخ لمسيرة حياته, ويتم استقباله على المنصة بوقت كاف تعرض فيه على شاشة مرافقة لقطات وصور من أعماله, ويقدم بكلمات لائقة ومعبرة.. أما نحن فالتكريم عندنا هو أشبه بحالة التفقد التي يتم خلالها إحصاء الحضور والغياب من طلاب المدارس أو قطعات الجيش!

تكريم بلا قيمة حقيقة, بلا انتقاء رزين, بلا تقييم نقدي, بلا حالة احتفالية يمكن ان تترك ذكرى أو أثرا.. فهل أتنفس الصعداء في سري وأشكر نقابتي العزيزة, لأنها لم تكلف عبد الله حصوة بالقيام بهمة تبليغ المكرمين.. وإلا لأحضرني من تحت طقاطيق الأرض, وأجبرني أن أكرم بهذه الطريقة !

جواز سفر

برنامج لكل الفصول

       مثلما يختار الآباء أسماء أطفالهم اختار ياسر المالح اسما  لبرنامجه الوليد ؛جواز سفر«. هكذا, يأتي الاسم أولا  والبقية تأتي. ليس مهما  أن يكون الاسم هو الفكرة, فبإمكانك أن تهرب إلى اسم يليق بكل الأشياء; بقصيدة, ومسلسل, وبرنامج عن الطيور, أو العفاريت. بإمكان هذا البرنامج الشاسع أن يستوعب كل شيء:

التمثيل, والغناء, المقالب والمسابقات. سيمضي المالح في مخيلته قليلا  ليعثر على مكان يليق بالاسم; استوديو هو عبارة عن قاعة في المطار, والمشاركون سيفدون أو يغادرون كل بجواز سفره.

مفردة المطار هذه أفزعت محمد خير الجراح, الممثل الشاب الذي يقدم البرنامج مع زملاء ثلاثة, فاستقر في أدائه دور القبضاي في ؛ردم الأساطير«. قبضاي يقدم برنامجا , ما النتيجة ? سيعطي متسابقيه الأجوبة قبل أن يسألهم. عاصم حواط, القادم من أفلام الكرتون ومن أدوار المذعورين في مسلسل ؛مرايا«, سيطرش نفسه وضيوفه بالكريما مغمورا  بالضحك, مدعيا  أنه عمل مقلبا  ب- (سيد المقالب) زياد سحتوت, ما الضحك في ذلك ياعاصم ? ليزا ديوب, سيدة البرنامج, إما أنها تنظر إلى الآخرين على أنهم أطفال, أو أنها ترى في نفسها الطفلة الوحيدة في العالم, لذا سوف تستعرض معارفها القليلة وتختم كل معلومة تقدمها ب- : هذه عرفتها لوحدي ! وهي فوق ذلك متطلبة; تريد عصيرا  فلا يأتي, فتزعل ليزا.

إذا كانت الحوارات (اليومية جدا ) التي تجري بين المقدمين نابعة من عفوية وارتجال وليد لحظته, فهي غير مستساغة وثقيلة الحضور, لأنها تفضح قلة المعرفة والخبرة, وهي غالبا  ما تكون ارتجالا  خارج الموضوع (إذا كان هناك موضوع أصلا ). لاحظوا العفوية التي تتمتع بها مذيعات ؛عالم الصباح« على قناة ؛المستقبل«, حيث هنالك عفوية وارتجال يشيران إلى معرفة لا يستهان بها, وهي في الغالب لا تخرج عن موضوع الحوار, أما إذا كان كل شيء مدروسا  في الإعداد, فسنكون أمام مصيبة جاءت بعد تدقيق وتمحيص ودراسة. وذلك ليس مستبعدا  طالما أن المالح كتب إلى جانب اسمه في شارة البرنامج (فكرة وإعداد وتأليف).

ناهيك عن إضافات مخرج البرنامج  هيثم حمود الذي أوكلت له الإدارة مهمة إخراج هذا البرنامج بعد أن رأت أعاجيبه في مقلاية (شام سات).. أي عن سابق إصرار.

 التأليف يتعلق هنا بتلك المشاهد التمثيلية التي لاحاجة لها, والتي يستضاف عبرها ممثلون نجوم ليكونوا ذريعة لواحدة من لوحات الدبكة أو الغناء وسواهما.

يقال إن كلفة عشر حلقات من البرنامج بلغت حوالي 11 مليون ليرة سورية لكي يظهر بهذا المستوى. ليس هذا رقما  كبيرا  إذا كانت طموحات ؛جواز سفر« أن يشتري الفرنسيون حقوق النسخة الفرنسية من البرنامج.

الدور الذي سيجد جمال سليمان حرجا  في أدائه:

الحطيئة وسيما

     ماذا لو قرر وليد سيف وحاتم علي تقديم مسلسل عن الحطيئة هذه المرة... كيف سيتدبر جمال سليمان أمره?

كان الحطيئة - كما يقول التاريخ - جلفا  وقبيحا  لم تهذبه المدنية ولم تعشقه امرأة قط وهذا بالتأكيد لا يناسب جمال سليمان, وبالتأكيد أيضا  هو لن يتخلى عن دور البطولة لممثل آخر... إذا ?

بسيطة فسيناريست ذكي ذو خيال خصب كفيل بحل المسألة:

كان الحطيئة شابا  وسيما  وظريفا  ومثقفا  ومرحا  وبتسبيلة واحدة من عينيه يصرع أجمل امرأة في العالم. علاقته بطلابه (كان أستاذا  جامعيا  بالطبع) متينة يسودها الحب والاحترام وكلما صادف أحدا  وأثناء تجواله في البوادي وبين القبائل يسلخه محاضرة على الريق مساهما  في حل جميع المشكلات ومنظرا  للقضايا الكبرى والصغرى على حد سواء وباختصار: كان (دون جوانا ) كامل الأوصاف. هذه المرحلة السعيدة من حياة الحطيئة تمتد على (92) حلقة وحيث سيجسد جمال سليمان الدور باقتدار كعادته ولكن الحطيئة المسكين يتعرض في الحلقة (03) لحادث سير مروع يخلف عليه آثارا  لا تمحى فيصبح أصلع وأجدع وأحول أي ببساطة: دميما  للغاية وحتى أنه يصاب بالرعب لمرأى وجهه في ماء البئر فيهجو نفسه في قصيدة مشهورة. وهنا وفي هذه الحلقة المشؤومة فقط يمكن إسناد الدور لأي ممثل بديل يكون أقل كبرياء من جمال سليمان...

لماذا مرت في مهرجان الأغنية السورية مرور الكرام
في السوبر ستار رويدا حطت على عينه


   
لا أظن أن أحداً لم يعد يعرف رويدا عطية المنافسة القوية على لقب سوبر ستار، ولا أظن كذلك أن واحداً على الأقل في سوريا لا يتمنى لها الوصول إلى التصفية النهائية والفوز فيها بعد رحلة طويلة مع الغناء والتصويت تنافست فيها مع مجموعة من هواة الغناء، الذين قدم لهم برنامج سوبر ستار في قناة المستقبل فرصة من السماء ليغدوا نجوماً معروفين وقدم لهم الجمهور والمعجبين والمشجعين على طبق من ذهب وبزمن قياسي لم يكن لتحلم به أم كلثوم ذاتها.
كلنا صرنا نعرف رويدا وننتظر صوتها وكلنا كما أعتقد صرنا نعرف شادي أسود ونانسي زعبلاوي المشاركين السوريين الذين وصلوا إلى التصفيات الأخيرة إلى جانب كل الآخرين ديانا كرزون ومحمد لافي وملحم زين وسعود وصابر ومرعي .. برنامج بسيط ومثير وماركة أجنبية (سينييه) تملكه شركة عالمية تبيعه للعالم ..
لكن المفارقة التي لا نستطيع إلا أن نقف عندها هو أن أهم منافسة بين المشاركين والتي غدا لها جمهور عربي واسع وليس السوري فقط، وهي رويدا عطية التي تتغنى لجنة التحكيم بها وبصوتها النادر في كل حلقة، مرت منذ سنوات في مهرجان الأغنية السورية وغنت وصدحت وبحضور الأستاذ صباح فخري ولم ينتبه لها أو لصوتها .. لكن ليست هذه المفارقة فلا بد أن المهرجان قد عرض كفقرات في التلفزيون السوري وكذلك لم ينتبه الجمهور السوري لرويدا عطية ولا لصوتها .. المفارقة أن صباح فخري كان مدير المهرجان ذاته الذي غنت به أغنية وطنية ربما وزعت لها كما يوزع الرز بالبونات "لم تظهر قوة صوتها" كما تقول.
والمفارقة أن رويدا عطية حطت على عين صباح فخري ومهرجان الأغنية السورية أمام الملايين من مشاهدي برنامج سوبر ستار، الذين بينهم /250/ ألف متصل بالهاتف غير المشاركين برسائل الموبايل والانترنيت، وغير الذين يكتفون بالمشاهدة مؤثرين الإعجاب والحماسة بصمت ... عجبي!

من ثقب الباب

- أحد مخرجي المسرح علق إثر حضوره مسرحية ؛سلالم« لغسان الجباعي بالقول إن كل مخرج مسرحي في العالم يمكن أن يتحول إلي سجين, ولكن لا يمكن لأي سجين أن يصبح مخرجا ! غني عن القول إن الجباعي درس الإخراج في الاتحاد السوفياتي (الراحل), وأخرج العديد من المسرحيات كما له عدد من السيناريوهات التلفزيونية. كما لا بد من القول للمخرجين الذين يتهم,ن النقاد عادة بالتطرق إلى أمور شخصية في كتاباتهم, احزروا الأحقاد والأحكام الشخصية.

- الطريق إلى قرطاج بات واضحا ; المخرج الشاطر, وهذه ميزة ماهر صليبي وحده, عليه أن يأتي بمهندس الديكور سمير أبو زينة, صهر الوزارة, ليضمن مهرجانات المسرح وربما الجوائز, حتى لو قدم أسوأ معزوفة ؛كونشرتو« في العالم. ولكن ما المعيار لانتقاء العرض المناسب حين يكون اسم مهندس الديكور إياه معلقا  على كل مسرحيات الموسم القادم?

- كثيرون جاؤوا ليشاهدوا مسرحية ؛لعي« لحكيم مرزوقي لا حبا  بالمسرح, بل لحسم الجدل بخصوص إدعاءات حكيم ورولا فتل حول من منهما صنع ؛الرصيف«. بل إن حكيم نفسه ما اشتغل هذا العمل إلا ليسطو على مقدرات ؛الرصيف«, خصوصا  أن رولا لم تعد مهتمة بالأمر, وراحت تبحث ولو عن دور مساعد مخرج في أي عمل تلفزيوني, ؛لعي« فشل فشلا  ذريع , كتابة وإخراجا  وتمثيلا . فهل يعني ذلك شيئا ? من قال إن مسرحيات ؛الرصيف« السابقة كانت أقل إخفاقا ?!

-  سوبر ستار ليس جامعة الدول العربية حتى يبحث مواطنو كل بلد عن حصتهم من التمثيل فيه, لن أصو ت لشادي أسود حتى لو بقي ممثلنا الوحيد في البرنامج, لأنه ببساطة بلا صوت.

 

--------------------------------------

الصفحة 20 : ساخرون

الدومري تحتفي بحسيب كيالي في ذكراه العاشرة

تمر هذا الشهر الذكرى العاشرة لرحيل الكاتب السوري الساخر الأديب حسيب كيالي.

المادة التالية كانت آخر زاوية صحفية يكتبها حسيب كيالي, حيث نشرت في الصفحة الأخيرة للزميلة ؛البعث« في نفس اليوم الذي نشر فيه خبر نعيه, مرفقة برسم كاريكاتوري للزميل عبد الهادي شماع

والدومري احياء  لذكرى الأديب السوري الساخر تقدم هذه المادة لقرائه

عميمور النافل

      كتب الكثير عن انتحار رئيس مجلس الوزراء الفرنسي بيير بيريفوفوا بطلقة واحدة من مسدس حارسه يوم الأول من أيار, عيد العمال العالمي. من بين ذلك الكثير الذي دبج, آخذا  شكل الرثاء أو الانتقاد أو اللامبالاة, مقالة صغيرة في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية نشرت يوم 6 أيار بقلم محي الدين عميمور, وهو غير محي الدين اللاذقاني الذي تشبه مقالاته الأكل في النوم, بعنوان: ؛من أطلق الرصاص« مع ترويسة تقول: انتحار رئيس الوزراء الفرنسي السابق تثير أكثر من سؤال حول الأسباب التي أدت إليه...!

من حيث الشكل لا مأخذ لنا على لغة السيد عميمور, إلا قوله: (مضافا  إليها جزءا ) وصوابها (جزء) بالضم, ولكننا نظن أن الكاتب قد أصابته عدوى (النصب) من كاتب جار له في الصفحة نفسها اسمه سمير عطا الله الذي كتب في العمود الثالث من مقالته (وليس في العالم العربي نولا  واحدا ...!).

الدكتور عميمور يعرض المشكلات التي مر بها بييريفوفوا وتألب الصحافة عليه, بالملامة وتحميله مسؤولية الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تلم بفرنسا وما أدت إليه على الصعيد السياسي من إعلان إفلاس الحزب الاشتراكي الفرنسي إلا من نسبة ضئيلة من النواب لا تغني ولا تقيم الاود (عشرة بالمئة) ولا تستحصل على وزارة.. ناهيك بالجحود - على حد تعبير السيد عميمور الذي قوبل به إذ نسي الناس نضاله الدائب في سبيل رتق الفتوق والنهوض بلفزنك حتى أصبح (الفرنك القوي) حقيقة واقعة في مواجهة ما سمي أيام دوغول بالفرنك الثقيل.

بعد هذا العرض ينتقل الكاتب إلى الحديث عن تقدير أهل (بنفر) للفقيد إذا انتخبوه لرئاسة بلديتهم, وكن هذا الانتخاب يأتي من بسطاء الناس لم يستطع أن يدمل جرح قلبه. ويختتم عميمور مقاله بهذا القول النافل: (لو اطلع بير يغوفوا على الغيب ورأى تلك الحشود من بسطاء المواطنين تتجمهر أمام المستشفى لما بلغهم نبأ الوفاة لكان له, ربما, موقف آخر, ولو قدمت له في حياته بعض باقات الزهر فقد تتغير نظرته حتى إلى تسنم خصمه بالادور المنصب الذي كان يشغله عن جدارة لأنه خرج من صفوف النقابات واغذ السير حتى رئاسة مجلس الوزراء.

أجل أمام حادث كالانتحار معقد بسيكولوجيا أقصى حدود التعقيد, يعتبر مقال مثل مقال عميمور نافلا . ولما قرأته كنت في طريقي إلى إجراء فحص مؤلم: يدخلونك في ما يشبه النفق المقيس على قد جسمك كالقبر, وما هي إلا لحيظات حتى تسمع ثلاث دقات تذكرك ؛بالقدر يقرع الأبواب« ثم يعقب ذلك صمت لا يدوم إلا ثواني يندفق بعدها هدير: بر بر بر بر كصوت محرك دراجة نارية. صمت ثواني ثم الهدير, هذه المرة مختلط بنقايات كأنها الكاستينيتان من الفضة توسوس من خلال الهدير المعاند المستمر حتى لتخاله مرافقك إلى القبر... بعد عشر دقائق خلتهن عشرة أيام دهاق عاد صمت مشوب بالحذر بضع ثوان ثم بدأ قرع القدر فالهدير المعاند... كدت أختنق, ويظهر أني تحركت والتعليمات تنهاني فسمعت صوتا  لست أدري من أين هبط علي  يقول لي بالانكليزية ؛لا تتحرك من فضلك« صرخت من معزة الروح: أنا في أسوأ حال, أخرجوني من هنا. قوبلت بالصمت وبدء المعاناة للمرة الثالثة, من القرع ثلاثا  إلى الهدير الذي يسد عليك كل باب للأمل. هنا تذكرت أحب النس إلي وخصصت من بينهم حفيدي زهدي وقلت أخاطب نفسي: إذا لم تعان مثل هذا العذاب الأليم فلن تشفى, أي لن ترى حفيدك يفتح لك ذراعيه الصغيرتين ويهتف: توتا (أي جدو), لن ترى ابنتك العذبة, اخوانك أهلك, أصدقاءك الخلص, فاصبر وانك لمن الصابرين... ويالها لمسة ساحر: عدت خفيفا , مصابرا , مستعدا  لاعادة التجربة مرة أخرى... وحتى بعد أن أفقت من المخدر ظلت صورة الحفيد, البسام, المشرق, تبتسم لي وتشجعني.

في رأيي المتواضع أن الانتحار ناجم عن ضيق الأفق قد أكون سخيفا  ما دمت قبل قليل قلت عنه أنه مركب. ولكن رئاسة بلدية تمنح لانسان عن طيب خاطر من أناس طيبيين, ولو بعد منصب كبير, تستحق أن يتعلق الانسان لأجلها بالحياة...!.

حسيب كيالي

البعث 8/7/1993

باسم الحكومة!

     تجول أحد الصحافيين في الشوارع باحثا  عن موضوع يكتب عنه ويصلح للنشر في الجريدة الحكومية التي يعمل فيها, فخطر له أن يكتب عن الفقر المتفشي, ولكنه تنبه إلى أنه موضوع قد يستغله خصم ما للادعاء أنه معاد للحكومة, ويلمح إلى أن تقصيرها هو المسؤول عن ازدياد الفقر.

وخطر له أن يكتب عن تكاثر حوادث الطلاق, فطرد الفكرة توا  من رأسه حتى لا يتهم بأنه يتناول أمورا  همشية مهملا  القضايا المصيرية.

وخطر له أن يكتب عن الشعر الحديث, فتمطى وتثاءب, وأوشك أن ينام وهو سائر. وخطر له أن يكتب عن أزمة اسير, ولكنه اختار ألا يكتب عنها احتراما  للسيارات الحكومية التي لا تتقيد بقوانين السير تشيع الفوضى.

وخطر له أن يكتب عن الحرية, فقرر حالا  أنها مسألة لا تستحق أي اهتمام ولا يؤبه لها.

وعندما أجهده المشي في الشوارع والتفكير, دخل حديقة عامة طلبا  لقليل من الراحة, وجلس على أحد مقاعدها, فقال له المقعد بصوت متذمر: ؛انهض عني, ما أثقلك«.

فدهش الصحافي, وقال باستغراب: ؛هذا عالم غريب... المواطن لا يتكلم والمقعد يتكلم«.

المقعد: ؛كأنك نسيت أن أساليب التنكر قد تطورت, والعلم الذي أوصل الإنسان إلى الفضاء قادر أيضا  على تحويل مواطن من إنسان إلى مقعد«.

الصحافي: ؛هل تقصد أنك كنت إنسانا ?«.

المقعد: ؛ولا أزال إنسانا  وموظفا  حكوميا  أيضا , ولكني أتقيد بما أؤمر به. أكلف بالتنكر في شكل مقعد, فأصير مقعدا , وقبل أيام طلب إلي  التنكر في هيئة خرف لجمع معلومات عن الأمن الغذائي, وكدت أذبح, وفي يوم آخر تنكرت في هيئة صحافي, فلم أترك شيئا  لم أنتقده, وكل من رحب بانتقادي كشف نياته السيئة واعتقل«.

الصحافي: ؛أنا صحافي, فما هو الفازق بيني وبينك?«.

المقعد: ؛إذا كنت حقا  صحافيا  في هذا البلد, فلا وجود لأي فارق بيننا«.

زكريا تامر

مجلة النقاد العدد /94- 11 /شباط/ 2002

 

بلهاء ومنافقون في العباءة المهرجانية

      لا يوجد على وجه الكرة الأرضية ما هو أكثر من مهرجانات أهل الفن, وإذا جردت ذاكرتك, فسوف تخبرك, إن لم تكن قد هرمت, بأنها سمعت خلال شهر واحد عن مهرجان للتلفزيون, وآخر للمسرح وثالث للفن التشكيلي وأربعة مهرجانات على الأقل للسينما أولها للأفلام الطويلة, وثانيها للقصيرة وثالثها للتسجيلية, ورابعها لأفلام الهواة.

ولا تستغرب إذا سمعت مستقبلا  عن مهرجانات للأفلام المتوحشة, وأخرى للأليفة, فكل شيء ممكن في هذا الزمن الذي تلبست أهله العباءة المهرجانية القابلة للانشطار, فأصبح المهرجان الواحد يفرخ عندهم عشرة مهرجانات, وأصبح الناس ينامون على احتفالية, ويصبحون على ندوة, ويفطرون على حلقة دراسية مع علمهم الأكيد بأن مؤتمرا  ينتظرهم على الغداء, ونكبة مهرجانية أخرى ستصيبهم, وهم في طريق العودة إلى البيت لأخذ قسط من الراحة قبل هضم هذه المهرجانات والمؤتمرات كلها.

     إن الحالة المهرجانية لا غبار عليها من حيث المبدأ, فهي فرصة لتسليط الضوء على أدوار خفية, ومناسبة للتكريم, وحقبة يجتمع فيها أهل كل فن ليتدارسوا طرق تطويره, ويرسموا خطط مستقبله, ولو كان هذا يحصل كله, أو جزء منه, أو أقل من جزء لقلنا لا بأس بكل هذه المهرجانات, والمؤتمرات لكن الذي يحصل أن أغلبها تتمخض, فتلد مسخا , أو تنعقد, وتنفض دون أن تقوم بأي دور باستثناء الدعاية الفجة لبعض الشخصيات التي نظمتها أو دعمتها ماديا  على حساب غيرها.

      في الحالة المهرجانية العربية لا يسأل أحد ماذا جئنا نفعل هنا..?! ولا يكلف الضيوف أنفسهم قبل الحضور بالاستفسار عن الهدف من انعقاد الندوة, أو المهرجان, فالهدف الدائم للضيف البحث عن كاميرات التلفزيون التي تغطي المناسبة ليبتسم أمامها ببلاهة تناسب وزنه الفني, فإن فاتته هذه, وكثيرا  ما تفوته لأن الكاميرات تركز فقط على كبار النجوم, أسرع الضيف المهرجاني للبحث عن بعض المساكين من أهل الصحافة ليغرقهم بأحاديث مشاريعه المستقبلية التي لن ترى النور أبدا  لأن الباحثين عن الشهرة بأي طريقة, أو أي ثمن يخلطون بين الأفكار والمشاريع, وبين الهلوسات واضغاث الأحلام.

     وقد أصبحت المهرجانات الفنية العربية مناسبة ممتازة لعرض كافة أنواع الهلس الجسماني, والعقلاني, فهناك ممثلات لا يأتين إلا ليعرضن ملابسهن الجديدة, وهناك ممثلون يختارون تلك المناسبات لتصفية خصومات, وثارات سابقة مع ممثلين آخرين, وهناك مجموعة دائمة من البلهاء الذين يحشرون أنفسهم هنا, أو هناك ليظهروا في هذه الصورة أو تلك, والغريب في الأمر أن معظم تلك المهرجانات تنتهي ببيانات رسمية أو شبه رسمية تؤكد نجاحها مع أن الجميع يعلمون أنها لم تفعل شيئا  غير إحياء الحفلات, ونصب الموائد لبشر يجوعون من كثرة الكذب, فيلتهمون الأخضر واليابس ليستمدوا قدرات إضافية على خوض الجلسات المتبقية من مناسبات الهلس الفني.

     ولا تخلو بعض المهرجانات العربية من جلسات تكريم رصينة يصل إليها في الغالب من لا يستحق, ويغيب عنها أصحاب الاستحقاق لأن الفنان ,المدع الحقيقي لا يجيد التزاحم بالأكتاف, ولا ألعاب العلاقات العامة, فيغيب, أو ي غيب عن تلك الجلست التي لا يصلها إلا الضالعون في علم الهلس والكوسا.

     ويفترض الناس, وهم في ذلك على حق أن كل مهرجان أو مؤتمر لا بد أن يناقش قضايا جوهرية للنهوض بالفن الذي عقد لأجله, لكن الصدمة ستكون كبيرة حين يعلم أصحاب النوايا الحسنة أن البديهيات ليست بديهيات دائما , فجلسات الاستعراض والنفاق العلني الصباحي يتم استكمالها في المساء بجلسات نميمة مركزة يجتمع فيها المهرجانيون في غرف الفندق على ثلب هذا, وشتم ذاك, وترويج كمية معتبرة من الأكاذيب, والاشاعات التي تأخذ أحيانا  طريقها إلى النشر من قبل محرر فني مغفل ينظر بجدية إلى مسألة التعامل مع الفنانين.

      وليس المقصود من ذكر كل هذه لخلفيات, والخفايا تبني الدعوة لالغاء المهرجانات والمؤتمرات, والاحتفاليات الفنية, فهي ضرورية للاشهار والتعريف, والتطوير, ورصد الاتجاهات, ورسم الاستراتيجيات, لكنها لن تنجح في تأدية تلك الأدوار إلا إذا تخلت عن المديح المبالغ فيه لمنظميها, والمشرفين عليها, فالمهرجان, والمؤتمر فرصة لاعادة التقويم, وتعزيز سبل النجاح, وليس مناسبة مدائحية لنفاق هذا الوزير, أو ذاك المدير, فإما أن تدرك المهرجانات العربية دورها, وواجباتها, وإلا فلا لزوم لاضاعة الوقت, ولا معنى لكل ذلك الرياء الذي يتم ارتكابه بحجة العمل على تطوير الآفاق الابداعية, والأساليب الفنية.

د. ريموت بن كونترل

عن مجلة تي في TV العدد 94 -17/7/1995

--------------------------------

الصفحة 21 : العشرة الطيبة

عشرة اسباب تدل ان السوريين شعب سعيد

10-  لأن النشرة الجوية  تبهج مزاجهم بالاعلان عن جو ربيعي في كل فصول السنة ، وتخفض  درجة الحرارة صيفا وترفعها شتاء ، ويتواطؤون على تصديق تنبؤات النشرة وأرقامها لأنهم شعب يتقبل المزاح أولا ، ويحسن الظن بنوايا الآخرين ثانيا فيعتبرون هدف نشرة الأرصاد الجوية الأساسي رفع معنوياتهم  !

9-لأن راتب الموظف السوري يجعله لا يرتبك ولايحتار في طريقة صرفه ، فهو يصرف من تلقاء نفسه في الايام الخمسة الاولى من الشهر ، بحيث يخلد صاحبه بعدها إلى النوم مطمئنا غير خائف من اللصوص ، ولا يحتار في أي المجالات سيصرف فائض راتبه لعدم وجود هذا الفائض !

8-لأن وجود W.C  في بيته يمكنه من التعبير  عن رأيه وديمقراطية بكل حرية دون وجود شخص آخر معه ( حتى أقرب الناس إليه ) قد يشك في كونه لاسمح الله مخبرا ، وقد زاد سروره اكثر بعد مساعدة القطاع الخاص للدولة بنشر اماكن الراحة في مختلف شوارع دمشق ، فصار حرية التعبير عن الرأي مشاعة في الشوارع ، ومدعومة من القطاعين العام والخاص !

7-لأن انتخابات مجلس الشعب التي فضلا عن انها تساهم في تحريك وتشغيل بعض المهن الأساسية المفيدة للاقتصاد الوطني كالخطاطين وفرق العراضات الشعبية ،ومقدمي القهوة المرة ، تمنح المواطن السوري دخلا اضافيا يقدمه المرشحون عن طيب خاطر ويتقبله الناخبون أيضا عن طيب خاطر لقاء اصواتهم التي يدركون انها لا تزيد او تنقص ، كما ان الانتخابات تمنح الناخبين  فرصة لدخول مطاعم يتجنبون المرور قربها في الاوقات العادية ‍‍‍‍!

6-لأن الصحف السورية تعتبر أن من واجبها التوفير على المواطن السوري وعدم تحميله تكاليف اضافية بدفع اثمانها كل يوم ، فتلجأ إلى تكرار نفسها بحيث أن  بامكان المواطن السوري شراء جريدة واحدة في الاسبوع او الشهر دون ان يفوته أي شيء !

5- لان المواطن السوري يصدق الاغنية التي انتجها التلفزيون السوري والتي تقول كلماتها انا سوري آه يا نيالي باعتبارها جزءا من نشرة الاخبار لا من برنامج ما يطلبه الجمهور !

4-لأن احزابهم السياسية لا تتناحر مع بعضها البعض ولها رأي واحد في كل قضية ، وأعضاءها يرفعون أيديهم بطريقة واحدة في مجلس الشعب دلالة الموافقة ، ولا يشاهدون المظاهر المؤذية التي تخدش الحياء حين يتشاجر اعضاء الاحزاب في اليابان او ايطاليا داخل برلماناتهم ويضربون بعضهم بعضا !

3-لأن السوريين  يستطيعون مشاهدة ابطالهم التاريخيين كصقر قريش وصلاح الدين الأيوبي وهولاكو والزير سالم يمشون بينهم وقربهم ويركبون السيارات المرسيدس ، ويتواضعون أمام المسؤولين في الدولة على الرغم من شهرتهم التاريخية ، مما يعني أن المسؤولين السوريين أكثر أهمية من الأبطال التاريخيين ، وهذا مايفخر به السوريون حقيقة .

2-لأن المسؤولين يتلقون الصدمات عن الشعب السوري سياسيا ويحرسونه امنيا واولادهم ينعشونه اقتصاديا !

1-لأن المواطن السوري لن يستطيع إلا ان يكون سعيدا والا فانه سيطق ويصاب بالجلطات الدماغية والازمات القلبية من كل ما يجري حوله !

---------------------------------

الصفحة 22 : ملاعب

ألو رياضة .. ألو سورية:

دفاعا  عن تخلف الدوري السوري

زياد  عدوان

    في البداية أريد أن أشير إلى أني من المتابعين المتحمسين للرياضة وكرة القدم بالتحديد والدوري السوري بتحديد أكثر. وغالبا  ما أثار هذا الشغف وذهابي إلى الملاعب لمتابعة فريقي المفضل استغراب البعض مستنكرين: الدوري السوري ?!

     إلى الآن أعرف سبب امتعاض البعض من الدوري وطريقة اللعب فيه وكأن طريقة اللعب وشكل الملاعب والخطط التدريبية في الدوري السوري أمر خارج على المألوف في هذا البلد. المحير في الأمر هو التذمر من متابعة الدوري السوري وكأنه العيب الأول أو النشاط السي ئ الوحيد في هذا البلد. ألا يلاحظ المتابعون أن النشاطات الثقافية والفنية والتربوية والتعليمية والاقتصادية.. الخ سيئة كلها? إذا  لماذا هذا التذمر من الدوري السوري بالتحديد ?

يبدو أن الامتعاض العام من الأوضاع العامة في البلد قد انصب بمجمله على الدوري السوري وبما أني أكره الظلم أجد نفسي منقادا  للتعاطف مع كرة القدم فهي ليست مذنبة ولكن مشكلتها الوحيدة هي أنها تجري في سورية.

رغم التشابه السي ئ بين هذه النشاطات تبقى للدوري السوري ميزة وهي شبهه الكبير بالبلد وعكسه للتفاصيل  السيئة فيه فحال الملاعب لا يختلف عن حال الطرقات وإدارات الأندية لا تختلف عن إدارة بقية المؤسسات. والتزام اللاعبين يشبه دوام الموظفين الحكوميين في دوائرهم . أما الحوافز فهي نفسها أينما ذهبت.

      أما الميزة الأهم للدوري السوري ( وهنا سأضع المزاح جانبا ) هو أن الدوري هو النشاط الوحيد في سورية الذي لم يأخذ حيزا  أكبر من حجمه أي أنه الفعالية الوحيدة المستمرة دون ادعاءات أو شعارات. المعنى واضح هنا: سيبقى الدوري على حاله, ولا توجد أية عقود أو إشارات تأمل بتحسين حال الملاعب أو أن تتطور كرة القدم السورية, لتصبح على مستوى عالمي.

      حقيقة هذا هو واقع الحال فلا شيء يشير على أي صعيد تتطور ولكن ما يرادف هذا الركود هو الشعارات والوعود و(شيل الزير من البير) أما فيما يتعلق بالدوري السوري فيبقى الأمر  عند أحلام الفوز ببطولة الدوري والكأس وحتى الدورات المحلية نراها بعيدة عن اهتمامات اللاعبين والأندية. وتبقى الحساسيات والقرارات الآنية هي الحديث الهام دون وجود برنامج للتطوير. فالعقوبات جاهزة للحوادث الآنية دون التفكير بجدواها أو ملاءمتها للمنهج الموضوع لرفع مستوى الرياضة ( مع التشكيك بأن هذ البرنامج موضوع أصلا ). وتأكيدا  على وجود هذه الحساسيات لا أظن أن جمال كاظم سينسى حسان عباس. وستبقى الحساسية قائمة بين الأندية. ألا ترون أن هذه الحساسيات شبيهة بحساسيات الوسط الفني ومشاكل التجار. هذه الحساسيات تتركز حول كراهية الأندية من المحافظة الواحدة لبعضها بعضا  أو الحساسية التي يتم تغذيتها سنويا  بين حطين والكرامة أو تشرين والوحدة أو الكرامة والجيش كل سنة.

    أعود لأتساءل هل حال المسرح السوري والدراما والغناء والاقتصاد والطرقات والتعليم أفضل من كرة القدم وهل يبدو مستوى المعيشة للمواطن السوري أفضل? في كل سنة يؤكد الدوري السوري أنه قادم من صميم واقعنا ولهذا أحبه وأتابعه بتفاصيله رغم أني مقيم في انكلترا منذ أربع سنوات.

ملاحظة:

هناك إحساس ما بأن إسرائيل ستهابنا أكثر عندما نفوز بكأس العالم وصدقوني أني لا أمزح.

على خط المرمى

غانم محمد

      مرمانا لم يزل في مكانه, وإن كنا قد أوقفنا التسديد عليه ردحا  من الوقت, لكني لا أخفيكم أن ورشة ؛الدومري« كانت خلال هذه الفترة في حالة معسكر جدي ليس كمعسكرات منتخباتنا الوطنية (الخلبية) وسترون أن هذا المعسكر قد عاد بالفائدة على فريق الدومري...

سنتابع ما بدأناه مستعينين بالله وبآرائكم وملاحظاتكم فلا تبخلوا بها علينا...

اطرحوا علينا أي قضية رياضية لنناقشها بجرأة دومرية معكم ومع أصحاب الشأن ولا تخشوا في الحق لومة لائم..

أمامكم هواتف الجريدة وعناوينها البريدية والكترونية وبامكانكم الحصول على أرقام محرر هذه الصفحة (المتسلل) من الجريدة فلا تترددوا بمساعدتنا في تحرير هذه الصفحة..

أمام مرآة النفس...

الحسابات الشخصية ضي عت الرياضة السورية

     كثرت الأسئلة ولكن لا حياة لمن تنادي

      إن جن بنا السنوات الثلاثة الماضية من عمر رياضتنا الوطنية مطب الخسارة (ولو معنويا ) فهل نستطيع أن نضعها على عتبة المكسب ولو معنويا  أيضا ?

     سأعتبر أننا استطعنا الحفاظ على ما لدينا فنيا  في حقل هذه الرياضة فلا كرة القدم تحركت خطوة إلى الوراء ولم ت ذقنا أي مرارة جديدة ولا السلة ركنت إلى خوائها وآثرت صمت المشاركات الخارجية ولا الطائرة حط ت اضطراريا  ولا اليد ش ل ت ولا المصارعة خارت ولا القوى انقرضت.. الخ لكن من يستطيع - باستثناء الاتحاد الرياضي - أن يقول أن أيا  من هذه الألعاب قد أضاف أي جديد لرصيده?

     لم نتراجع, سنسلم بهذا القول الهزيل, لكننا لم نتطور بالرياضة وهذا القول من حقه أن يخرج جهارة, إذا  ما الذي فعلناه خلال السنوات الماضية وأين مردود كل تلك الأموال التي صرفت?

   أحيانا  أشفق على الاتحاد الرياضي العام لكثرة ما يتلقى من انتقادات وأتمنى أن يحقق إنجازا  رياضيا  واحدا  على الأقل في السنة ليغطي به سوء إدارته للرياضة لكن لا يكاد هذا الاتحاد يخرج من مطب حتى يسقط بغيره, ففقد بالتالي مصداقيته وقدرته على الإقناع حتى بين أعضاء مكتبه التنفيذي فراح كل   منهم يغن ي على ليلاه خارج أروقته, وكل واحد يقذف التهم بعيدا  عنه وإن لم يخص غيره بها!?

      على مسرح عملنا الرياضي الحالي, اضطررنا للوك المتناقضات في محاولة تفسير الكثير من القرارات المالية والمنشآتية لكن عبثا , وهيهات نفسر الماء مهما اجتهدنا بغير الماء.. رياضتنا الوطنية في تراجع مستمر والسبب الأكبر بذلك انشغال القائمين عليها (بحساباتهم) الشخصية والخلافات التي فاحت رائحتها داخل المؤسسة الرياضية وقلة الخبرة الفنية لدى بعضهم أو اعتبار المسألة الفنية ثانوية في أولويات عملهم...

      اضطربت في السنة الفائتة كل بطولاتنا المحلية, ومن سلم منها تنظيميا  لم يسلم منها فنيا  والعكس صحيح, ورضينا بقشور المشاركة ورمزيتها, وسعينا للخسارة بدل الفوز حتى نوفر على أنفسنا ليرات معدودات يمكن أن يصرفها رئيس النادي أذونات سفر له وللمقربين منه, وأصر   الاتحاد الرياضي على اعتبار نفسه المسؤول الوحيد والأب الروحي لجميع الأندية ومع هذا تركها تتسول وتستجدي الميسورين من أجل حفنة  من الماء يدفعها لقاء النوم ليلة واحدة في فندق بلا نجوم لينجز مباراة محددة, ويضطر لاعب محترف في ناد  مثل اليقظة للقبول بألف ليرة شهريا  لأن النادي مفلس, وي طالب بمقارعة لاعب راتبه (05) ألف ليرة في الوحدة والاتحاد فأين دور الأب هنا, وكيف يسكت على هذه الفوارق بين بنيه?

     لماذا يدفع فرع دمشق للاتحاد الرياضي حصة كبيرة من رواتب لاعبي ومدربي فرق العاصمة ويعجز فرع دير الزور عن فعل الشيء نفسه مع فرقه (الغلبانة) فهل قوة الفرع من قوة رئيسه أم أن الكل يجب أن يكونوا سواسية حين توزيع الغنائم?

     الأسئلة كثيرة ومريرة, ويكاد حلقنا ينشف من كثرة تكرارها ولكن لا حياة لمن تنادي وكأنهم يقولون لنا: دقوا رؤوسكم بالحيط واللي مو عاججبوا يطق...

كرم حاتمي

    تبرع رئيس الاتحاد الرياضي العام د. نوري بركات بمبلغ مئة ألف ليرة سورية للجنة الصحفيين الرياضيين التي تتبع لاتحاد الصحفيين, وهي مبادرة تستحق الشكر لو أن الاتحاد الرياضي يوف ر لاتحاداته وأنديته كل الأموال التي تحتاجها, أما أن يصلنا أنين العديد من الأندية ولهاثها وراء إعانات لانجازات أنشطتها ونصرف للجنة الصحفيين هذا المبلغ وهي الخارجة من دورتها الكروية بنصف مليون ليرة فليس له ما يبرره إلا محاولة الاتحاد الرياضي مد  مظلته على هذه اللجنة..

معك حق يا أبا زاهي

      بعد انتهاء دورة كروية أقيمت مؤخرا  في حلب وكان لولبها ومحركها عضو اتحاد الكرة محمد سالم أقيم حفل تكريم على حساب الشركة الراعية وزعت فيه الهدايا على بعض الذين لا علاقة لهم بالدورة بينما تم تجاهل المذكور بشكل متعم د من قبل أحدهم فما كان من (أبو زاهي) إلا أن غادر المكان بصمت ولم تجد  بعدها محاولات الإصلاح..

والله حرام

     سامحك الله يا د. مروان دويعر...

د. دويعر هو رئيس مكتب المنشآت بالاتحاد الرياضي العام... ولا أعرف ما الذي يضايق هذا الرجل من محاولة البعض الاستفادة من مشاريع ومناقصات الاتحاد الرياضي و(ماسك الشغلة حنبلية) فراح يلغي مناقصات سبق أن تمت الموافقة عليها ويدقق بالجديد منها على الليرة وربع الليرة..

خل ي الناس تسترزق يادكتور... والله حرام..

مدرسيات

     البطولات الرياضية المدرسية التي انتهت قبل أيام عل قوا عليها آمالا  عريضة في مستقبل الرياضة السورية ويمكن أن تكون كذلك فيما لو كان أساسها سليما  مئة بالمئة...

وعلى ذمة الرواة فإن عددا  كبيرا  من أعضاء هذه الفرق ليسوا من تلامذة المدارس فهل نراجع حساباتنا!?

قالت العصفورة

- تبذل جهود حثيثة على أعلى المستويات لتطويق أحد أعضاء المكتب التنفيذي للاتحاد الرياضي العام والسبب نزاهته الزائدة!?

- حاول مسؤول رياضي استمالة إحدى المعارضات لصف ه ولكن على مين!

- ما زال التوتر على أشد ه بين اثنين من المسؤولين الرياضيين والبقية يدورون إما مع هذا أو مع ذاك حسب المصالح الشخصية ولتذهب الرياضة إلى الجحيم..

- إحدى الصحف الرياضية استعاضت عن المحررين لديها بالصحف الأخرى:  من هنا هبشة ومن هناك كمشة..

وياهيك الصحافة يا إما بلا...

أنا الزعيم

     مسكين عبد الفتاح حوا مدرب فريق الحرية حين رفض لاعبه مهند الشيخ ديب الخروج من الملعب بناء على قرار المدرب بالتغيير أمام كل المسؤولين الرياضيين في نهائي دورة الصحفيين في مباراة منقولة على الهواء مباشرة..

فإن كانت هذه هي (سلطة) المدرب على اللاعبين بالمباريات وأمام الجمهور فكيف هي أثناء التدريب..?

على فكرة: حضرت مرة تدريبات أحد فرقنا المحلية وكان المدرب يرجو كل لاعب باسمه على تنفيذ التدريب المطلوب وبعد هذا نسأل لماذا لاعبنا غير منضبط?

تذكير

     فقط أحب  أن أذكر اتحادنا الكروي بأن ينب ه مدربه الجديد البولوني (فوجينيك) إلى لعبة التصريحات عندنا وألا يعدنا بأي انجاز قريب لأننا لسنا على عجلة من أمرنا وكما وعدنا من جاء بالثمانينات بالوصول إلى كأس العالم 8991 بفرنسا ووعدنا من جاء بالتسعينات بالكأس 2002 و6002 ليعدنا السيد فوجينك بالوصول إلى كأس العالم 0102 أو 4102 ولماذا العجلة?

-----------------------------

الصفحة 23 : طوارئ الدومري

 

حكاية مواطن ترفض مديرية الصحة تنفيذ حكم القضاء القطعي بإعادته إلى عمله!

عاد إلى وظيفته بقوة القانون ... لكن مدير الصحة قال له:

عندما يكون هناك قانون في البلد سأقبل بإعادتك إلى عملك !

 

     هذه حكاية مواطن, لجأ إلى القضاء لينصفه, وعندما قال القضاء كلمته.. رفضت مديرية الصحة تنفيذه !

     هذه حكاية مواطن.. تستحق أن تكون أنموذجا  لصناعة القهر على أيدي موظفين صغار, يتهكمون على ألمك ومعاناتك وهم يصفعونك بعباراتهم السادية: اشرب البحر... اشتكى لنرى من سيسمع لك !

لكننا ولأننا نعمل تحت سقف القانون ونحترمه, سمعنا وسنسمع له ولغيره.. وهذه هي حكايته باختصار !

قصة تستحق أن تروى

     السيد ناجي بن جميل بشارة إداري عريق في المجال الصحي, فقد كان مديرا  إداريا  لمشفى المجتهد بين عامي (28- 68) ومديرا  إداريا  لمشفى التوليد بين عامي (68-78)  ومديرا  إداريا  لمشفى الهلال بين عامي (78- 09) ثم مديرا  إداريا  لمشفى ابن النفيس بين عامي (0991- 6991) وهنا بدأت مشكلته ..... يقول:

     (بدأت مشكلتي مع مدير الصحة السابق محمد الديراني لخلافات ليس لها علاقة بالمهنة.. فجأة تم إعفائي من منصبي ووضعوني بلا عمل.. وجدت نفسي في أروقة المشف-ى, بلا عمل ولا كرسي ولا طاولة.. بعد فترة (تاريخ: 61/3/7991) تم تكليفي من قبل رئيس المشفى برئاسة ( شعبة العاملين), فقدمت اعتراضا  خطيا  على ذلك, لأن هذه الشعبة لا وجود لها في المستشفى ولا نصت عليها التشريعات الصحية النافذة وثانيها: لأنني موظف من الفئة الأولى وبالتالي فإن الأمر بتكليفي لابد أن يصدر  عن السيد الوزير وليس عن رئيس مستشفى تابع إلى مدير الصحة, وقد استمررت بالدوام بلا عمل وبالتوقيع على الدوام, إلى أن فوجئت بضرورة مباشرة العمل تحت طائلة اعتباري بحكم المستقيل وإحالتي للقضاء.. فتقدمت باعتراض على ما ورد في الكتاب سجل بتاريخ (31/4/7991) أكدت فيه عدم انقطاعي عن العمل. ثم طلبت إحالتي إلى طبيب الموظفين وحصلت على تقرير طبي لمنحي إجازة مدتها إسبوعان اعتبارا  من 92/4/7991 وقد صدق هذا التقرير من اللجنة الطبية لفحص العاملين, وبإنقضاء الإجازة المرضية تابعت عملي بالمشفى..

     لكن عند إرسال إجازتي ضمن جدول الإجازات إلى مديرية الصحة, لأنني موظف فئة أولى, ويجب توقيع إجازتي من الوزير... تم إسقاطها, واختفت تماما .. واعتبرت متغيبا  عن عملي وتم منعي من التوقيع على دفتر الدوام بتاريخ (5/6/7991) وعندما قدمت احتجاجا  خطيا  إلى رئيس المشف-ى فوجئت بصدور قرار اعتباري في حكم المستقيل وعدم عودتي خلال المدة القانونية.

فتقدمت بتظلم أؤكد فيه عدم صحة واقعة الانقطاع عن العمل وطلب سحب القرار.. وعندما لم تفلح المساعي لجأت إلى القضاء.

س: وماذا حدث في القضاء ?!

     وبتاريخ 91/11/1002 صدر قرار المحكمة بإلغاء القرار الصادر بحقي والذي يعتبرني في حكم المستقيل, وكل ما ترتب عليه من آثار وإلزام الجهة المدعى عليها, بإعادتي إلى عملي السابق وصرف تعويض لي يساوي 05% من الأجور التي كنت أستحقها عن المدة التي منعت فيها من ممارسة عملي, وتضمين الجهة المدعى عليها أتعاب المحاماة.

وبتاريخ 22/6/3002 أرسل القسم الإداري في إدارة قضايا الدولة كتابا  إلى مديرية الصحة جاء فيه, تصديق الحكم الآنف الذكر, واعتباره (حاز قوة الأمر المقضي) ومطالبا  بإجراء المقتضى ( على ضوء ما ورد بقرار الحكم المكتسب الدرجة القطيعة).

يا أنا.. يا أنت في هذه المديرية !!

     لكن مدير الصحة السيد جهاد الأشقر وفي التاريخ نفسه (22/6/3002) استصدر قرارا  من وزير الصحة يقضي بتعيين السيدة باسمة محمد خلوصي عرابي في مكان السيد ناجي جميل بشارة بالوكالة, ثم أرسل إلى وزارة الصحة كتابا  بتاريخ 7/7/3002 يرد على الكتاب القاضي بطي قرار اعتبار السيد بشارة بحكم المستقيل يقول فيه:

(نعلمكم بأن قرار بحكم المستقيل قد صدر منذ عام 7991, ولقد تم استخدام شاغره للآنسة باسمة عرابي وحاليا  الشاغر غير متوافر, يرجى التوجيه وإبداء الرأي).

س: عندما راجعت مدير الصحة أخيرا  ماذا كان رده على الأحكام القضائية القطعية التي تحسم حقك بالعودة إلى عملك ?!

     قال لي كما هو موضح في كتابه, أنا لا ملاك عندي, فقلت له: الملاك موجود لأن الشاغر العائد لي, عينتم له موظفة بالوكالة, وإذا حضر الأصيل بطل الوكيل حسب قانون العاملين الأساسي. . ثانيا  .. أنت أصدرت قرار تعيينها في نفس اليوم الذي تسلمت فيه قرار المحكمة بطي قرار اعتباري في حكم المستقيل.. وأمام هذه الإثباتات والمخالفات القانونية الصريحة, قال لي: ( أنا لا أريدك.. يا أنا يا أنت في هذه المديرية. فقلت له: أنا عائد إلى علمي باسم القانون.. فرد متهكما : حين يصير هناك قانون في هذا البلد سأسمح بعودتك).

) ست سنوات والحكم لم ينفذ !

كل الوقائع والأوراق الثبوتية وأحكام القضاء, تثبت حق السيد جميل بشارة بالعودة إلى عمله.

كل ما قدمه لنا, يثبت أن التلاعب والاستهتار بالقانون بلغ حدا لا يصدق ولا يعقل ولا يستسيغه ضمير.

      وحكاية السيد جميل بشارة, التي قد تبدو (مشكلة شخصية) كما يسميها أصحاب القضايا الكبرى الذين يحبون أن يتحدثوا دائما  في العموميات, ليست كذلك على الإطلاق.. إنها نموذج لكثير من الحوادث التي يستخدم فيها المسؤول سلطته بشكل تعسفي, معتبرا  أن الشكاوى مصيرها سلة المهملات, وكلام الصحافة لا يقدم ولا يؤخر.. ومن لا يعجبه فليشرب البحر !

   ست سنوات قضاها السيد بشارة في أروقة المحاكم, ونحسده مثلما نشكره على صبره ودأبه وإيمانه بقوة القانون..

    ولكن من يصدق أن القانون بات بحاجة لمن يحكمه من قوة بطش هؤلاء على هذا النحو السافر في تحديه واستهتاره واستفزازه ?!

نرفع صوتنا عاليا  .. لأننا رغم كل شيء لم نصدق بعد !

بوسطجي

 

- هممت بكتابة مسلسل تلفزيوني.. وقد أحب والدي الاطلاع على بعض ما كتبت.. ثم راح يضحك... وسألته عن سبب ضحكه, فقال: انظري ماذا كتبت...

واتضح أني بدل أن أكتب عبارة ؛لهداك اليوم فرج ورحمة«.. كتبت: ؛لهداك اليوم فروج ولحمة«!..

فماذا تفسر ذلك ياسيد بوسطجي?...

مها الخطيب - حلب

 هذه يسمونها زلات اللسان... وصارت نسبة كبيرة من جمهورنا يقع في هذه الحالة.. وأحد الأساتذة قال لطلابه افتحوا الكباب بدل أن يقول لهم افتحوا الكتاب.. قال لهم: افتحوا الكباب... وأحد الموظفين المعترين قال لزوجته: أنا ذاهب إلى الكبة بلبني ة, بدل أن يقول أنا ذاهب إلى الصيدلية... وأحدهم التقى بصديقه, وسأله: إلى أين أنت ذاهب?... وبدلا  من يرد الصديق: أنا رايح ع العزيمة قال له: راحت ع الحكومة!..

_ استأت كثيرا  لغياب ؛الدومري« عن الأسواق... عسى أن يكون المانع خيرا ... وإن كانت لن تصدر في المقبل من الأيام فأرجو شرح أسباب الغياب... وفي حال عودتها سأزودها ببعض رسوماتي الكاريكاتيرية...

صالح الظاهر - حلب

ها هي الدومري تعود إلى قرائها الأعزاء.. أما أسباب الغياب فمشروحة في هذا العدد..

ويقول المثل: ؛كلما جعت بتاكل أطيب.. وبتلحوس أصابيعك بعد الأكل.. ولكن دير بالك أن تقضمها... وعين الحسود فيها عود.. وقانون بلا أوتار.. كمان!..

_ بصفتي فردا  من أفراد المجتمع, والكادح منه خاصة أحب أن أقدم نصيحة لأعضاء مجلس الشعب الذين نجحوا لهذه الدورة, وملخص نصيحتي هي بما أن مدة الدورة أربع سنوات, فهذه المدة لا تكفي لاصلاح حال المجتمع, ولا بد لكم من البدء منذ الآن بحملة الترشيح للدورة القادمة.. فما رأيكم دام فضلكم..

مالك الرشيد

اقتراحك بالمختصر هائل.. ونحن لسنا أكثر من وسطاء لتوصيل رسالتك... وأما إذا أردت رأينا فنخشى على جدران مدننا من أن تهبط من ثقل الصور فوقها... أولا ... وثانيا : ألم تفكر يا أخ أن الأعمار بيد الله... ولا حول ولا قوة إلا بالله?...

_ طمنوني... ليش توقفتم?.. هل خلص البنزين أم بنشر الدولاب?...

عبد السلام حداد

يا سيد عبد السلام... مركبة الدومري لا تسير على البنزين ولا على المازوت... بل على الوقود الذري للحرية.. وإذا كان الدولاب قد بنشر فهذا ليس بسبب الدولاب... بل بسبب أولاد ال- (....) الذين وضعوا لنا المسامير في الطريق... وعلى أية حال ها نحن نعود لننطلق بصاروخ ذي محرك توربيني... وخليهم يلحقونا...

_ كل المواد التي تدرس في المدارس والمعاهد والجامعات تدرس نظريا  في الكثير من المواد, ثم تجري لها دروس عملية كتجارب الكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والجغرافيا... ما عدا مادة التاريخ التي لا يمكن تقديم دروس تطبيقية لها فهل تعرفون السبب...

سعيد مصطفى اليوسف - الباب

نفيدك علما  أن مادة ؛القومية« أيضا  ليس لها تطبيق عملي.. أما ؛النظري« فيها فمكتوب باللغة السنسكريتية... وأما بالنسبة لمادة التاريخ فلا يمكن التطبيق فيها لأن التاريخ لا يعيد نفسه... وإذا أعاد نفسه فعلى شكل مسخرة!

- هوايتي هي ملاحقة النشالين والنصابين والمرتشين والسارقين... وأما طموحي وحلمي فهو أن أصير مديرا  عاما ... أو أعلى قليلا ...

فهل تدلوني على الطريق... على طريقة عطشان ياصبايا?...

يزدين مصطفى - المالكية

شو بد ك بهالشغلة يا ابني... يعني إذا صرت (فوق) فكيف تريد ممارسة هوايتك?...

وهل يجتمع البوظ والنار معا ?.. وهل تريد بدلا  من أن تكون ملاح قا  (بكسر الحاء) ستصبح ملاح قا  (بفتح الحاء).. شو ما شفت (الهر ) الذي ذبحوه قبلك?.. توكل بالله يارجل.

--------------------------------

الصفحة 24 : الأخيرة

اعتقال الكتروني للمواطن السوري

د.ميه الرحبي

    في الوقت الذي يطل علينا السيد وزير المواصلات بتصريح يعلن فيه أن وزارة المواصلات ومن خلفها الحكومة السورية جادة في نشر ثقافة الانترنيت وتشجيع استخدامه على نطاق واسع ،تصدمنا يوميا الاجراءات التي تتخذها الجهتان المشرفتان على استخدام المواطن السوري للانترنيت ، والتي تذكرنا بالمنع الشهير لاستخدام الصحون اللاقطة للفضائيات ، والذي بقي ساريا رسميا ، حتى اليوم الذي انتشرت فيه غابات الصحون فوق أسطح البيوت في جميع المدن السورية .

    لم يعد خافيا على أحد أهمية الانترنيت ، والفائدة العلمية والثقافية الهائلة التي وفرت على مستخدميه جهدا ووقتا هائلا في الحصول على أحدث المعلومات في كافة المجالات العلمية والتقنية والثقافية ، ولا مجال هنا لسرد الكمية الهائلة من المعلومات التي قدمتها هذه الوسيلة لملايين البشر ، بجهد لا يستلزم منهم أكثر من الجلوس خلف طاولة الانترنيت ، وكبس أزرار الجهاز .

      هذا عدا عن أهمية الانترنيت  كوسيلة إعلامية هامة ، فتقنيات الاتصال الحديثة التي كانت مسخرة بدءا خدمة لسياسة القطب الواحد ،  الهادفة إلى السيطرة على العالم في إطار العولمة ، أصبحت في الوقت نفسه ، رحمة ومتنفسا للشعوب الضعيفة العاجزة عن مقاومة هذه السياسة اقتصاديا وعسكريا  ، فبات بإمكان أي مواطن من الدول المستهدفة استخدام الانترنيت ، كي يقاوم ثقافيا وفكريا هذا الاستعمار الجديد ، الهادف إلى محو وجوده وهويته ، والسيطرة على أوطانه  و مقدراته واقتصاده ، ولعل المقالات والعرائض والرسائل الموجهة إلى كافة المنظمات الدولية وأماكن صنع القرار ، والتي نددت بالغزو الأمريكي البريطاني الجائر للعراق ، ومن قبله الاجتياح الإسرائيلي الهمجي ، ومجازره اليومية ضد شعبنا في فلسطين ، في حملة قادها شباب عربي ملتزم بقضايا أمته ووطنه ، والتي ساهمت في إيصال موقفنا و شرح قضايانا العادلة لأناس في مختلف أرجاء المعمورة ، لخير دليل على ذلك .

     عدا عن ذلك ، ساهمت هذه التقنية في تعميق الصلات بين المجموعات الالكترونية العربية ، التي مثلت وجهات نظر الجهات الوطنية الملتزمة بقضايا أمتها ووطنها ، وتبادل الرأي والمشورة والنقاش في القضايا الإشكالية المعقدة ، وربما في حل الخلافات العالقة ، و مثال ذلك تنسيق حملات مقاطعة البضائع والمصالح الأمريكية وبضائع الشركات الداعمة للكيان الصهيوني ، بين لجان المقاطعة في مختلف أرجاء الوطن العربي ، والتي أتت ثمارها على الصعيد العملي الواقعي .

    وهنا تأتي الجهات المشرفة على الانترنيت في سورية ، لتمارس  عسفا وقهرا على مستخدم الانترنيت بشكل لم يسبق له مثيل في أي بلد في العالم ، فتمرر ما تعتقده مناسبا للمستخدم ، وتحجب ما تقدر أنه " ضار" بعقل المواطن السوري  ، من منظور الوصاية البطريركية ضيقة الأفق ، التي تعتبر المواطن دائما قاصر العقل ، لا يملك ما يكفي من النضج الفكري والعقلي ، ما يتيح له استخدام هذه الوسيلة بطريقة تخدم مصلحته ومصلحة بلاده ، بل إن في ذلك تشكيك في مواطنيته ، وإخلاصه لوطنه ، وقدرته على محاكمة الأمور، واستخدام هذه الوسيلة الحضارية بما يليق وسمعة شعبنا ، الذي يمتلك مقدرا من الثقافة ، والحس الوطني ، والإيمان بقضاياه المصيرية ، ما يؤهله باعتراف العدو قبل الصديق ، أن يحمل الهم الوطني في وجدانه في كل لحظة ، أم أن هناك من يشكك في ذلك !!!

     و في الوقت الذي تتجه فيه البلاد نحو التغيير والانفراج ، وتبني سياسة الحوار في بحث الأوضاع الداخلية ، وسبل مواجهة الهجمة الشرسة التي تتعرض لها منطقتنا والتهديد الأمريكي المتواصل لبلادنا ، يعيش المسؤولون عن الانترنيت في عالم آخر ، يمثل عصرا حجريا بالنسبة إلى ما وصلت إليه وسائل الاتصال في العالم وتطورها ، فيحجبون المواقع التي لا تعجب أذواقهم ، ربما لوجود مقال ما فيها لم يطابق أمزجتهم ، في وقت يصل فيه هذا المقال أو ما يوازيه جرأة وصراحة عن طريق الفضائيات التي تدخل كل بيت ، أو ربما عن طريق صحيفة عربية تدخل إلى سورية في نفس اليوم بشكل عادي ، بل حتى عن طريق مستخدمي الانترنيت الحاذقين ، الذبن يعرفون كيف يتحايلون على أساليب المنع هذه ، وقد  وصل الأمر في المسؤولين عن الانترنيت إلى حد حجب المواقع الشهيرة ، التي كان يتم عن طريقها تبادل الرسائل مع العالم كله ، فقطعت بذلك وسيلة اتصال هامة لمستخدم الانترنيت السوري مع العالم الخارجي ، مما عطل أعماله ، وأشغاله ، وتواصله الإعلامي مع جهات عدة ، بل قطع حتى حبل التواصل والتراحم بين السوريين وأهلهم في الخارج .

      فإن كان حجب المواقع لأسباب رقابية ضيقة الأفق ، مفهومة الدوافع ، فما هو مبرر حجب مواقع تبادل الرسائل ؟ إن كانت الحجة اقتصادية ، كي يستخدم المواطن المواقع السورية فقط ، فتلك مصيبة ، لأن المواقع السورية لا تغطي احتياجات جميع المستخدمين ، كما أنها ولسبب لا ادري إن كان تقنيا أم لا ، لا تمرر جميع الرسائل الصادرة والواردة ، هذا عدا عن أن في ذلك مصادرة للحرية الشخصية ، أما إن كانت الحجة سوء استخدام المواطنين السوريين لهذه المواقع ، فالمصيبة أعظم  ، لأن في ذلك دليل على استخفاف هذه الجهات بعقل المواطن السوري ، واعتباره ينتمي حضاريا إلى مرتبة أدنى من بقية شعوب العالم أجمع ، كما أن سوء الاستخدام من قبل بعض الحمقى لهذه الوسيلة موجود في العالم كله ، وليس مبررا لهذا الحظر ، الذي يمثل بحق اعتقالا الكترونيا للمواطن السوري .

من ناحية أخرى ، تبلغ كلفة استخدام هذه التقنية من قبل المستخدم في سورية أرقاما فلكية ، مقارنة مع دخله ،  وبقية دول العالم ، فقد يكلف استخدام الانترنيت من قبل مستخدم نشيط  مبلغ ألفي ليرة سورية شهريا ، أي ما يعادل ثلث متوسط راتب الموظف في سورية ، وذلك يشكل أيضا عائقا هاما أمام تشجيع نشر تقنيات وسائل الاتصال الحديثة في سورية .

     لقد آن للجهات المشرفة على الانترنيت أن تكون على مستوى تطور التقنية التي تشرف عليها ، وأن تواكب روح العصر ، وما يحدث في العالم ، بل التغيير الحاصل في البلاد ،  وأن تتيح للمواطن السوري أن يساهم في ثورة الاتصالات ، ضمن رؤية جديدة لأهمية مشاركة جميع الوطنيين المخلصين في بحث مشاكل وطنهم بكل صراحة وشفافية ، وذلك بفتح أبواب جميع وسائل الإعلام والاتصال ، وضمان حرية التعبير و إبداء الرأي  ، وتشجيع إنشاء مواقع انترنيت سورية ، ودعمها ماديا ومعنويا ، وتخفيف الكلفة غير المعقولة لاستخدام الانترنيت ،  مما يساهم في إطلاق طاقات شعوبنا ، وتوحيد صفنا الداخلي ، في مواجهة القوى الخارجية المتربصة في معركة مصيرية ، بات النضال الإلكتروني جزءا لا يستهان به منها .

 

متى نشعل الفتيل ؟!

أسعد عبود

     تروي الحكاية: إن حاكم المدينة ارتأى أن يقدم شيئاً ينظم الحياة ويضيء الظلمات فأصدر قراراً يأمر جميع سكان المدين الذين يرتادون شوارعها ليلاً بأن يحملوا معهم قناديل تضيء لهم الطريق، فلا يقع حادث تصادم .. ولا يتستر الليل على مرتكب فار..
   وذات يوم خرج الحاكم إلى شوارع المدينة ليلاً يتفقد حالها في ضوء قراره .. ولم يحمل قنديلاً كي لا يهرب منه مخالف .. وبينما هو يسير اصطدم بشخص يسير أيضاً بلا إضاءة فصرخ به:
يا أحمق أين قنديلك؟! ألم تسمع بقرار الحاكم..
قال الرجل:
سيدي هذا هو قنديلي ...
فذهب به إلى منطقة ضوء ليجد القنديل بيده وليس فيه زيتاً.
قال الحاكم: يا هذا أتحمل قنديلاً من غير زيت ..
قال الرجل: سيدي أنت لم تقل في قرارك أن نضع في القنديل زيتاً.
في اليوم التالي عدل الحاكم من قراره وأمر أن يحمل الناس قناديل معبأة بالزيت .. وخرج يستطلع تطبيق القرار .. فتصادم مع الرجل ذاته ..
قال الحاكم:
يا هذا .. أنت نفسك؟! هل وضعت في قنديلك زيتاً؟!
قال الرجل:
نعم يا مولاي هذا قنديلي وفيه الزين ..
تفحص الحاكم القنديل فوجده مملوءاً بالزيت لكن ليس فيه فتيل فسأل: أين الفتيل؟!
أنت لم تذكر في قرارك يا مولاي ضرورة الفتيل!! ذهب الحاكم وعدل قراره مرة أخرى .. وقصد شوارع المدينة مستطلعاً فاصطدم بالرجل ذاته .. وتفحص القنديل فوجده مملوءاً بالزيت وفيه فتيل .. لكن أحداً لم يشعل الفتيل ..
لم يحاور الحاكم الرجل .. فقد عرف سلفاً أنه نسي أن يضيف إلى القرار .. أن أشعلوا الفتيل .. وملأه تساؤل:
هل يعقل أن توضح لهم قرارات الحاكم كل خطوة يخطونها أو يتقاعسون ..؟ وهل تراه طريقنا طويل قبل أن نشعل الفتيل؟!!

صباح بارد في سيرينادا

وليد معماري

     قالت أم عنان لزوجها أبو عنان, بعد أن ارتشف الزوج قهوته الصباحية: مالك بالعادة ترتشف قهوتك (النصكافيه) رملا, كأنك على موعد لعقد صفقة بمليون ليرة?.. أخبرني شو فيه ما فيه?..

 أجاب أبو عنان: اسكتي يا أم عنان.. وامسكي أعصابك جيدا .. لقد قرروا نزع الكولبة الخشبية من أمام بيتنا..

ردت الزوجة بلا مبالاة: فليترعوها.. أكيد ناقصهم خشب لتشغيل معمل الورق في دير البهاما..

يمكنك نصب خيمة محترمة للعناصر.. ليس المرشحون الذين نصبوا خيم انتخابية أحسن منك?..

    قال أبو عنان: أنت لم تفهمي قصدي.. سيترعون الكولبة مع عناصرها.. قالوا أنه ما دامت البلد في أمان واطمئنان, فلماذا الحراسة على بيوت الساسة?

شهقت أم عنان, كما لو كانت قد تشردقت بالنصكافيه, وقالت: وهل كمان هؤلاء موجودون للحراسة?

أجاب الزوج: تقريبا .. على الأقل كانوا يحرسون الرصيف كي لا يأتي متطفلون من الجيران, ويصفون سياراتهم مكان سياراتي..

     ضربت المرأة صدغيها بكفيها, وقالت بما يشبه الحشرجة: وماذا أجاوب الجيران إذا سألوني أين راحت الحراسة التي كانت أمام الباب?

    قال: أجيبيهم بأن زوجي حارسه المولى عز وجل.. أو قولي لهم أننا أرسلناهم إلى منروفيا.. أو إلى الصومال.. من أجل الفصل بين الأقوام المتنازعة.. وبذلك يكونون قد حبسوا عصفورين في قفص واحد..

 من جهة يحققون السلام.. ومن جهة أخرى يجلبون للبلد عملة صعبة..

صاحت: وهل هذا كلام يقنع ولد ابن يومين, لم يصل إلى مرحلة التعليم الأساسي, يا أبو عنان ?..

رد ببرود: يا ستي.. قولي لهم أني أرسلتهم للمشاركة في تشييع عيدي أمين..

     اقتربت أم عنان من الانهيار العصبي.. وقدمت لانهيارها بانهيار فوق الكنبة.. وسألت: ومن سيشتري لنا الأغراض من السوق? .. ومن سيشطف الدرج?.. ومن سيقطع لي البصل ?!..

     أجاب الرجل وهو يلعق لسانه بقايا النصكافيه عن الجدار الداخلي للفنجان: أنت يا روحي.. ألم يقل لك الدكتور أنك بحاجة للمشي?.. هذه فرصة ذهبية, ريثما ندبر لنا شي سيريلانكية..

 تكورت أم عنان فوق الكنبة مثل هرة وضعت تحت الدوش لمدة نصف ساعة, وسألت بصوت خشن للغاية: كل هذه فهمناه.. ولكن من سيغسل لك سياراتك يا لوح بوظ زمانك?..

     أجاب وهو يمسح جدران الفنجان بإصبعه, ثم يلحسه بلسانه: اطمئني يا عمري.. لأنهم سيسحبون السيارات مني.. وزير الاستقصاد هدد بتصدير البترول الموفر من سيارانتا لتركيع منظمة الأوبيك...

      وتخفيض أسعاره في السوق العالمية من أجل رفع سعره عندنا.. مثلما فعلوا المرة الماضية حين زاودا الأجور والرواتب..

    على الأغلب أن أم عنان لم تسمع الجمل الأخيرة التي جاءت بعد كلمتي (السيارات مني..) بدليل أنها سألت وهي (تتشلهف): بما فيها (البيجو) التي كانت عند ماميتي ??..

    شهق أبو عنان, مثلما شهق علاء الدين حين فرك المصباح السحري, وطلع له المارد: ليش (البيجو) كانت عند ماميتك.. بينما أمين مستودع المركبات أصيب بالجلطة وهو يبحث عنها ?!..

لم ترد أم عنان, لأنها كانت قد سقطت عن الكنبة مغميا  عليها..



هوامش لابد منها :

_ ضم العدد 37 رسما كاريكاتورياً للفنان علي فرزات .

_ بدأ تحرير العدد مساء الأربعاء  23/7/2003 وأغلق تحريره مساء السبت 26/7/2003، وأنجزت طباعته ليل الأحد 27/7/2003 .

_ سلمت 1000 نسخة من العدد لمؤسسة توزيع المطبوعات صباح الاثنين 28/7/2003 ، وأبلغت مؤسسة المطبوعات إدارة الدومري بالسماح بتوزيع العدد في الساعة الثامنة من مساء يوم الاثنين 28/7/2003 ، فسلمت لها 1160 نسخة في العاشرة من مساء اليوم نفسه ، وفي الساعة الحادية عشرة ليلاً أبلغت بأنه تم منع توزيع العدد .

_ صادرت مؤسسة التوزيع 96 نسخة من العدد من أحد الباعة اشتراها من الدومري مباشرة يوم الأربعاء 30/7/2003 .

_ صدر قرار إلغاء رخصة جريدة الدومري يوم الخميس 30/7/2003 بتوقيع رئيس الوزراء السوري محمد مصطفى ميرو ، بناء على اقتراح قدمه له وزير الاعلام عدنان عمران في نفس يوم صدور قرار إلغاء الرخصة .